صراع الأسياد والعبيد على الأرض الزراعية في موريتانيا

صراع الأسياد والعبيد على الأرض الزراعية في موريتانيا

لا تزال العبودية ومخلفاتها أبرز القضايا السجالية في موريتانيا، بين نافٍ لوجودها ومعترف ومناضل ضدها. البارحة، صدر حكم بسجن بيرام ولد أعبيدي، رئيس حركة "إيرا"، وناشطين آخرين مدة سنتين، بعد أن اعتقلوا بسبب تسيير قافلة حقوقية ضد ما سمّوه "العبودية العقارية"، ما أدى إلى وقوع صدامات بين قوات الأمن وبين أنصارهم.

بحسب المؤشر العالمي للعبودية وهو مؤشر يعمل عليه تقرير لمنظمة Walk Free Foundation الأسترالية، احتلت موريتانيا المركز الأول مع نسبة 4% من السكان الرازحين تحت نير العبودية.

اعلان


منذ تأسيس الدولة الموريتانية، ناضلت حركات ومنظمات حقوقية ضد العبودية وما زالت تواصل النهج نفسه. وحقق هذا النضال نجاحاً ملموساً، إذ تم تجريم العبودية في قانون صدر سنة 2007 ونصّ على عقوبات بحق المتورطين في قضايا الاستعباد. ثم، سنة 2011، جُرّمت العبودية في نص الدستور.

لكن رغم ذلك ما زالت المنظمات الحقوقية والناشطون يؤكدون أن تلك القوانين مجرد حبر على ورق لا تأثير لها على أرض الواقع، وأن الدولة تحمي المستعبِدين. ولا يقتصر عمل النشطاء الحقوقيين على فضح حالات العبودية بل يطرحون قضايا أخرى مثل وضع المستعبَد بعد التحرر وما تعانيه شريحة العبيد السابقين المعروفة باسم "الحراطين". وقد بدأت بعض المنظمات بطرح قضية "العبودية العقارية" في المناطق الزراعة في موريتانيا ومناقشة ضرورة محاربة الإقطاع المستفحل وتمكين الرقيق السابقين من الولوج إلى الملكيات العقارية.

أزمة الملكية العقارية للأراضي الزراعية

ترجع أزمة الملكية العقارية للأراضي الزراعية إلى سنوات الجفاف الذي ضرب موريتانيا في نهاية ستينيات القرن الماضي. حينذاك فرضت الظروف على مالكي الأراضي الزراعية من الأسياد وشيوخ القبائل العودة إلى أراضيهم والعمل على استغلالها.

فبعد اشتداد الجفاف وتفاقم الأزمة الاقتصادية، بدأت نظرة المالكين الكبار للأرض تتغير، وبدأوا بوضع يدهم عليها على أساس أنها جزء من ممتلكاتهم، وأن ملكية الأرض في موريتانيا كانت للقبائل. ولم يكتفوا بذلك بل ادعوا ملكية مَن عليها من بشر وقالوا إنهم عبيد لهم. هذا في حين كانت علاقة هؤلاء المالكين بأرضهم في السابق تقتصر على زيارات موسمية من أجل جمع المحاصيل باسم الزكاة وكانوا يترفعون على مهنة الزراعة.

وقد شهدت تلك الحقبة نشوء حالة من وعي الفلاحين بحقوقهم فرفض بعضهم أن يكون مجرد عبد يحرث أرض سيّده. واستطاع الفلاحون أن يفرضوا على الحكومة آنذاك إصدار قوانين منصفه مثل قانون الإصلاح الزراعي الصادر سنة 1983 الذي ألغى ملكية القبائل للأراضي ووزعها على المواطنين دون تمييز وجعل السلطة الإدارية صاحبة الاختصاص في الفصل في الخلافات العقارية الجماعية.

لكن ذلك الواقع الجديد لم يدم طويلاً، واستطاع مالكو الأرض و"الأسياد" أن يُرجحوا كفة ميزان العدالة لمصلحتهم ويرجعوا امتيازات الماضي. فنجحوا، مستخدمين نفوذهم، في استصدار تعميم، سنة 1986، يفرض على ممثلي الإدارة المحلية العمل على تمكين كبار المالكين من الاستحواذ على مساحات تفوق تلك التي كان مسموحاً تملّكها في القوانين السابقة.

وفي ما بعد، صدر المرسوم رقم 2000 الذي نزع تسوية الخلافات الجماعية من يد السلطات الإدارية وأحالها على اللجان المحلية والجهوية المعبرة عن سطوة الإقطاع، كونها مكونة من وجهاء القبائل ومَن يدور في فلكهم. لذلك كان من الطبيعي أن يتحوّل الفلاحون إلى الحلقة الأضعف في تلك النزاعات التي صارت تُحسم لمصلحة المالكين الكبار.

حالة عبودية

قال الناشط في "مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية" ـ "إيرا" المناهضة للعبودية، جدو ولد عبد الوهاب لرصيف22: "العبودية بجميع أشكالها سلبية ومرفوضة من جميع الأديان والقوانين والمنطق. وفي ما يخص العبودية العقارية، هي أكثر ما يهدد التماسك الاجتماعي والانسجام لاعتبارات كثيرة. فالارتباط الأبدي للإنسان بالأرض يجعله لا يقبل التنازل عنها، خصوصاً أن الأرض لمَن أحياها، ولا يمكن لمَن حرث الأرض واعتاش منها لعقود أن يجد نفسه بين عشية وضحاها خارجها بسبب نفوذ رجل اقطاعي أو نظام قبلي".

وأضاف: "في الفترة الأخيرة كثرت النزاعات على الآبار ووسائل الري، وقد تقدم كثيرون بشكاوى إلى حركة "إيرا" نتيجة طردهم من أراضيهم بعد توجه الدولة للزراعة. إن القضاء على العبودية العقارية يساعد كثيراً على تحسين ظروف العبيد والعبيد السابقين ويقلل من النزاعات والصراعات التي غالباً ما تكون عنيفة وتزيد من إثارة الحساسية والعنصرية".

وكانت حركة "إيرا" أعلنت قصة المواطن إبراهيم ولد أبلال، أحد أبناء شريحة العبيد السابقين المتضررين من أزمة الملكية العقارية، في بيان وزعته على وسائل الإعلام، وفيه: "مثل أمامنا في إيرا السيد ابراهيم ولد أبلال (74 سنة)... يحمل في جعبته أمر من محكمة كيهيدي بالخروج من أرض زراعية ولد فيها وولد فيها والده وجده لكن المحكمة بكوركول (عاصمة ولاية كيهيدي) حكمت بأحقية سيدهم الطالب ولد محمد ولد سيدي في ملكيتها على أساس واحد وهو أن مال العبد لسيده".

وقال إبراهيم ولد أبلال إن جده أحمد آبي ولد بكه عندما مات قبل سنين من الآن قسمت تركته من بقر وغنم وأراضٍ زراعية بين الأسياد "أهل سيد أحمد ولد الشرقي"، وحفيدهم المسمى الطالب ولد محمد ولد سيد أحمد ولد الشرقي هو الذي يدّعي ملكية أرضنا الزراعية التي توارثناها كاهل (رجل مسنّ) عن كاهل بالعمل و الإحياء". وأضاف الشيخ السبعيني، في دليل على انحياز القضاء للأسياد، إن القاضي لم يدوّن أقواله، وتحدث عن شعوره بالإهانة خلال كل مراحل التقاضي مع هذا الرجل "لأنه في كل مرة يشعر أنهما ليسا سواسية أمام القضاء ولا الإدارة".

احتجاج على الواقع

أمام هذه الواقع، قررت مجموعة من الناشطين الحقوقيين في منظمة "إيرا" ومنظمات حقوقية أخرى الوقوف والاحتجاج ولفت الانتباه إلى الاستغلال الذي يتعرض له الـ"حراطين" على يد كبار المالكين العقاريين. وسيروا في السابع من نوفمبر الماضي قافلة حقوقية ضد ما سمّوه "العبودية العقارية". انطلقت القافلة من مدينة بوكي جنوب موريتانيا ومرّت بالبلدات الرئيسية المحاذية لضفة نهر السنغال قبل أنتصل إلى مدينة روصو جنوب موريتانيا. لكن قوات الأمن اعتقلت المشاركين فيها بمَن فيهم زعيم هذه الحركة بيرام ولد الداه ولد أعبيدي.

وبرغم تنديد الكثير من المنظمات والأحزاب الموريتانية بذلك الاعتقال، صدر البارحة حكم بسجن كل من ولد أعبيدي ونائبه ابراهيم ولد بلال، وديب صو، رئيس جمعية "التجمع من أجل التطوّر" المسيّرة للقافلة سنتين، فيما تمت تبرئة سبعة معتقلين آخرين.

إحصاءات ومطالب أخرى برفع التهميش

تضمّن "ميثاق الحراطين للحقوق الاقتصادية والاجتماعية" إحصاءات توضح واقع الفلاحين. وميثاق الحراطين هو وثيقة أعدتها مجموعة من مثقفي شريحة الحراطين للمطالبة بإنصاف هذه الشريحة. وقد نظمت في إبريل 2014 مسيرة حاشدة في العاصمة نواكشوط من أجل دعم هذه المطالب، تحت عنوان "مسيرة الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحراطين".

وقد جاء في هذا الميثاق أن:

  • أكثر من 90% من المزارعين الصغار الذين لا يمتلكون أرضاً نتيجة المنح التقليدي أو الاستغلال الإقطاعي هم من شريحة الحراطين؛
  • أقل من 10% من 30 ألف هكتار من الأراضي الممنوحة قانوناً والمستصلحة في ضفة النهر، تم منحها لصغار المزارعين المحليين والباقي استحوذ عليه العشرات من الموظفين والتجار ورجال الأعمال المتحدرين في أغلبهم من ولايات غيـر زراعية؛
  • تراوح مساحة قطعة الأرض الممنوحة للمزارع المحلي بين 0.25 و0.5 هكتار بينما متوسط تلك الممنوحة للموظف أو رجل الأعمال هي 200 هكتار؛
  • أقل من 10% من 2 إلى 3 مليار أوقية (العملة المحليّة) من القروض الممنوحة سنوياً من طرف القرض الزراعي لتمويل الحملة الزراعية هي الحصة المخصصة لآلاف المزارعين المحليين (أغلبيتهم من الحراطين) مقابل أكثر من 90% للعشرات من رجال الأعمال المتحدرين في معظمهم من أوساط ومناطق لا علاقة لها بأيّة ممارسة أو تقليد زراعي.

في حديث لرصيف22، أكد الناشط والمدون الموريتاني الحسين ولد محمد عمر أن النظام غير جاد في حل أزمة الملكية العقارية وقال: "إلى جانب موضوع العبودية الشائك الذي تعانيه موريتانيا، يبرز بين اللحظة والأخرى موضوع العبودية العقارية وهو أخطر من العبودية بأشكالها الأخرى. فهذا النوع من العبودية يستغل جهل أشخاص بشكل مهين وفي الوقت نفسه يحرمهم من استغلال الأراضي الزراعية استغلالاً جيداً. وهو من هذا المنطلق له أثران، أثر استغلالي وآخر يتمثل في تعطيل انتاجية مساحات من الأراضي يمكن أن تستغل بشكل أحسن لو تمنح للمستعبَدين".

وأضاف الحسين: "النظام العسكري الحاكم في موريتانيا لم يسعَ إلى إيجاد حل نهائي لمعضلة العبودية العقارية، نظراً لضعفه أمام كبار المالكين الذين يسيطرون على أهم مفاصل الدولة. ولذلك فضّل التعاطي مع هذا الموضوع بسطحية فجة محافظاً بذلك على تأييد الزعماء التقليديين الذين يستمد منهم قوته".

أحمد ولد جدو

مدون وناشط موريتاني مساهم في منصات عربية أخرى، مهتم بالكتابة عن السياسة والحريات في موريتانيا والعالم العربي.

كلمات مفتاحية
موريتانيا

التعليقات

المقال التالي