القوات الأمنية السودانية تقتل وتغتصب وتعذّب المعارضين. كيف تواجَه؟

القوات الأمنية السودانية تقتل وتغتصب وتعذّب المعارضين. كيف تواجَه؟

يصف معارضو النظام السوداني الأجهزة الأمنية في بلدهم بأنها "قمعية" و"سيئة الصيت". ورغم أن المدافعين عن الحكومة يشككون في هذه التوصيفات، يصعب عليهم التشكيك في صحّة شواهد عديدة تؤكد أن الأجهزة الأمنية تمارس القتل، والاغتصاب، والاعتقال، والتضييق على الحريات، ومراقبة الإنترنت، وخلاف ذلك من الانتهاكات.

القتل

في "احتجاجات سبتمبر" التي شهدتها السودان عام 2013 على خلفية رفض قرار حكومي برفع الدعم عن المحروقات نجم عنه ارتفاع كبير في الأسعار، أقرّت الحكومة السودانية بمقتل 85 محتجاً معظمهم من الشباب.

لكنّ منظمات غير حكومية تشدد على أن أعداد القتلى في "هبة سبتمبر"، كما يسمّيها معارضو نظام الخرطوم، تفوق الـ200 محتجّ، قضوا جميعهم بالرصاص.

المستغرب أن الحكومة السودانية تنصلت من مسؤولياتها وأدّعت عدم معرفتها مَن أطلق النار على المتظاهرين العُزل، وهو أمر أثار حفيظة مشهود بدرين الخبير المستقل في مجال حقوق الإنسان، فقال في تقريره أمام مجلس حقوق الإنسان إن "تقرير الحكومة السودانية عن أحداث سبتمبر غير مقبول قانونياً وأخلاقياً، ولا يقدم أي أدلة على إجراء تحقيق شامل ومستقل في انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت خلال تلك التظاهرات".

الاغتصاب

تشكو الناشطات والحقوقيات في السودان من تعرضهن للتحرش الجنسي بل الاغتصاب على يد أفراد قوات الأمن. ومع أن كثيراً من الناشطات يخترن اللوذ بالصمت حين يتعرّضن لمثل هذه الممارسات العنيفة، خوفاً من الفضيحة، خرجت الناشطة صفية إسحق، في فيديو صادم، نُشر على يوتيوب، تروي فيه وقائع اغتصابها في أحد مقارّ الأمن.

وكانت صفية، وهي فنانة تشكيلية، قد اعتُقلت بعد اشتراكها في تظاهرة ضد نظام الرئيس السوداني عمر حسن البشير. وبحسب روايتها فإنها اقتيدت بواسطة عربة إلى أحد المقارّ التابعة لجهاز الأمن حيث اغتُصبت.

التعذيب

درجت الأجهزة الأمنية على تعذيب المعتقلين بصورة ممنهجة. أبرز الأمثلة ما تعرضت له الطبيبة سمر ميرغني، إبان احتجاجات سبتمبر حين عانت من الضرب، والتحرش، والإهانة، وسمعت عبارات نابية. وكل ذلك جرى بسبب تصويرها تظاهرات كانت تجري أمام ناظريها بهاتفها الجوّال.

وُجّهت إلى سمر تهم تتصل بضبط صور فاضحة في هاتفها الجوّال، وهو أمر أثار حفيظة والدها، فكتب مقالة دفاع قوية عن ابنته أدان فيها فظائع قوات الأمن بحق الشعب السوداني.

ولاحقاً، عجزت المحكمة عن إثبات تهمة وجود صور فاضحة في هاتف الطبيبة، خاصة بعد تقديم خبير إلكترونيات من شركة سامسونغ، كان والدها قد أصر على حضوره، شهادة تقنية. ولكن رغم ذلك لم يترك القاضي سمر لحال سبيلها، فوجه إليها تهمة المشاركة في التظاهرات وغرمها خمسة آلاف جنيه (حوالى 580 دولاراً).

الاعتقال

الممارسة الأشهر لأجهزة الأمن في السودان، هي اعتقال الناشطين مدة طويلة بدون توجيه تهم. أكثر الناشطين تعرضاً للاعتقال هما طالب الدراسات العليا في جامعة الخرطوم محمد صلاح الدين، وخريج جامعة النيلين محمد حسن الشهير بلقب "بوشي". ودرجت الأجهزة الأمنية على اعتقال صلاح وبوشي بصورة متكررة، وهما تعرّضا لعنف ممنهج خلّف آثاراً على بدنيهما.

وخلال فترة اعتقاله، أرسلت أسرة صلاح بيانات متتالية إلى الرأي العام عبّرت فيها عن قلقها على صحة ابنها الذي أورثته المعتقلات آلاماً حادة في العمود الفقري.

مقاومة

في مواجهة تعسف أجهزة الأمن، ابتكر السودانيون طرائق خاصة للمواجهة، كتلك التي يتبعها الناشط المتخفي خلف اسم "ود قلبا".

يقود "ود قلبا" على فايسبوك حملة يقول إنها تهدف إلى كشف مقارّ أجهزة الأمن وأدوارها، وفضح العاملين في أروقتها بالصور والأسماء والصفات. وأطلق على الحملة اسم "ارصد رباطي"، و"الرباطي"، بالعامية السودانية، يعني قاطع الطريق.

حتى الآن، كشفت الحملة معلومات تفصيلية عن أهم مراكز الأمن في العاصمة السودانية الخرطوم، وأوضحت طبيعة أنشطتها ومهماتها كما أفردت نبذة عن عناصرها لكشف هوياتهم أمام الرأي العام.

يؤكد ناشطون صدقية ما تنشره هذه الحملة. في حديث لرصيف22، يقول بكري يوسف الناشط السياسي، وعضو "حركة قرفنا"، إن نقل "خفافيش الأمن" من كواليس عملهم المظلمة إلى بؤر الضوء أمر كفيل بشلّ تجاوزاتهم.

ويؤكد بكري أن كشف قذارات "كلاب الأمن"، التوصيف المحبب إلى الناشطين، أمام الرأي العام سيفضي لا محالة إلى عزل هذه الفئة الناشزة عن المجتمع الرافض ممارساتها بحق أبنائه. علاوة على ذلك فإن فضح "الرباطة" كفيل بأن يتخذ النشطاء حذرهم فور ظهور أي من منتسبي الأمن المفضوح أمرهم في أي مكان من العاصمة الخرطوم.

أما الأمر الآخر الذي ذكره بكري فهو مساهمة كشف هويات عناصر الأمن في قطع الطريق أمام مساعي الأجهزة الأمنية للتجسس على الأنشطة الشبابية أو تخريبها، كما يحدث عادة أثناء تحويلها الأنشطة الاحتجاجية ذات الطابع السلمي إلى أعمال تخريبية للسماح للمؤسسات الأمنية بالبطش بالناشطين بذريعة الحفاظ على الأمن.

لكنّ مؤيدي حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان، يشككون في المعلومات التي تنشرها المعارضة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويهددون بملاحقة مطلقيها. وكان وزير الإعلام السوداني، أحمد بلال عثمان، قد اتهمهم بأنهم "مأجورون يشوهون صورة السودان في الخارج" وهددهم صراحة بقوله: "كل كتّاب تلك المواقع مرصودون لدى السلطة... والراجل أو المرأة فليكتب".

أضرار وبلاء

يرى أمجد فريد، المتحدث باسم حركة "التغيير الآن" الداعية لاسقاط الحكومة السودانية، أن أساس انتهاكات الأمن هو قانون جهاز الأمن الوطني الذي أقرّ عام 2010 رغماً عن أنف المعارضة. وقال لرصيف22 "إن معظم ما يسميه النشطاء انتهاكات، يستند إلى هذا القانون الذي يمنح رجال الأمن حصانة مطلقة، وصلاحيات واسعة تشمل الاعتقال لفترات تصل إلى نصف عام من دون محاكمة".

يلفت ناشطون سياسيون إلى أن ممارسات الأجهزة الأمنية في السودان، تؤثر على الأهالي، وتحد من حرية اتخاذهم خياراتهم السياسية. يقول الناشط المنتمي إلى الحزب الشيوعي السوداني، وائل طه "إن التنكيل الذي تمارسه أجهزة الأمن بحق الناشطين، يقلّل من إمكانية حراك الشارع مستقبلاً. فهذه الممارسات تفقد السودانيين حسّهم بالانتماء إلى الوطن، وهذا يُبعدهم عن الاهتمام بقضايا الشأن العام".

كلمات مفتاحية
السودان

التعليقات

المقال التالي