اللبنانيون والسوريون: مَن هو العنصري؟

اللبنانيون والسوريون: مَن هو العنصري؟

بين حين وآخر، تظهر إلى العلن سجالات عنصرية بين اللبنانيين والسوريين على خلفية استقبال لبنان أعداداً كبيرة من اللاجئين السوريين. يُبدي اللبنانيون امتعاضهم من التأثيرات السلبية للنزوح بعبارات عنصرية. ويردّ السوريون بعبارات لا تقل عنصرية ويتناسون أن ما يقوله اللبنانيون سبق أن قالوه هم قبل عشر سنوات.

لا تُختزل العنصرية ضد السوريين في لبنان في مقال لصحافي مبتدىء يأسف على ضياع هوية شارع الحمرا البيروتي الراقي، ولا في لافتات تدعوهم إلى عدم التجوّل ليلاً بعد ساعة محددة، ولا حتى في تقارير تلفزيونية تحمّلهم وزر العديد من مشاكل هذا البلد وأوضاعه المتعثرة.

اعلان


هذه كلها أجزاء من لوحة أشمل تحتوي على آلية تفكير عنصرية تتجاوز السوريين إلى غيرهم من الشعوب، وتُبنى على تراتبية عنصرية طبقية طائفية مركّبة في لبنان. السوري هنا جزء من مُركّب الاستهداف الذي يشمل أيضاً الخدم والعمال الآتين من بلدان مختلفة، إضافة إلى الفلسطينيين الذين ما زالوا يعانون من تواطؤ ضمني، يكرّس استمرار حرمانهم من حقوق مدنية ينالها اللاجئون في أغلب بلدان العالم.

والسوري في لبنان هو كذلك جزء من خارطة الضجيج الإعلامي المرافق للصراع السياسي اللبناني. في السابق، قبل العام 2005، واجه السوري عنصرية فريق استقلالي شغله موضوع المليون المفترض كعدد للعمال السوريين في لبنان، فاتّهم هؤلاء العمال بأنهم عناصر استخباراتية متنكرة (باعة الكعك نموذجاً)، ووصل الأمر، غداة اغتيال الرئيس رفيق الحريري والانسحاب العسكري السوري من لبنان، إلى حرق خيام كانت تؤوي عدداً منهم والاعتداء على بعضهم. أما اليوم، فيتهمهم الفريق الآخر المقرّب من النظام السوري بـ"الدعشنة" (مناصرة تنظيم داعش) وبتفخيخ السيارات التي تستهدف لبنان، فضلاً عن تحميله مسؤولية خطف العسكريين اللبنانيين في عرسال، وهو ما أدى إلى تعرّض بعضهم لاعتداءات.

وبين حقبة وأخرى انقلبت الأدوار، فمَن كان يكتب على الجدران: "السوري عدوك" أصبح يوجه التحية لحماه وحمص ودرعا، ومَن رفع يوماً شعار "شكراً سوريا" أصبح يرتاب في السوري ويراه كإرهابي محتمل.

في المقابل، ظهرت عنصرية سورية معاكسة ضد اللبناني وكيانه، فتسمع كلاماً عن الشعب الذي كان يمتثل لإرادة ضابط مخابرات سوري في عنجر، وأصبح اليوم يضطهد النازحين ويفرض الفيزا، وعن الشعب الذي لم يردّ جميل السوري الذي استضافه إبّان عدوان تموز 2006. وتبدو هذه النقطة الأخيرة العنوان الأبرز لسوء الفهم السوري اللبناني المحتدم. فالرواية السورية تتحدث عن الشعب السوري الذي احتضن النازحين اللبنانيين بمحبة، ثم عندما احتاجهم عاملوه بالسوء لا بل ساهموا في قتله، في إشارة إلى تدخل حزب الله إلى جانب النظام السوري.

أما الرواية اللبنانية فتنقسم بدورها حسب موقع قائلها ضمن الاستقطاب الداخلي: فمن وجهة نظر جماعة 14 آذار، إن السوريين لم يستقبلوا "الشعب اللبناني" وقتذاك، بل استقبلوا جمهور حليفهم حزب الله وبإرادة رسمية من النظام، فضلاً عن أن ذلك كان لمدة محدودة، وبأعداد لا تقارن  بأعداد اللاجئين السوريين في لبنان اليوم. أما جماعة 8 آذار فتذهب أبعد من ذلك، ففي خطابها تكاد تسمع أن تدخل حزب الله في الحرب السورية هو تحديداً رد الجميل للدعم السوري إبّان عدوان تموز، وأن إفشال المؤامرة على النظام والبلد، ومواجهة التكفيريين هما أفضل ما يمكن تقديمه للسوريين. ورغم البون الشاسع بين النظريتين، يمكن القول إنهما متفقتان على ضرورة وضع حد للنزوح السوري، فقرار فرض إجراءات معقّدة على دخول السوريين إلى لبنان مرّ بسلاسة في الحكومة اللبنانية التي تجمع الطرفين.

لا يعكس التوافق على هذا القرار رغبة السياسيين من طرفي النزاع السياسي اللبناني فحسب، بل يعكس أيضاً استجابتهم لرغبة شعبية لبنانية، فهو لم يواجَه إلا باعتراضات محدودة من جانب كتّاب لبنانيين. أما ردة الفعل الشعبية السورية فكانت حادة بمقدار خيبة الأمل، التي أصابت الموالين والمعارضين على حد سواء، فكان الشجب هو تقريباً الموقف الموحد للطرفين. وهذا أفسح المجال لظهور الشوفينية السورية على قاعدة المظلومية. قال السوريون إن بلدهم لطالما كان الحضن الدافىء للنازحين إليه من فلسطينيين وعراقيين ولبنانيين، وإنه لم يقفل أبوابه قط في وجه من التجأ اليها. هذه الشوفينية تبدو وكأنها استعادة لما حاول النظام السوري خلقه من وطنية سورية لحظة انسحابه المهين من لبنان.

لكن هذا الخطاب يمكن دحضه بتذكير عموم السوريين بأن مسألة اللجوء العراقي تحديداً لم يكن عليها هذا الإجماع المفترض، فمن يعود إلى مواقع الإنترنت ويتذكر تلك المرحلة يستطيع بسهولة ملاحظة وجود حالة تذمر واسعة مما اعتُبر غزواً عراقياً للمدن السورية. حينذاك، حُمّل العراقيون مسؤولية ارتفاع أسعار الإيجارات والعقارات، وكثر الحديث عن الدعارة والسرقات. بل كان، لسخرية القدر، ثمة مطابقة بين حزن الكاتب في جريدة النهار اللبنانية على فقدان شارع الحمرا هويته وبين خطاب سادَ يومذاك يقول إن جرمانا، مأوى الطبقة المتوسطة في دمشق، لم تعد جرمانا بسبب توافد العراقيين إليها.

ما الفرق إذاً وكيف تغيب هذه المقارنة عن البال؟ الفرق كما يبدو هو في كون الخطاب السوري ضد اللجوء العراقي كان خطاباً شفاهياً في أعمّه، أو تجسّد في كتابات غير ذات ثقل إعلامي. بينما في لبنان، نراه يخرج عن صحف ذات تاريخ وحضور، وعبر سياسيين مشاركين في الحكومة، وعبر وسائل إعلامية مرئية تحظى بمتابعة واسعة.

إنّه الفرق بين بلد ثقافة شعبه السياسية علنية وغير خجولة بعنصريتها، وبين بلد يبدو شعبه اليوم في الطريق إلى هذه المرحلة. وقد يساعد هذا التغيّر المرتقب على استشراف مستقبل تبدو فيه شعوب المنطقة أكثر وعياً لذاتها وأكثر صراحة في التعبير عن تضارب مصالحها أحياناً دون الاضطرار إلى ترداد شعارات مثالية لا يزال لها حظوة وحضور.

هل يعني هذا أحقية الخطوة اللبنانية بتعقيد الإجراءات الحدودية لدخول السوريين إلى لبنان؟ أو أحقية السوريين بإدانتها وتعميم شجبهم لها؟ بالطبع لا، بل يعني ربما ضرورة مقاربة هذه المسائل بصورة تشمل المضاعفات الاقتصادية والاجتماعية قبل السياسية. وهذا الدور يُفترض أن تلعبه مؤسسات أكاديمية وفعاليات مجتمع مدني ولكنها، ويا للأسف، تبدو اليوم غائبة، كعادتها.

التعليقات

المقال التالي