كندا وتجربة التعددية الثقافية: المسلمون المتزمتون يرفضون سياسات الانفتاح

كندا وتجربة التعددية الثقافية: المسلمون المتزمتون يرفضون سياسات الانفتاح

تسعى الحكومة الكندية بكل الوسائل والطرق الممكنة إلى مدّ الجسور وإيجاد مساحات مشتركة بين الوافدين إليها، في مسعى منها لابتكار هوية كندية يتم استيلادها من خلال الاندماج واحترام التعددية الثقافية. ولكن هذا لا ينجح مع بعض العرب والمسلمين.

تختزن ذاكرة هفال قصصاً كثيرة عن عرب وأكراد جاءوا إلى كندا. مهنته كمترجم قانوني معتمد لدى المحاكم الكندية أكسبته معارف وعلاقات وقصصاً طريفة ومتنوعة. يروي إحداها: شاب لبناني متزوج بشابة كندية، حدث بينهما شجار كالذي يحصل عادةً بين أيّ زوجين، وفي لحظة غضب تفوّه بكلمات بدون ضابط أو رقيب: "سأقتلك". لم تعتد الزوجة الكندية مثل هذا التهديد. خالته حقيقياً، فتقدّمت بشكوى ضدّه.

اعلان


يضيف هفال: "كانت اللغة الإنكليزية للشاب اللبناني "ماشي حالها"، وعادة تُحضر المحكمة مترجماً معتمداً منعاً للالتباس أو أدنى سوء فهم. انفجر الشاب اللبناني من الضحك عندما سمع زوجته تقول للقاضي أنّه هددها بالقتل. ولما سأله القاضي عن سب ضحكه، لم ينتظرني كي أقوم بالترجمة، فأجاب فوراً وهو يغالب ضحكه: "عندما قلت لها سأقتلك لم أكن أعني ما أقول، ففي بلدنا وثقافتنا نكرر الكلمة هذه عشرات المرات من باب اللغو الفارغ ولا نعنيها مطلقاً". أطرق القاضي ملياً، ابتسم ثم وجه كلامه للشاب: لا تكررها مرّة أخرى.

تعدّ كندا بلداً متعددة الثقافات، وشعارها: "ثقافة كندا، تعدد ثقافاتها". مواطنوها يتحدّرون من 34 جنسية من مختلف دول العالم، وتشير بعض الإحصاءات إلى أن عدد العرب حوالى مليون نسمة، يشكل اللبنانيون والعراقيون النسبة الأكبر منهم، ويتوزعون على مراكز المدن الرئيسة مثل تورنتو ومونتريال وفانكوفر وغيرها.

مما لاشك فيه أن كل مهاجر من أية جنسية يحمل في ترحاله ثقافته وعاداته وتقاليده ومنظومة سلوكية كاملة تلعب دور المحرك في تحديد مواقفه. بعض المهاجرين يحاول أن يكون مرناً ومستوعباً للجديد الذي تفرضه عليه حياته الجديدة، وبعضهم الآخر، ويشكل النسبة الأكبر، يغرق في هواجس وتصورات ربما تدفعه إلى المعاناة من قلق مضنٍ وطرح أسئلة كبرى تحوّل حياته جحيماً.

واختلاف الثقافات من أبرز المشكلات التي يصطدم بها المهاجر الجديد. وفي رحلة التأقلم نمرّ إلى جانب جدران عدة، بعضها يترك جروحاً غائرة جراء اصطدام رؤوسنا بها، وأحيانا تكون الرضّة خفيفة، وفي أحيان أخرى يكون الصدم منعشاً وأشبه بفنجان قهوة يعطي الدماغ فسحةً للتأمل والتفكير في أحوال الثقافات التي يحبل بها كوكبنا.

بالإضافة إلى سعي الحكومة الكندية والمجتمع الكندي لابتكار هوية تحترم التعددية الثقافية، تحاول الدولة تخفيف حدّة شعور القادمين الجدد بالاغتراب، أو ما يسمّيه بعض علماء الاجتماع بـ"الاقتلاع المكاني والزماني".

لذلك، أُنشئت الكثير من المكاتب والجمعيات مختلفة الوظائف والأهداف ونظمت ورش العمل بغية تخفيف عبء الانتقال إلى مجتمع جديد وقُدّمت الخدمات المجانية للمهاجرين، سواء في تعلم اللغة، أو كيفية المساعدة في البحث عن العمل، أو الدورات والمحاضرات والبرامج الترفيهية، في عملٍ دؤوب ومنظم لكسر عزلة المهاجرين ومحاولة خلق الثقة بين حاملي عادات وثقافات مختلفة ومتنوعة. وكثيراً ما تؤكد كندا على ضرورة محافظة المهاجر على ثقافة بلده الأصلية، واحترام الجميع للثقافات المختلفة. ولتنفيذ هذا الهدف، تغيّر قوانينها بشكل مستمر لتستوعب المنظومة التشريعية أي متغير جديد.

قديماً، كانت بعض الرموز الدينية تقف حجرَ عثرة أمام الراغبين في الدخول إلى سلك الجيش أو الشرطة. ولكن الحكومة الكندية ألغت، عام 1975، ذلك القانون بعد حادثة وقعت مع شاب هندي ممن يعتنقون الديانة السيخية، تقدّم لشغل وظيفة في جهاز الشرطة، وبعد أن أتمّ كل الفحوص بنجاح، حالت عمامته الدينية التي يضعها على رأسه ولحيته الطويلة دون تقلده الوظيفة، فجاء التشريع القانوني بعد ذلك، وسمح بإظهار جميع الرموز الدينية، وأزيلت من طريق هذا الشاب والآلاف غيره المعوقات التي كانت تحول دون توظيفهم في السلك الحكومي.

وفي السياق نفسه، ومنذ أعوام ثلاثة مضت، قامت الدنيا ولم تقعد، إذ نددت منظمات حقوق الإنسان ومعظم وسائل الإعلام الكندية بما اعتبروه انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان، واستطاعت تلك الحملة المنظمة إبطال مشروع قانون فحواه: على المنقبة أن تنزع نقابها أثناء أداء القسم، وهو احتفال تقليدي يجري لمن حصل على الجنسية الكندية. أوجد حل مبتكر ينتصر لشرعة حقوق الإنسان ويقضي بأن تؤدي المرأة التي ترتدي النقاب قَسَم الجنسية أمام قاضٍ امرأة بعد أن تنزع نقابها أمامها.

مشاكل الخصوصية الثقافية وما تثيره من التباسات وسوء فهم تكاد تنعدم في الدستور الكندي، وكذلك في السياسات الحكومية. طبعاً هذا لا ينفي وجود بعض المشاكل وبعض التيارات والأحزاب التي تحاول منع إظهار الرموز الدينية واتباع سياسة الصهر والذوبان، كما يحصل بشكل خاص في منطقة كيبيك الفرنسية التي تحذو دائماً حذو العلمانية الفرنسية وتطبيقاتها.

برغم كل ذلك، تظهر تحديات ناتجة من عوامل مترسبة في قاع كل إنسان أياً كانت ثقافته أو جنسيته، وبفعل عوامل وتيارات فكرية تقع خارج الأراضي الكندية، وتصل تأثيراتها إلى داخلها.

في الليل، كثيراً ما تنتشر بكثرة دوريات الشرطة الكندية التي توقف السيارات المارة، لتتأكد أن سائقها لا يقود تحت تأثير الكحول ولا يشكل خطراً على السلامة العامة وذلك من خلال فحص سريع يجرونه له. يروي عرب ومسلمون يعيشون في كندا منذ عشرات السنين أنه عندما كانت دورية الشرطة تكتشف أن السائق مسلم أو عربي كانوا يقدمون له الاعتذارات. فالاعتقاد السائد لديهم هو أن شرب الحكول محرّم في الإسلام، وأن في سؤالهم أو إيقاف سيارة يقودها عربي أو مسلم اعتداء على المشاعر الدينية لهذا الشخص.

ولكن اعتداءات 11 ايلول الإرهابية أفرزت تأثيرات سلبية. فبسبب فوبيا الإرهاب القاعدي اختلفت الصورة، وبات من يحمل اسماً عربياً أو مسلماً يتعرّض للتدقيق أكثر من غيره. استمر ذلك فترة قصيرة، ثم زال تماماً كما أكد كثيرون.

لكن من دواعي الأسف أن ما تحاول الحكومة ومنظمات المجتمع المدني الكندية القيام به من أفعال وسياسات إيجابية تعزز من قيم وروابط المحبة والتسامح والتعاون بين المقيمين على الأراضي الكندية، تبدده بعض ممارسات مَن يسمّون أنفسهم رجال دين يفسّرون تعاليم الإسلام بطريقة متزمتة تضرّ بالإسلام والمسلمين، وتبدده أيضاً بعض ممارسات القوميين المتعصبين واليمينيين العنصريين.

يرصد الإعلامي السعودي تركي الدخيل في كتابه "سعوديون في أمريكا" أوضاع الشارع الأمريكي بعد الاعتداء على برجَيْ التجارة في نيويورك حيث كان يقيم في تلك المرحلة لمتابعة دراسته الجامعية. يروي حادثة ذات مغزى كبير. يقول: "إن الشرطة الأمريكية وبعض مناهضي العنصرية والتطرف أحاطوا مسجداً في أحد الأحياء الأمريكية أثناء إقامة صلاة الجمعة لأنهم كانوا يتحسبون من ردات فعل غير محسوبة قد يتعرّض لها المصلّون. وعندما كانت الشرطة الأمريكية في الخارج تحاول حماية كل الطرق المؤدية إلى المسجد، كان الخطيب في الداخل يشرّع يديه إلى الله بالدعاء: اللهم رمّل نساء النصارى ويتّم أولادهم، وكانت جموع المصلين تردد وراءه: آمين!

التعليقات

المقال التالي