"شارلي إيبدو": حرية تعبير أم غباء؟

"شارلي إيبدو": حرية تعبير أم غباء؟

أثار الاعتداء الإرهابي على "شارلي إيبدو" سجالاً عالمياً بين وسائل الإعلام. فبرغم أن كل هذه الوسائل أدانت الجريمة بشدّة وتضامنت مع فريق عمل الصحيفة، فإنّ كثيرين لم يتوانوا عن انتقاد النهج الذي كانت تعتمده. ووصل الأمر ببعضهم إلى اتهامها بالغباء.

بعد ساعات من الهجوم الإرهابي الذي تعرّضت له، كتبت الصحيفة على موقعها الإلكتروني: "لأنّ القلم هو دائماً أقوى من البربرية، ولأنّ الحرية هي حق عالمي، ولأنّكم تدعموننا، سنُصدر مجلتكم الأربعاء المقبل". أما الكاتب باتريك بولو Patrick Pelloux فقد أكّد في تصريح له: "الصحيفة لن تتوقّف. لم يربحوا".

اعلان


أغلبية وسائل الإعلام تؤيد استمرار "شارلي إيبدو" في عملها. ليس هناك إعلامي حقيقي يقبل أن يتغلّب السيف على القلم. ولكن بمناسبة وقوع الجريمة، ظهر جليّاً أن بعض وسائل الإعلام الكبيرة، وبشكل خاص الأمريكية والبريطانية، لا تحبّذ طريقة الصحيفة في التعاطي مع الأمور وتفضّل ممارسة النقد من دون "المس بالمشاعر الدينية".

التجربة الإشكالية

منذ تأسيسها، عام 1970، اعتمدت الصحيفة أسلوب النقد من دون أيّة رقابة ذاتية وحاولت كسر كل التابوهات. "شارلي إيبدو" هي وريثة تجربة انطلقت في بداية الستينيّات مع صحيفة "هارا كيري" Hara Kiri التي تعرّضت مرّات عدّة للمنع من الصدور إلى أن حظرها، في العام 1970، وزير الداخلية الفرنسي ريمون مارسيلان Raymond Marcellin على خلفية نشرها عنواناً يتعاطى بسخرية مع وفاة الرئيس الأسبق شارل ديغول. حينذاك لم يكن من مفرّ أمام فريقها لاستكمال التجربة إلا الصدور تحت عنوان آخر فظهرت "شارلي إيبدو".

ولكن معظم الناس خارج فرنسا لم يسمعوا باسم "شارلي إيبدو" إلا في 8 فبراير 2006 حين أعادت نشر الرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها الصحيفة الدانمركية "ييلاندز بوستن"، والتي أثارت موجة غضب عارمة في البلاد الإسلامية. حاولت المنظمات الإسلامية في باريس منع الصحيفة من الصدور ولكن القضاء انتصر لحرية التعبير المطلقة.

بعد ذلك غاب اسم الصحيفة، على الصعيد العالمي، لفترة إلى أن صدرت، في 2 نوفمبر 2011، تحت اسم ساخر هو "شريعة إيبدو" معلنّة أن رئيس تحريرها هو النبي محمّد. كانت هذه طريقة الصحيفة للسخرية من نجاح حركة النهضة الإسلامية في الانتخابات التونسية ومن قرار الليبيين تبنّي الشريعة الإسلامية.

على أثر ذلك تعرّضت الصحيفة لأول اعتداء. ألقى شخص قنبلة مولوتوف على مقرّها دون أن يؤدي ذلك إلى وقوع خسائر في الأرواح. كذلك تعرّض موقعها الالكتروني للقرصنة ووضع المهاجمون على صفحته الأولى صوراً للكعبة وآيات قرآنية.

هذه القرارات التي اتخذتها الصحيفة لا تعني أنها كرّست نفسها لمحاربة الإسلام. هو أسلوب يرفض ممارسة الصحافي والناقد للرقابة الذاتية ويرى أن التعبير عن الرأي من دون الحرص على مشاعر المنتقَدين هو حق مطلق. فالصحيفة تشتهر أيضاً بسخريتها من رموز الديانة المسيحية، وسبق أن رفعت هيئات كاثوليكية دعوى عليها، وبسخريتها اللاذعة من السياسيين وخاصة اليمينيين منهم.

ما رأي الإعلاميين؟

بطبيعة الحال، ظهرت الصدمة في كتابات الصحف الفرنسية. فأشارت "لوموند" إلى أن الهجوم يعيد التذكير بأن البعض يعتبر "حرية الفكر والتعبير تهديداً لا يغتفر للشريعة التي يحلم بفرضها". ووصفت "لوفيغارو" ما حصل بأنه "حرب التعصب الإسلامي ضد الغرب وأوروبا وقيم الديموقراطية". أما "لوبوان" فقد أصدرت عدداً يعرض على غلافه رسماً للنبي محمد، ويحمل العنوان التالي: "الحياة الحقيقية لمحمد/ حب وحروب ونساء: اكتشافات المؤرخين"، ولكن موقعها الالكتروني أشار إلى أنه أُنجز قبل الاعتداء.

في المقابل كان رأي الأمريكيين والبريطانيين مختلفاً نظراً لبعدهم نسبياً عن ساحة الهجوم وبسبب فروقات ثقافية في النظرة إلى علاقة الدين بالدولة والمجتمع. ولعلّ ما كتبه طوني باربر Tony Barber، رئيس تحرير القسم الأوروبي في صحيفة "فايننشال تايمز" هو أقسى انتقاد لنهج "شارلي إيبدو". كتب: "لا يجب أبداً خلق الأعذار للقتلة. يجب إلقاء القبض عليهم ومعاقبتهم. ولا أقترح أن حرية التعبير لا يجب أن تمتد إلى التعاطي الساخر مع الدين. ولكنني أعتقد أن تمتع منشورات كـ"شارلي إيبدو" و"ييلاندز بوستن" بقليل من الحس السليم سيكون مفيداً لها.  فهي تظنّ أنها تحقق نصراً للحرية حين تستفزّ المسلمين وهذا، في الحقيقة، يدلّ على أنهم أغبياء".

بعيداً عن هذا النقد القاسي، اتخذت وسائل إعلامية كثيرة قرار عدم إعادة نشر كاريكاتورات الصحيفة الإشكالية على اعتبار أنها غير مجدية لا بل سلبية. مباشرة بعد الاعتداء، أرسل رئيس تحرير شبكة "سي أن أن"، ريتشارد غريفيثس Richard Griffiths، رسالة داخلية إلى كل الموظفين طلب منهم فيها عدم نشر أيّة صورة "مهينة". قال لهم: "نحن لن ننشر في هذه المرحلة صوراً لرسوم شارلي إيبدو التي تصوّر النبي ويعدّها مسلمون كثيرون مهينة ولكن يمكن أن نَصِفَها. هذا هو المفتاح لإيضاح طبيعة الهجوم على المجلة وللموازنة بين حرية التعبير وبين احترام الدين".

من جانب آخر، قال المتحدث باسم وكالة "الأسوشياتد برس": "نحن لا ننشر عمداً صوراً مثيرة للاستفزاز. هذه سياستنا منذ سنوات". وقررت إدارة "نيويورك تايمز" الاستعاضة عن نشر الرسوم بعناصر أخرى تساعد القارئ على فهم الوضع مؤكدة أنها لا تنشر صوراً "خُلقت عمداً للمس بالمشاعر الدينية". وسارت في هذا الاتجاه شبكة "أن بي سي" التلفزيونية الأمريكية.

هذه الوسائل الإعلامية قرّرت التشويش على رسوم الصحيفة حين نشرت صوراً تظهر فيها هذه الرسوم في فعل اعتبره كثير من القرّاء أنه انتصار للإرهاببين على الحرية. هكذا فعلت صحيفة "نيويورك دايلي نيوز" وصحيفة "التلغراف" التي نشرت صورة قارئة تحمل عدداً من "شارلي إيبدو" يتحدث عن حياة النبي محمّد، بعد تشويش الجزء الذي يُظهر الرسم.

"سي أن أن" لم تكتف بذلك. ففي الجزء المخصّص للحديث عن الفيديوهات في المراسلة الداخلية المذكورة أعلاه، طلب غريفيثس من الموظفين عدم استخدام لقطات قريبة لـ"الرسوم الهجومية" التي يرفعها المتظاهرون والاستعاضة عنها باللقطات البعيدة.

أما صحيفة "وول ستريت جورنال" فقد أحجمت عن نشر رسوم تمثل النبي برغم أنها نشرت صوراً تسخر من الأديان، في موقف يؤكد أن الرقابة الذاتية على القضايا التي تمسّ مشاعر المؤمنين محصورة بالمواضيع التي تمسّ المسلمين. هذا السلوك أثار حفيظة صحيفة "واشنطن إكزامينر" المحافظة فانتقدت كيل "الاسوشياتد برس" بمكيالين وتساءلت: "إذا كنّا سنمارس الرقابة على الرسوم التي تسخر من الإسلام فلماذا الاستمرار في بيع صور Piss Christ للفنان الأمريكي أندريس سيرانو؟"، في إشارة إلى صورة فوتوغرافية التقطها سيرانو لمجسّم بلاستيكي للمسيح مصلوباً بعد وضعه في كوب يحتوي على بوله.

في الحقيقة، يشرح تساؤل "واشنطن إكزامينر" الإشكالية المطروحة بشكل جيّد. صارت المجتمعات الغربية متسامحة مع انتقاد الديانة المسيحية ورموزها. لكنها فجأة، وبسبب عدم تقبّل المسلمين أي مس بمعتقداتهم، وجدت نفسها ممنوعة من ممارسة أساليب في التعبير عن رأيها بالإسلام بالطريقة نفسها التي تعبّر بها عن رأيها في المسيحية.

كلمات مفتاحية
حرية التعبير

التعليقات

المقال التالي