موسكو تعيد تشكيل المعارضة السورية

موسكو تعيد تشكيل المعارضة السورية

"نعود إلى موسكو... فهل ستشرق منها الشمس؟"، تساءل رئيس الائتلاف الوطني السوري الأسبق معاذ الخطيب، في مقال طويل نشره على صفحته على فايسبوك، بعد زيارته العاصمة الروسية في 26 نوفمبر الماضي.

كان الخطيب من أوائل الذين تحدثوا عن لقاء سيُعقد في موسكو، بعد زيارته الشهيرة التي أثارت سجالاً بين المعارضين السوريين حول جدواها. في مقاله المذكور، اعتبر أن مقاطعة الائتلاف لموسكو سابقاً هي خطأ سببه التحاق المعارضين بمحاور "لم نرَ من ورائها أي نجاح حاسم".

اعلان


ولكن حين انتقل الحديث عن "اللقاء التشاوري" إلى مرحلة الجدّ وإرسال الدعوات، سارع الخطيب إلى المطالبة بحل سياسي يتضمّن "رحيل رأس النظام والمجموعة التي ساقت سوريا إلى المصير البائس الذي وصلته اليوم". ثم عاد وأعلن رفضه المشاركة في اللقاء "بصفة شخصية أو معنوية" مستدركاً باسمه وباسم مجموعة "سوريا الوطن" التي ينتمي إليها أنه "لا يمانع أي مفاوضات سياسية لرفع المعاناة عن الشعب السوري".

ماذا فعل الخطيب؟ لولا مواقف الخطيب لما كان ممكناً أن تخرج إلى النور الفكرة الروسية. تقاربه من روسيا هو ما سمح لغيره من المعارضين بقبول مسعاها. إذن مهّد الطريق للقاء وكسب بذلك موقع رجل السياسة القادر بمواقفه على خلق مناخات تؤثر على مجرى السياسية في سوريا. ولكنه لم يشارك لكي لا ينعكس فشل لقاء موسكو عليه، هو الذي تقول بعض أوساط الائتلاف السوري أنه نجح في كسب شعبية قوية وأنه سينال ربع أصوات السوريين لو حصلت الآن انتخابات رئاسية. تحوّل الخطيب إلى رقم سوري صعب لا يمكن استثناؤه بعد اليوم.

من ناحيتها، تلقفت "معارضة الداخل" فرصة الدعوة الروسية. هؤلاء وعلى رأسهم "هيئة التنسيق الوطنية" برئاسة حسن عبد العظيم و"تيار بناء الدولة" برئاسة المعتقل السياسي لؤي حسين كانوا قد عانوا من نهج "معارضة الخارج" الإقصائي. فقبيل مؤتمر جنيف لتسوية الأزمة السورية، توصل الطرفان إلى إتفاق مبدئي على تشكيل وفد مشترك يمثل المعارضة السورية ولكن الائتلافيين ضربوا ذاك التفاهم بعرض الحائط مستندين إلى الدعم الخليجي والغربي العارم لهم آنذاك.

شكلت الدعوة الروسية فرصة لهيئة التنسيق كي تعود إلى الواجهة وتعيد التوازن بين مكونات المعارضات السورية ونجحت في ذلك. ولكن هنا طرأت مشكلة فالدعوات الروسية موجّهة إلى أفراد بصفتهم الشخصية لا إلى كيانات سياسية ما يعني أن ما يتوقون إليه سياسياً لن يتحقق بشكل كامل كون مكوّناتهم لن تحظى بالشرعية التمثيلية الكافية. بالنسبة للهيئة، المأزق مركّب كون "حزب الإتحاد الديمقراطي" الكردي هو أحد أبرز مكوّناتها إن لم نقل المكوّن الوحيد الذي يمتلك تأثيراً على ساحة المعركة السورية. رفض الهيئة كان سيعني خلافاً بين مكوناتها.

ومن هذا المنطلق كان قرارها بعدم رفض مشاركة أعضائها في اللقاء التشاوري. أما بالنسبة للحزب الكردي الذي لطالما اتهمته "معارضة الخارج" بتأييد النظام السوري، فإن رئيسه صالح مسلم سيذهب إلى موسكو بعد أيام من اشتباكات دارت بين عناصر قوات الحماية الشعبية وقوات الدفاع الوطني النظامية. الاشتباكات المحدودة التي أودت بحياة عشرين شخصاً ستسمح للحزب بالمجاهرة بأنه أحد ممثلي معارضة الداخل الأقحاح.

أما بالنسبة لـ"تيار بناء الدولة" فكان الموقف شديد الإحراج. فقد وجّه الروس دعوتهم إلى نائب الرئيس منى غانم لا إلى الرئيس لؤي حسين المعتقل في سجون النظام، أي أنهم لم يبذلوا جهداً لمطالبة حليفهم السوري بأمر بسيط مثل إطلاق سراح حسين. أما سياسياً، فيعتبر التيار أن "الأزمة قد أشبعت تشاوراً" وكان على الروس إطلاق "مبادرة واضحة ذات عنوان صريح، وجدول أعمال واضح تعرضه عليهم كي يتم قبوله"، على ما قال حسين في رسالة من داخل سجن عدرا. ولا ننسى الامتعاض المشترك بين التيار وبين هيئة التنسيق من الدور الذي يعطيه الروس لقدري جميل، أمين "حزب الإرادة الشعبية"، ومحاولتهم وضعه على خارطة المعارضة السورية رغم قربه من النظام.

في السياسة الإقليمية، تأخذ مواقف قوى المعارضة السورية أبعاداً أخرى. من الواضح أن هناك نواة توجه سياسي يجمع السعودية والإمارات ومصر عنوانه التقرّب من هيئة التنسيق. تجلّى ذلك في احتضان مصر، عبر مجلس العلاقات الخارجية وهو مؤسسة مستقلة، في 22 و23 من الشهر الجاري اجتماعاً في القاهرة يجمع معارضتي الخارج والداخل للاتفاق على ورقة مشتركة. كما تجلّى في اجتماع عُقد في دبي وأفضى إلى اتفاق "التنسيق" وتيار بناء الدولة على ورقة موحدة سيقدمانها في اجتماع القاهرة وأبرز ما فيها تجاوز فكرة بدء الحل باستقالة الرئيس السوري بشار الأسد. وهنا يصعب التكهن بمستقبل خيارات الهيئة السياسية بعد تقرّب دول خليجية منها ولكن في الوقت نفسه، ما كانت هذه الدول لتقوم بهذه الخطوة لو أرادت منها اتخاذ مواقف حادة إذ كان يمكنها الاكتفاء باحتضان الائتلاف.

أما في السياسة الدولية، فمن الواضح أن المجتمع الدولي لم يعد مقتنعاً بأن الائتلاف السوري هو الممثل الوحيد للسوريين ولا حتى بأنه الممثل الوحيد للمعارضة. ظهر ذلك في إقصاء التحالف الدولي ضد داعش له عن مجريات عمله ضد التنظيم المتطرف كما ظهر في بيان صادر عن الاتحاد الأوروبي يدعو فيه إلى اتحاد معارضتي الداخل والخارج.

من هذين الاعتبارين يمكن فهم موقف الائتلاف الوطني السوري من لقاء موسكو التشاوري. فبعد أن كان رئيس الائتلاف السابق، هادي البحرة المقرّب من السعودية، يتريث في إعلان موقفه من المشاركة في لقاء موسكو كونه أراد ترك الفرصة للمسعى السعودي الهادف إلى إعطاء دور بارز للديبلوماسية المصرية، أتى خلفه المنتخب في بداية الشهر الجاري، خالد خوجة، ليحسم خيار الائتلاف برفض الذهاب إلى موسكو معتبراً أنه "لا يمكن الجلوس مع النظام إلى طاولة واحدة إلا في إطار عملية تفاوضية تحقق انتقالاً سلمياً للسلطة".

وبموقفه عكس الائتلاف قلق قطر وتركيا مما يحيكه الدب الروسي كما عكس حقيقة أخرى مفادها أنه، برغم أن موقف الائتلاف ينطلق من الخليج، يصعب عليه تخفيض سقف طرحه السياسي كون القليل من الشرعية الذي لا يزال يحظى به لدى السوريين ينبع من ارتفاع سقف خطابه السياسي. كما أن الائتلاف، في ظل عدم انسحاب التقارب السعودي القطري على الأزمة السورية، سيتحول إلى كيان مشلول تفعيله قيد الدرس. وربما يكون انتخاب خوجة رئيساً للائتلاف، وهو من شخصيات الصف الرابع أو الخامس فيه، دليلاً على أن غياب أفق الحلّ يستلزم عدم حرق أوراق القادة البارزين.

يمتلك الروس ملامح مبادرة قد يطلقونها في ما بعد لو نجحت محاولتهم القريبة لجس نبض الأطراف السورية والأطراف الدولية، وقد تقود إلى تنازل الأسد عن بعض صلاحياته وتسليمها إلى حكومة وحدة وطنية. ولكن بالنسبة للقاء المقبل، فإن روسيا كانت صريحة حين قال نائب وزير خارجيتها ميخائيل بوغدانوف أن موسكو "لا تبني توقعات كبيرة على هذه اللقاءات". وعليه فإن أبرز ما سينتج عن لقاء موسكو هو تغيّر صورة المعارضة السورية في عيون العالم، وبهذا يمكننا القول أن ما بعد 29 يناير ليس كما قبله. لن تشرق الشمس على السوريين ولكن ستأفل شمس الائتلاف.

الصورة من أ ف ب

كلمات مفتاحية
المعارضة السورية

التعليقات

المقال التالي