حروب اليمن: مدنيون يتساقطون وأحقاد طائفية تنمو

حروب اليمن: مدنيون يتساقطون وأحقاد طائفية تنمو

المواجهات بين "أنصار الله" الحوثيين و"أنصار الشريعة" التابعين لتنظيم القاعدة تلاحق المواطنين اليمنيين إلى منازلهم في المدن الرئيسية. يتقاتلون، والضحايا هم "أنصار اليمن" الذين تتولّد بينهم أحقاد طائفية ستكون مفاعيلها المستقبلية خطيرة.

مئات الأطفال الضحايا

قبل أسبوعين، في الأولى ما بعد ظهر يوم ثلاثاء، كانت أصوات طالبات مدرسة "الخنساء" تتعالى فرحاً لدى خروجهن من المدرسة الخاصة الواقعة في وسط مدينة "رداع" التي تُعدّ من أبرز مناطق المواجهات الدائرة. لم تستمرّ فرحة الطالبات إلا دقائق معدودة واختفت أصواتهن حين صدمت سيارة مفخخة يقودها انتحاري الحافلة التي كانت تقلهم في محاولة لاستهداف نقطة تجمع لـ"أنصار الله"، وقتلت 15 طفلة.

وصف المواطن عارف القيفي، وهو قريب إحدى الضحايا، ما جرى بـ"الكارثة الحقيقية" وقال لـ"رصيف22" إن الأهالي صُدموا حين أبلغوا بالحادثة، وأن يوم وقوع الحادثة كان حزيناً جداً بالنسبة لأسر الضحايا وأبناء رداع عموماً. وأضاف بنبرة حزينة: "مَن يتحمل وزر هذه الكارثة التي حلت علينا؟ ومَن سنحاسب؟".

حين احتدمت المواجهات أواخر العام الفائت بين الحوثيين والسلفيين في منطقة "دماج" بمحافظة صعدة، معقل الحركة الحوثية، كان الأطفال والنساء جزءاً من الضحايا وسقط العشرات منهم، قبل أن تتوقف الحرب باتفاق غادرت بموجبه الجماعة السلفية من صعدة. إلا أنه، طبقاً لمراقبين، فإن مقتل 15 طفلة دفعة واحدة يُعدّ واحدة من أفظع الكوارث الإنسانية التي خلفتها المواجهات الدائرة بين الجماعتين المتقاتلتين.

إن أغلب الضحايا التي خلفتها المواجهات الدامية في اليمن أخيراً، هم من الأطفال والنساء. وبحسب منظمة "اليونسيف" فإن عدد الأطفال الذين سقطوا في المواجهات بين جماعة "أنصار الله" وجماعة "أنصار الشريعة" منذ بداية العام 2014، بلغ 138 طفلاً.

ويعتقد نشطاء أن أعداد الضحايا الأبرياء في هذه المواجهات، أكبر بكثير مما يُعلن عنه. في حديث لرصيف22، أرجع الناشط الحقوقي علي القباطي السبب في ذلك الاعتقاد، إلى عدم وجود إحصاءات دقيقة للضحايا، فضلاَ عن عدم اهتمام المنظمات والجهات المختصة بالأمر لأسباب أمنية.

يرى القباطي أن "بعض أهالي الضحايا يتخوّف من قول أي شيء. كما أن الجماعات المتقاتلة هي الأخرى تتكتم على أعداد ضحاياها، ليس المسلحون منهم فحسب، إنما كذلك الأطفال والنساء الذين يسقطون في المواجهات.

"أنصار اليمن" يدفعون الثمن

ومع تزايد الإضطرابات الأمنية في اليمن تعددت أنواع المآسي والكوارث التي استهدفت بشكل أو بآخر، حياة المدنيين العُزل في مناطق متعددة، شمال البلاد ووسطها.

لا يزال المواطن أحمد غالب العامري (48 عاماً) يعاني من ظروف اقتصادية صعبة بسبب توقّف عمله طوال فترة المواجهات في منقطته "العدين" بمحافظة إب، وسط اليمن، قبل أكثر من شهر.

يشكو العامري، وهو سائق سيارة نقل خاصة، من توقف عمله حوالى شهر، لأن "الطريق التي أسلكها كانت مسرحاً للمواجهات". ويقول لرصيف22: "حتى اليوم، أدفع أنا وأسرتي الثمن". يتخوف من عودة المواجهات وفقدان مصدر دخله اليومي، لأن "هناك انتشاراً للمسلحين بشكل مرعب".

في منطقة "القفر" بمحافظة إب، يعيش علي عياش، وهو أبٌ لثلاثة أطفال، بعد نزوحه من صنعاء بسبب المواجهات الدائرة فيها. يقول: "أفكر في الهجرة ليس من صنعاء وحسب وإنما من اليمن كلها. لكن إلى أين؟ من يقبل بي أنا وأسرتي؟".

المعارك تقسّم اليمنيين

تقدّم "أنصار الله" في البداية باتجاه محافظة عمران ثم دخلوا إلى صنعاء فمحافظات الحديدة وحجة وذمار والبيضاء وإب وتعز. خاضوا ويخوضون مواجهات مسلحة مع عناصر تنظيم القاعدة والقبائل المساندة لهم، في مناطق عديدة وسط اليمن، وهي مناطق ذات أغلبية سنية خلافاً لتلك التي في الشمال وشمال الشمال بما في ذلك العاصمة صنعاء.

ولّدت تحركات الحوثيين العسكرية في الوسط اليمني، تعاطفاً قبلياً كبيراً مع عناصر القاعدة. فقاتلت القبائل السنية ولا تزال في صفوف ما يسمى بـ"أنصار الشريعة"، وخصوصاً في مدينة "رداع" التي تُعدّ قبلياً ومذهبياً أبرز الأماكن المواجهة لجماعة "أنصار الله".

في حوار نشرته صحيفة "سبتمبر" الرسمية قبل أيام، أكد المستشار السياسي للرئيس اليمني، الدكتور عبدالكريم الإرياني، أن ما تقوم به جماعة الحوثي يزيد من عدد المنضمين إلى تنظيم القاعدة.

حالياً، تواصل القبائل المناهضة لجماعة الحوثي حشودها المسلحة بمحافظة مأرب، شرق اليمن، لمواجهة محتملة مع مَن يطلق عليهم متشددو القبائل لقب "الروافض"، نسبة إلى انتمائهم للمذهب الزيدي الشيعي.

وقد أفادت مصادر محلية في المحافظة اليمنية الغنية بثروات النفط والغاز، لـرصيف22 بأن مئات المسلّحين من قبائل "جهم" و"مراد" و "عبيدة"، وهي من أكبر قبائل شرق اليمن، يتجمّعون منذ أسابيع في منطقة "نخلا" وجوارها، استعداداً لأي اعتداء تقوم به جماعة الحوثي على مناطق نفوذهم.

ويعتبر مراقبون محليون أن تحرّك جماعة الحوثي في شمال وشرق ووسط اليمن بحجة محاربة الإرهاب، ليس سوى ذريعة لفرض سيطرتها على محافظة مأرب التي تعد ثروات النفط والغاز فيها من أهم مصادر الدخل القومي للبلاد. وتمدّ مأرب السوق المحلية بما يزيد على 45% من النفط و95% من الغاز وتغطي بالكهرباء تسع محافظات، بينها العاصمة صنعاء.

وهددت القبائل في وقت سابق بنسف كل منشآت النفط والغاز والكهرباء إذا تساهلت الدولة مع جماعة الحوثي وساعدتها على دخول بعض مناطق مأرب، وأشارت، في بيان أصدرته قبل حوالى ثلاثة أسابيع، إلى أن الدولة هي من يجب أن يتكفل بمطاردة الإرهابيين إذا صح الحديث عن وجودهم في المحافظة.

مذهبة الصراع

يتّخذ القتال في اليمن على نحو تدريجي طابعاً مذهبياً واضحاً، وهذا ينذر بكارثة قادمة تقوّض مشروع الدولة التي يطمح إليها اليمنيون.

يؤكد الناشط المدني أحمد الذاري تزايد موجة الحقد والكراهية بين اليمنيين في السنتين الأخيرتين، ويقول: "شخصياً، أتعرض لكم هائل من القدح والشتم والتجريح، ليس لشيء إلا لأن اسمي يدلّ على انتساب أسرتي إلى آل البيت وهو النسب الذي ينتمي إليه الحوثيون". ويتابع الذاري: "قد أكون متعاطفاً مع الحوثيين وأشعر بمظلوميتهم كما معظم الشعب، لكنّي أختلف معهم على حمل السلاح واستخدامه في هدم كيان الدولة. لا مبرّر للتعرّض بالأذى والشتم وأحياناً باستخدام العنف ضد مَن تنتسب أسرهم إلى الهاشميين".

وتشير معلومات خاصة إلى أن هناك عدداً من اليمنيين غيّروا أسماء أسرهم بسبب الصراع الاجتماعي والقبلي والديني في البلاد. يقول رئيس منظمة "تمدين شباب"، عمار السوائي لرصيف22: "إن استمرار القتال على أكثر من جبهة في دولة لديها من المشاكل الأمنية والاقتصادية ما يكفيها، أمر مقلق جداً، ويزداد الأمر تعقيداً مع وجود بوادر تؤكد أن الحرب تتخذ بعداً طائفياً ومذهبياً على أساس سنة وشيعة".

ويعتقد السوائي أن "غالبية المنخرطين في القتال هم من فئتي الشباب والمراهقين وسيصعب في المستقبل القريب ثني هؤلاء عن تطبيق أفكارهم التي انبنت على عقيدة قتالية. وهذا يعني أن المستقبل اليمني سيكون غامضاً".

كلمات مفتاحية
الحوثيون اليمن

التعليقات

المقال التالي