الحركة الطلابية التونسية: من عنف النظام إلى عنف الطلاب

الحركة الطلابية التونسية: من عنف النظام إلى عنف الطلاب

لم تكن الحركة الطلابية يوماً بمنأى عن الأحداث المهمّة التي تعيشها تونس فتأثّرت بها وأثّرت فيها. قارعت الاستبداد مع مَن قارعه ونالت نصيبها من العقاب مع مَن عوقب. ثم كانت لاحقاً نموذجاً حيّاً للحراك المجتمعي والسياسي وتفاعلت مع الوضع الجديد الذي أفرزته الثورة.

في السنوات الثلاث الماضية، كانت الجامعات التونسية مسرحاً لتنافس حادّ بين طلبة "الاتحاد العام لطلبة تونس" وطلبة "الاتحاد العام التونسي للطلبة". وتمثّل هاتان المنظمتان العريقتان، المحسوبة أولاهما على اليسار التونسي وثانيتهما على حركة النهضة الإسلامية، العمود الفقري للحركة الطلابية التونسية.

اعلان


"الاتحاد العام لطلبة تونس"

أُسّس "الاتحاد العام لطلبة تونس" بعد مؤتمر عقد في باريس في يوليو 1953 وتقرّرت طبيعته الإيديولوجية وشعاراته المركزية على الشكل التالي: من أجل جامعة شعبية وتعليم ديمقراطي وثقافة وطنية واعتبار الحركة الطلابية جزءاً لا يتجزأ من الحركة الشعبية والقضية الفلسطينية القضية المركزية لحركة التحرر الوطني العربية.

يستذكر علي، الناشط في هذا الاتحاد، في حديث لرصيف22، نشاط سابقيه داخل الجامعة التونسية ويقول: "حتى في أيام الجمر تحت حكمي (الرئيس التونسي الأسبق الحبيب) بورقيبة و(الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين) بن علي، شكّل الاتحاد حركة شبابية جماهيرية وصل عدد المنضوين تحت لوائها إلى نحو 380 ألف طالب يتوزعون على جميع فروع الجامعة في كل أرجاء البلد".

أما ناظم، الناشط في المنظمة نفسها، فشرح لرصيف22 أساليب العمل المتبعة: "يدافع الاتحاد عن مصالح الطلاب المادية والمعنوية على نحو يضمن لهم النجاح أثناء الدراسة وبعد تخرجهم. فقد كان للمنظمة وقفات تاريخية بارزة كالإضرابات الواسعة بين عامي 1998 و2000 رفضاً لمشروع الكاباس"، في إشارة إلى مشروع فرض مباراة على المتقدمين لوظيفة التدريس في المدارس الثانوية التونسية. ولفت إلى "الجهود التي كان الاتحاد يقوم بها لتنظيم العاطلين عن العمل مثل عمله على تأسيس "لجنة المعطلين عن العمل" عام 2000، ثم "الرابطة التونسية للمعطلين عن العمل" عام 2002 والتي ولدت ميتة بسبب رفض السلطات الترخيص لها".

على مدار سنوات نشاطه، أطلق الاتحاد حراكات اجتماعية عدّة أشدّها رسوخاً في ذاكرة التونسيين الإضراب العام في يناير 1978 وانتفاضة الخبز في 3 يناير 1983. أما محطة نضاله الأبرز فهي حديثة ودارت عام  2008 في ما عرف بانتفاضة الحوض المنجمي، الشرارة الأولى للثورة التونسية. يروي علي أن "حضور الإتحاد كان فاعلاً في تحريك التظاهرات وتأجيج التحركات في الفروع الجامعية الكبيرة".

هكذا، أخذ النضال الطلابي بُعداً سياسياً أكثر عمقاً ونضجاً وحوّل مطالب الحرية والكرامة والديمقراطية إلى شعارات مركزية له، بعد أن كان دوره يقتصر على مسيرات مساندة القضية الفلسطينية التي لم تكن تتخطى أسوار الجامعة وكانت القوى الأمنية دائمة الحضور لتفريق المشاركين.

"الاتحاد العام التونسي للطلبة"

في مايو 1988، تأسس "الاتحاد العام التونسي للطلبة"، الذراع الطلابية لحركة النهضة. يقول سيف، الناشط في هذا الاتحاد، لرصيف22 أن نشاط هذه المنظمة محدود "والأمر مفهوم كونها عادت إلى الوجود بعد سنوات من المنع بدأت مع حكم بن علي وانتهت مع بداية الثورة ومن ثم هي الآن في طور إعادة البناء".

ويشير سيف إلى أن أحد أسباب محدودية نشاط هذا الاتحاد مردّه إلى "أسلوب عرقلة تنتهجه الإدارة والأساتذة في عدد كبير من الجامعات وهياكل الوزارة على خلفية الاختلافات الفكرية والإيديولوجية بينهم وبين الطلبة". إذ كثيراً ما ترفض الإدارات السماح لممثلي الاتحاد بعقد اجتماعات طلابية داخل المؤسسات الجامعية ولا تستجيب لدعواتهم إيّاها للحديث معهم في شؤون الطلاب.

برغم تزايد حماسة الشباب للمشاركة في النشاط الطلابي بعد الثورة، وبرغم اتساع خارطة الجامعة التونسية لتشمل مناطق داخلية كانت معزولة، والعدد الكبير للطلبة الذين يؤطرهم الاتحادان، فإن عدد الناشطين البارزين على الساحة الطلابية ضئيل ومتواضع. فـ"العزوف عن النشاط الطلابي هو السمة البارزة للطلبة التونسيين"، في رأي محمد، الناشط في "الاتحاد العام التونسي للطلبة"، وهو يقتصر على السجال حول القضايا السياسية على شكل أحاديث ثنائية أو مطارحات ونقاشات متواضعة لا تؤثر في الرأي العام.

جراح الماضي

كغيرها من الأصوات الرافضة للديكتاتورية على امتداد نصف قرن، كانت الحركة الطلابية التونسية في مرمى سهام الاستبداد. يروي عادل الثابتي، الباحث في تاريخ الحركة الطلابية التونسية وصاحب كتاب "الاتحاد العام التونسي للطلبة: خلفية التأسيس ومآلات المسار"، لرصيف22 بعض فصول القمع الذي مارسه النظام السابق بحق الطلبة وبشكل خاص في سنة 1991 الدموية.

ففي الأول من يناير من ذاك العام، قتلت زهرة التيس برصاص الأمن حين كانت تشارك في تظاهرة يوم الوحدة العربية. وقتل الطالب مبروك الزمزمي في 12 يناير. وفي 15 منه، سقط الطالب صلاح الدين باباي برصاص الشرطة. وفي تظاهرة منددة بالتدخل الأمريكي في العراق، في فبراير، سقط التلميذ إبراهيم عبد الجواد. وفي الشهر نفسه، لقي الطالب طارق الزيتوني حتفه في ظروف غامضة ووجدت جثته ملقاة على حافة الطريق. وفي الأول من مارس، قضى الطالب سمير لافي حين كان يهم بالقفز إلى عمارة مجاورة هرباً من الأمن الذي اقتحم مبنى السكن الطلابي. وفي 8 مايو، استخدمت قوات الأمن الرصاص الحي في مواجهة الطلبة وسقط الطالبان أحمد العمري وعدنان بن سعيد شهيدين. وتحت التعذيب سقط عامر دقاشي وعبد الواحد العبدلي في أواخر شهر يونيو.

وفي عام 1991، حُلّ الاتحاد العام التونسي للطلبة وجمّد نشاطه نهائياً في مارس وزُجّ بأبرز قادته، عبد اللطيف المكي وعبد الكريم الهاروني، في السجن.

لم يكن الطلبة الإسلاميون مستهدفين دون غيرهم. فقد طالت عصا النظام الغليظة أيضاً الطلبة اليساريين الناشطين ضمن الاتحاد العام لطلبة تونس. فقد ضيق النظام عليهم وطاردهم وصادر حقهم في النشاط النقابي والسياسي داخل الجامعة التونسية.

وشهدت سنة 1997 محاكمة واسعة لقيادات الاتحاد العام لطلبة تونس شملت 18 من أبرز قياداته. وفي السنوات الأخيرة قبل الثورة حوكم أكثر من 40 من قادته وزُجّ بهم في السجون. وكانت أبرز تلك المحاكمات محاكمة الأمين العام للاتحاد سنة 2008. وفي السنة نفسها، عُرض 60 طالباً على مجالس تأديب صورية داخل مؤسساتهم الجامعية وطردوا من الجامعة.

وفي العام 2009، مُنع الاتحاد من عقد مؤتمره، وطُرد عشرون من مناضليه من مقاعد الدراسة على خلفية نشاطهم النقابي وضُيّق على مناضليه في الجهات الداخلية للحيلولة دون التحاقهم بالمؤتمر الذي كان من المقرر عقده في كلية العلوم في بنزرت. وبعد منع الاتحاد من عقد مؤتمره حوكم أمينه العام نور الدين زعتور وطرد من عمله.

لم يكتف النظام بالتضييق على طلبة الاتحاد ومحاصرتهم وتقييد تحركاتهم ونشاطاتهم داخل الجامعة، بل أوجد فصيلاً طلابياً ملحقاً بهياكله الحزبية ليحتكر جلّ الأنشطة داخل الجامعة ويحظى بكل الامتيازات المادية والمعنوية. هذا الفصيل هو "منظمة طلبة التجمع" التي أسسها، سنة 1988، الحزب الحاكم والتي اشتهر أعضاؤها بالتعدّي على كل مَن يحاول تنظيم نشاطات معارضة للسلطة.

اختلاف أم خلاف؟

لم تكد الحركة الطلابية التونسية تلملم جراح الماضي، حتى وجدت نفسها في معركة من نوع آخر، هي معركة الانقسام والاختلاف بين مكوناتها الأساسية.

تعيش الحركة الطلابية التونسية بعد الثورة انقساماً حاداً يصل إلى حدّ خوف مشترك من تنظيم نشاطات خشية اندلاع العنف. وقد عرفت الساحة الطلابية سلسلة صدامات بين طلبة الاتحادين كان آخرها مواجهات رقادة في القيروان. وسبقتها مواجهات في جامعات المنار ومنوبة عام 2013.

كذلك وصل الأمر إلى حدّ تبادل العنف بين مكونات الفصيل الواحد وهو ما جرى بين طلبة الاتحاد العام لطلبة تونس بعد الفشل في التحضير لعقد مؤتمر وطني وانقسام المؤتمرين كتلتين متناحرتين.

محمد حجاج

صحافي وأكاديمي تونسي، باحث في الخطاب السياسي ومتخصص في الشؤون السياسية والاجتماعية.

كلمات مفتاحية
الثورة التونسية

التعليقات

المقال التالي