جريمة "شارلي إيبدو": كفوا عن القول "هذا ليس إسلامنا"

جريمة "شارلي إيبدو": كفوا عن القول "هذا ليس إسلامنا"

دخل المسلّحون وارتكبوا جريمتهم بدم بارد. بدوا وكأنهم ينفذون عملاً عادياً، وكأنهم يلهون بلعبة "كاونتر سترايك". ميكانيكية فعل القتل التي بدت جليّة من الفيديو الذي انتشر البارحة مخيفة. الجريمة البشعة تتطلّب منّا أكثر من مجرّد إدانة. هي تتطلّب أن نحاول فهم ما جرى وسبر احتمالات ما يمكن أن يجري.

لا يمكن فهم جريمة "شارلي إيبدو" على أنها انتقام للنبي محمد، كما ردّد المجرمون في ساحة الجريمة. الانتقام للنبي هو فصل صغير من إيديولوجيا القتل لا أكثر. في فرنسا وفي باقي الدول الغربية حيث تنتشر الجاليات المسلمة، هناك تناقض حقيقي بين أشخاص يمتلكون مفاهيمَ مختلفة عن الحرية ومفاهيمَ مختلفة عن المجتمع بشكل عام.

اعلان


صيحة "الله أكبر" الملطخة بالدم في العاصمة الفرنسية ستدفع الفرنسيين إلى التفكير: ما الذي يجمعنا بهؤلاء البربريين الذين يريدون إعادتنا إلى عنفٍ تخطيناه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟ ليست مصادفة أن يصف النائب الفرنسي في البرلمان الأوروبي الشهير دانيال كوهين بنديت خلفية المجرمين بأنها "فاشية إسلامية" فالعنف في ذهن المجتمعات الأوروبية المستقرة منذ عقود طويلة مرتبط بالفاشية، مصدر الخطر الذي يهدّد الجميع. وبطبيعة الحال ستنتشر أكثر فأكثر الاقتناعات التي تقول: "ليرحلوا بعيداً من هنا".

بعد الجريمة، شددت الشرطة السويدية الإجراءات الأمنية حول الفنان لارس فيلكس الذي أثار جدلاً عالمياً عام 2007 بعد نشره رسوماً كاريكاتورية للنبي محمد. في الخاص، هذه حالة فردية ولكن في العام تحمل دلالات كثيرة. ففعل الحماية هذا، في إحدى دلالاته، يعني أنه على الأوروبي، ليعبّر عن رأيه، أن يتحوّل إلى سجين لأن "الضيوف" لا يقبلون تمتّعه بهذا الحق الذي اكتسبه بعد قرون من النضال. ليست الأمور بطبيعة الحال على هذه الصورة المتطرّفة. ولكن هكذا سيراها الأوروبي العادي.

هم مسلمون متطرّفون ينتمون إلى إيديولوجية محدودة الانتشار بين المسلمين، مَن ارتكبوا هذه الجريمة البشعة. ولكن الفرنسي لن ينظر إلى الأمر على هذا المنوال. سيعمّم تماماً كما نحن نعمّم ونسبغ أهالي مناطق بأكملها بصفات نُسقطها عليهم جزافاً. هم قلّة أجل ولكنّ أفعالهم ستشمل كلّ مَن يشترك معهم ببُعد هويّاتي. مَن "أعلن الحرب على فرنسا" هم "حقيرون ملثمون"، قالت صحيفة Les Echos. وراء لثامهم يخفون وجوه ملايين المسلمين. هذا ليس حقيقياً؟ أجل هو غير حقيقي. ولكن كثيراً ما يكون الخيال أقوى من الواقع في مثل هذه الأمور.

ليس المسلمون وحدهم مسؤولين عن الجريمة. ليس صحيحاً أن تجمّعات الجاليات المسلمة في أوروبا تفرز مثل هؤلاء القتلة لأسباب داخلية محضة أو لأن الإسلام دين يقوم على السيف. كما ليس صحيحاً أن هذا العنف البغيض هو ابن بار للعنف المنتشر في الشرق الأوسط. هؤلاء هم أبناء علاقة معقّدة، عمرها مئتا سنة بين المسلمين وبين الغربيين، علاقة بدأت منذ عهد الاستعمار ولم تنتهِ برفض الفرنسيين نمط حياة مواطنين كان آباؤهم قد استُقدموا من المغرب العربي كعمالة رخيصة فعاشوا في فرنسا وتناسلوا وأنجبوا أبناء الغيتوهات.

"الله أكبر"، صرخ القتلة مزهوّين بجريمتهم. أليس هذا هو الحدّ الأقصى للشعور بالإخصاء؟ في أوساط الجاليات المغاربية في فرنسا ينتشر شعور بالاغتراب عن المجتمع الكبير وبالعجز، شعور بأن كل مغربي هو مخصيّ منذ الولادة لأنه ولد في مجتمع لا هو قادر على ترحيله ولا يتقبّل اندماجه فيه.

بعد مئتي سنة من العلاقات المعقّدة لم يعد ممكناً أن نحدّد المسؤوليات بشكل دقيق. ليس لأن البحث التاريخي والاجتماعي غير قادر على درس المسألة بل لأن مئات الأخطاء المتبادلة تعاقبت وجعلتها تشبه كبكوب الصوف.

منذ مساء البارحة، تعرّضت مساجد فرنسية عدّة لهجمات. لماذا؟ لأن ثلاثة مسلمين قرّروا أن يتحوّلوا إلى إرهابيين. هل ستمرّ هذه الاعتداءات على المصلّين من دون ترك ندوب؟ هذا مثل بسيط من عشرات آلاف الأمثلة التي أنتجت، بتعاقب أفعال وردود أفعال، مسألة الجاليات الإسلامية في الغرب.

سيقول اليمين الفرنسي للمسلمين: "عودوا إلى دياركم" معتقداً أن هذه المقولة منطقية أكثر من مقولة "أعيدوا إلى ديارنا ما سلبه الاستعمار"، أو "أعيدوا تشكيل النظام الاقتصادي العالمي على أسس عادلة" أو حتى "لا تمشِ على هذه الطريق التي شقتها يدا جدّي". سيقول ذلك متجاوزاً مبدأي "الأخوة" و"المساواة" بتحميله ملايين الأشخاص تبعات ما ارتكبه نفر قليل شاذ.

وسيفرح الإسلاميون المتطرّفون التوّاقون إلى عودة "الكفاءات الإسلامية" من المهجر إلى أرض الإسلام وهي دعوة وجهها إليهم، على سبيل المثال لا الحصر، زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي، في خطابه الشهير. وسيفرحون أيضاً لأنهم يستطيعون القول إنهم يمتلكون حصان طروادة داخل المدن الأوروبية يستطيع مقارعة الطائرات الحربية الأوروبية التي تساهم في صنع الأحداث في الشرق الأوسط. ألم يدعُ المتحدث باِسم داعش أبو محمد العدناني إلى قتل "الفرنسيين الأنجاس"؟

أما "الاعتدال الإسلامي" فسيقول: "هذا ليس إسلامنا"، دون أن يعرف أحد بالضبط ما هو إسلامه. هل نسينا التظاهرات التي عمّت العالم الإسلامي بعد نشر الصور الكاريكاتورية للنبي؟ هل نسينا الخطب التي ألقيت آنذاك؟ هل نسينا التهديدات التي خرجت من أفواه "المعتدلين"؟ القتلة الثلاثة نفذوا ما أوحى الجميع به لهم.

التعليقات

المقال التالي