المغرب، جنّة الإخوان المسلمين الأخيرة في العالم العربي

المغرب، جنّة الإخوان المسلمين الأخيرة في العالم العربي

لا يزال حوالى نصف الشعب المغربي راضياً عن أداء رئيس الوزراء الإسلامي عبد الإله بنكيران، وذلك بحسب استطلاع رأي نشرته صحيفة "ليكونوميست" الاقتصادية المغربية.

إخوان المغرب في الصدارة

اعلان


في بداية العام الماضي، أطلق بنكيران، زعيم حزب العدالة والتنمية المغربي الإخواني، سلسلة إصلاحات قاسية رفضتها النقابات وتضمّنت رفع الدعم عن المحروقات وإصلاح صندوق التقاعد. حينذاك، راهن على تفهّم المغربيين لضرورتها قائلاً: "المغربيون يفهمون أننا لا يمكن أن نستمر في العيش هكذا وهم يدعمون خطتي الإصلاحية".

حين قال ذلك، كان يحظى بتأييد 45% من المغربيين. الآن، زاد على رصيده نقطتين إضافيتين بحسب الاستطلاع الذي أجراه مكتب "سونرجيا" للدراسات على عيّنة من ألف شخص. ولكن من الملاحظ أن نسبة من يعتبرون أنهم "راضون جداً" تناقصت بين المؤيدين في وقت ارتفعت نسبة من يعتبرون أنهم "غير راضين جداً" بين معارضيه كما ارتفعت نسبة المحايدين. ومن الملاحظ أن مؤيديه يتوزعون على كل الفئات العمرية والأديان والفئات الاجتماعية ما يكسبه صورة "رجل الدولة"، بحسب الصحيفة المغربية.

من ناحية ثانية، يؤيد 48% من الناخبين بقاء بنكيران على رأس الحكومة بعد الانتخابات التشريعية القادمة في العام 2016 وذلك مقابل 37% يتمنون رحيله. ويحظى بنكيران بتأييد خاص من الفئات الشبابية المدينية المنتمية إلى الطبقة المتوسطة ويعتقد 53% من المغربيين أنه يدير الحكومة ويقارب مشاكلهم بشكل جيّد.

برغم هذه الأرقام التي يمكن وصفها بأنها استثنائية، إلا أن مقارنة نسبة التأييد الحالية التي يحظى بها بنكيران بنسبة تأييده في بداية العام 2012، بعد أشهر قليلة من ترؤسه الحكومة، توضح أن الرضا عنه تراجع بعد أن كان قد فاق نسبة 82%.

وتجدر الإشارة إلى أن المغربيين غير راضين، بنسبة 62% مقابل 28%،عن سياسات الحكومة الحالية في ما خصّ مكافحة الفساد وهي أعلى نسبة عدم رضا عن سياسة محدّدة وتتفوق على عدم رضاهم عن سياساتها في مجال العمل (55%) والتربية (54%) والصحة (52%). أما أهم سياسات الحكومة التي تلقى تأييداً شعبياً فهي سياساتها في ما خص توفير الأمن للمواطنين (72%) وتمكين المرأة (64%).

وأيضاً، اعتبر 40% من المستطلعة آراؤهم أن بنكيران هو أفضل رئيس حكومة عرفته المغرب في السنوات الأخيرة. ولم تتجاوز نسبة تأييد خصمة الأول، الأمين العام لحزب الاستقلال حميد شباط، نسبة الـ11%. باختصار، بنكيران هو نجم السياسة في المغرب ولكن هذا قد يؤثر سلباً على حزبه. فشخصيته القوية تمنع بروز قادة آخرين ما يجعل حزبه حزباً مرتبطاً بشخصه تماماً كما الحال بالنسبة لحزب العدالة والتنمية التركي.

ربيع الإخوان اليتيم

لا يمكن فصل وصول حزب العدالة والتنمية المغربي إلى السلطة عن بداية أحداث الربيع العربي. فقد تأثر المغربيون بالمناخ الناشيء في العالم العربي آنذاك ونظموا تظاهرات كان أبرزها تلك التي جرت في 20 فبراير 2011. لاحتواء الوضع، وعد الملك محمد السادس المغربيين بتشكيل لجنة تعمل على تعديل الدستور.

وفى الملك وعده ونظّم في الأول من يوليو استفتاء على مسودّة للدستور الجديد شارك فيه 70% من المغربين ونالت تأييد 98% منهم. من أهم التعديلات التي أدخلت على الدستور تلك التي تحدّ من صلاحيات الملك وتلزمه بتعيين أحد أعضاء الحزب الفائز في الانتخابات البرلمانية رئيساً للحكومة وتعزّز صلاحيات الأخير.

بنتيجة التعديل الدستوري، قُدّم موعد الانتخابات البرلمانية إلى نوفمبر 2011. قاطعت بعض الأحزاب الراديكالية الاستحقاق واعتبرت أن الإصلاحات الدستورية غير كافية. ولكن حزب العدالة والتنمية قرّر تبني موقف وسطي فشارك وحصد 107 مقاعد من أصل 395، متصدراً لائحة الفائزين. وتم تعيين زعيمه بنكيران رئيساً للحكومة.

خريف الإخوان العرب

بحسب نتائج الاستطلاع المذكور أعلاه، يكون إخوان المغرب المسلمون التشكيل الإخواني الوحيد الذي صمد بعد عاصفة الربيع العربي، إن على صعيد شعبيته أو على صعيد بقائه في السلطة.

ففي الجارة تونس، تراجعت شعبية حركة النهضة الإسلامية. وكانت الحركة قد حصدت، في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي أواخر عام 2011، 89 مقعداً من إجمالي عدد المقاعد الـ217 متصدّرة لائحة القوى الفائزة وبفرق كبير عن صاحب المركز الثاني، حزب المؤتمر من أجل الجمهورية برئاسة منصف المرزوقي، الذي فاز بـ29 مقعداً.

أما في الانتخابات التشريعية الأخيرة، فقد تراجعت حركة النهضة إلى المركز الثاني مع 69 مقعداً نيابياً، وتصدّر المشهد حزب نداء تونس العلماني مع 86 مقعداً. تراجع الحركة الشعبي عاد وتأكّد مع فوز رئيس حزب نداء تونس، الباجي قائد السبسي، بنسبة حوالى 56% من أصوات التونسيين متقدماً على منافسه محمد المنصف المرزوقي المدعوم من النهضويين أي على الشخص الذي يمثل أكبر تيارين سياسيين في حسابات المرحلة التي أعقبت الثورة التونسية.

ولكن، بخلاف الحال في المغرب، لم ينجح إخوان تونس في الانتشار أفقياً في كل أوساط الفئات الاجتماعية. بل تركز نفوذهم الأساسي في مناطق دون أخرى. فالانتخابات الماضية أظهرت أن ثقلهم يتركّز في جنوب تونس ووسطها بينما تميل أغلبية أبناء شمال البلد وبعض المحافظات الساحلية ومحافظات الشمال الغربي إلى الخطاب العلماني الذي عبّر عنه السبسي.

وإذا كان الإخوان المسلمون قد خرجوا من المشهد السياسي التونسي بطريقة ديمقراطية وقبلوا بحُكم صناديق الاقتراع فإنهم رفضوا القبول بنتائج الانتخابات التشريعية الليبية التي جرت في يونيو الفائت وأسفرت عن تقدّم خصومهم الكبير عليهم. ولم ينجح حزب العدالة والبناء، الذراع السياسية للإخوان، في الفوز بأكثر من 30 من أصل 200 نائب. فرفضوا نتائج الانتخابات وقاد موقفهم إلى انقسام خطير في المجتمع الليبي يعبّر عن نفسه حالياً بانقسام البلاد بين برلمانين وحكومتين وبمعارك يومية بين الكتائب المسلّحة.

أما في مصر فقد أقصي الإخوان عن الحكم بالقوة بعد فوزهم الساحق في الانتخابات التشريعية وبعد تمكنهم من إيصال مرشحهم، الرئيس الأسبق محمد مرسي، إلى سدّة رئاسة الجمهورية. وتعقّد المشهد المصري بطريقة تمنع أي مراقب من تقدير شعبية الإخوان الآن لو لم يحصل ما حصل في 3 يوليو 2013.

وفي اليمن لم ينجح الإخوان ممثلين بذراعهم السياسية، التجمع الوطني للإصلاح، من كسب تعاطف أبناء الجنوب المطالبين بالانفصال أو تعاطف اليمنيين الزيديين المتحلقين حول حركة أنصار الله الحوثية. في مشهد وسطي، لا يقوم فقط على العنف ولا ترسمه نتائج الانتخابات، أدى التوسّع الحوثي العسكري في محافظات عدّة إلى تحجيمهم سياسياً بالتعاون مع أنصار الرئيس السابق علي عبد الله صالح.

هل يمكن القول، على ضوء التجربة المغربية، إن إخوان مصر ما كانوا ليغادروا السلطة لو لم يفرض عليهم العسكر هذا الأمر؟ يصعب تقديم إجابات حاسمة ولا يمكن القياس ببساطة على تراجع إخوان ليبيا وتونس لأن تراجعهما كان، أقله جزئياً، أحد ارتدادات إقصاء إخوان مصر عن السلطة وما رافقه من حملات إعلامية واسعة لتشويه صورتهم.

ولكن من المؤكد أن الظروف التي أدت إلى صعود الإخوان في الشرق الأوسط وأبرزها تنظيمهم الجيّد بعد اندلاع ثورات الربيع العربي والتعاطف الشعبي معهم كونهم أبرز ضحايا الأنظمة السابقة ما كانت لتستمر بالزخم نفسه الذي شهدناه عامي 2011 و2012.

التعليقات

المقال التالي