حرب باردة نفطية لخنق روسيا وإيران

حرب باردة نفطية لخنق روسيا وإيران

هي حرب غير تقليدية، لا جيوش فيها ولا ترسانة عسكرية، ميدانها الأسواق العالمية، وتأثيراتها الاقتصادية ذات انعكاسات سياسية بارزة وخاصةً على روسيا وإيران.

في المدة الأخيرة، سجّلت أسعار النفط العالمية انخفاضاً حاداً. وبعدما كان سعر البرميل 100 دولار في يونيو الماضي، وصل إلى ما دون 60 دولاراً في الشهر الجاري.

هكذا، وفي غضون ستة أشهر، خسر النفط ما يقارب 50% من قيمته. هذا التراجع لن يتوقّف عند هذا الحدّ، إذ يرجّح معظم الخبراء استمرار هذه الظاهرة التي لم يشهدها العالم منذ سنوات، ويؤكدون أن تداعياتها الاقتصادية والسياسية ستشمل دولاً كثيرة، وخصوصاً الدول المنتجة التي تعتمد على "الذهب الأسود" في بناء اقتصادياتها وموازانتها.

أسباب انخفاض الاسعار

ثمة مفارقة مثيرة للاهتمام في معرض الحديث عن انخفاض أسعار النفط. فهو يأتي في وقت يشهد العالم، على أكثر من جبهة، مجموعة من التوترات، التي يكاد بعضها يكون غير مسبوق منذ تسعينيات القرن المنصرم، سواء في سوريا والعراق وليبيا، الدول المنتجة، أو في اليمن، دولة العبور التي تعاني ما تعانيه من اضطرابات بسبب صراع الحوثيين وخصومهم، أو في نيجيريا، الدولة المنتجة التي تشهد حرباً مفتوحة على جماعة "بوكو حرام" المتشددة.

هذا طبعاً بالإضافة إلى التوتّر غير المسبوق منذ الحرب الباردة بين روسيا والغرب على خلفية الأزمة الأوكرانية وسياسات التوسّع الأوروبية و"الأطلسية" نحو المجال الحيوي الروسي في الجمهوريات السوفياتية السابقة. ولا ننسى تعقيدات الملف النووي الإيراني الذي تأجّل بتّ مساره التفاوضي إلى منتصف العام 2015.

ولعل أزمة واحدة من تلك الأزمات القائمة اليوم كانت لتكفي لكي يصل سعر برميل النفط إلى ما فوق الـ120 دولاراً. لكن ما يجري اليوم - وهنا المفارقة الساحقة - هو أن الأسعار تنخفض. فلماذا؟

يمثّل "النفط الصخري" الكلمة المفتاح لفهم أسباب ظاهرة الانخفاض الحادّ في أسعار النفط العالمية، بالإضافة إلى عوامل أخرى، من بينها استئناف الإنتاج العراقي والليبي والمخاوف من الانكماش في أوروبا فضلاً عن تهريب داعش للنفط وإخفاق سياسة العقوبات في منع إيران من تصدير مخزونها.

فالولايات المتحدة تمكّنت خلال السنوات الثلاث الماضية من تحقيق فورة في مجال النفط الصخري، وهذا ما أثار قلق منتجي الخام الكبار، ودفع بالأسعار إلى التراجع بحدّة، وخصوصاً بعد قرار منظمة الدول المصدّرة "أوبك" الإبقاء على مستوى الإنتاج من دون تغيير بهدف التأثير سلباً في إنتاج النفط والغاز الصخريين.

ويُظهر قرار "أوبك" الأخير اقتناع الدول المصدّرة بأن انخفاض الأسعار سيكون سلاحاً ناجعاً في أيديها، لتأثيره على تكلفة الإنتاج، وتالياً على ربحية الشركات النفطية الكبرى، التي سيكون بعضها مضطراً إلى الدخول في خطط لإعادة الهيكلة.

توضح الأرقام مقاربة دول "أوبك" لهذا السلاح النفطي. فتكلفة إنتاج برميل واحد من النفط الصخري تراوح بين 40 و50 دولاراً، وهذا ما يعني أن انخفاض أسعار النفط إلى ما دون الستين دولاراً من شأنه أن يجعل الشركات النفطية الكبرى تعيد النظر في جدوى الاستثمار في الحقول الصخرية في الولايات المتحدة، وقد تصرف النظر كلياً عن الاستثمار في هذا القطاع في حال هوى السعر إلى 40 دولاراً.

سيناريو كهذا غير مستبعد، ويمكن قراءته بين سطور ما قاله وزير النفط الإماراتي سهيل المزروعي، خلال مؤتمر النفط الذي عُقد أخيراً في دبي، حين أشار إلى أن لا تخفيض في كميات النفط المتجة وإنْ انخفض سعر البرميل إلى 40 دولاراً.

حرب باردة نفطية

يجمع خبراء النفط على أن ما يجري اليوم نتاج لتوجه تقوده السعودية مع بعض الدول المنتجة، هو توجّه "محسوب بدقّة برغم ما فيه من مجازفة"، وفقاً لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، ويعد حرباً باردة تخوضها المملكة النفطية لتحقيق هدفين اقتصادي وسياسي.

وإذا كانت حرب الأسعار تبدو في الظاهر صراعاً بين "النفط التقليدي" السعودي و"النفط الصخري" الأمريكي، فهي تُظهر على المستوى الجيوسياسي تقاطع مصالح بين القصر الملكي في الرياض والبيت الأبيض. أما جبهات هذه الحرب فمتعددة، وتبدأ بروسيا، وتمرّ بإيران، لتصل إلى سوريا واليمن. "الطاقة ما زالت العجلة المحرّكة للجيوسياسة"، أكّد الباحث في مركز "كارنيغي"، موسيس نعيم، في مقال نشرته صحيفة "نيويورك تايمز".

وثمة توجّه لدى المحللين الغربيين، منهم توماس فريدمان، إلى القول أن ما يجري اليوم ليس سوى فصل جديد من "حرب مضخّات" تستهدف إحداث تغييرات على المستوى الجيوسياسي في الشرق الأوسط، وأوراسيا، ووصولاً إلى أمريكا اللاتينية. كتب فريدمان في صحيفة "نيويورك تايمز" أن الحديث يدور على فرضية اتفاق بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية من أجل خفض أسعار النفط  للضغط على موسكو وطهران.

وبرغم أن فريدمان "لا يستطيع الجزم بأن هذا التحالف مقصود أو وُلد بالصدفة"، فإنّ الحرب النفطية الباردة الدائرة حالياً تبدو، من الناحية الجيوسياسية، موجّهة بشكل خاص إلى طرفين أساسيين تتشارك السعودية والولايات المتحدة في العداء لهما، وإن بدرجات متفاوتة.

"إستراتيجية ريغن" معدّلة؟

تبدو روسيا الخاسر الأول من حرب الأسعار. يُجمع الإعلام الروسي على اعتبار هذه الحرب حلقة من حلقات ضرب نظام الرئيس فلاديمير بوتين، بعد أن نجح في إعادة روسيا إلى المسرح العالمي كلاعب مؤثر وقادر على مقارعة الغربيين على أكثر من جبهة.

ولا بد من التذكير هنا بأن هبوط أسعار النفط خلال الثمانينيات أسهم في ضرب اقتصاد الاتحاد السوفياتي. فقد أسهمت زيادة الإنتاج النفطي ابتداءً من العام 1985 إلى هبوط الاسعار من 32 دولاراً للبرميل إلى 10 دولارات وهو ما شكل نقصاً في موارد الدولة السوفياتية.

ولعلّ المقالة ـ الرسالة التي وجّهها مايكل ريغن، ابن الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغن، في مارس الماضي، إلى الرئيس باراك أوباما، تقدّم صورة نموذجية لما يمكن أن يجول في ذهن بعض صنّاع القرار وقوى الضغط في الولايات المتحدة. فقد ذكّر ريغن بالإستراتيجية التي اعتمدها والده في الثمانينيات حين طلب من السعوديين إغراق السوق النفطية لضرب الاتحاد السوفياتي في الصميم، وأوصى باعتماد إستراتيجية مماثلة ضد روسيا إلى أن تصير "عاجزة عن شراء ثيابها الداخلية".

ضربة على رأس بوتين

يُظهر تقرير صادر عن معهد "ستراتفور" عنوانه "أسعار النفط تستمر في تحديد الجيوسياسة"، أنّ الموازنة الروسية للعام 2014 قد أُعدّت على أساس سعر برميل النفط بـ114 دولاراً، وللعام 2015 على أساس سعر البرميل بـ97 دولاراً.

عدا الخسائر المباشرة، يؤثر انخفاض سعر النفط سلباً على المشروع الروسي الهادف إلى استخراج النفط من القطب الشمالي حيث وقعت روسيا مع شركة "إكسون موبيل" قبل فترة وجيزة عقداً للتنقيب والاستخراج، يُجمع الخبراء على أن جدواه الاقتصادية ستكون معدومة، لا بل خاسرة، في ظل سعر برميل يقل عن 100 دولار.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن انخفاض أسعار النفط سيقلل من أهمية ما يعرف بـ"اتفاقية العصر" التي أبرمتها روسيا والصين قبل أشهر، والتي من شأنها أن تحدث تحوّلاً في مسار تصدير النفط الروسي لينتقل من أوروبا إلى التنين الآسيوي. فهذه الاتفاقية، التي تقارب قيمتها العشرين مليار دولار، والتي كان من شأنها أن تؤمن لروسيا سيولة تمكنها من احتواء آثار العقوبات الغربية، قد اعتمدت تسعيرة للنفط مرتبطة بالسعر العالمي، صعوداً أم هبوطاً.

إيران وسوريا واليمن

وفق مقاربة "النفط كسلاح سياسي"، تنسحب الخسائر على إيران أيضاً. في ظلّ تعثر إنجاز الاتفاق النووي بالشروط الغربية. بعد التأجيل الأخير في نوفمبر الماضي، ثمة مصلحة أمريكية ـ سعودية في تكثيف الضغوط على الجمهورية الإسلامية لدفع نظام آيات الله إلى الإذعان لشروط مجموعة 5+1. ولعل هذا ما يفسر الموقف الأخير للمرشد السيد علي الخامنئي حين حذر من أن اعتماد بلاده على إيرادات النفط يضع إيران تحت رحمة القوى الكبرى.

وتبدو مخاوف الخامنئي مفهومة في ظل موازنة إيرانية معدّة على أساس سعر برميل نفط لا يقل عن 100 دولار. انخفاض سعر النفط سيضيف اعباءً جديدة على الجمهورية الإسلامية، وسيكبّل يديها في العديد من الملفات، وخصوصاً في ما يتعلق بدعم النظام السوري مالياً، والذي يشكل الشريان الحيوي (إلى الدعم الروسي) للرئيس بشار الأسد. ما ستعاني منه إيران في سياستها السورية ستعاني منه في أماكن أخرى في الشرق الأوسط، ولا سيما في العراق واليمن، وإن كان ثمة من يرى أن الدعم الإيراني لقوى المقاومة من "حزب الله" في لبنان إلى "حماس" و"الجهاد الإسلامي" في فلسطين، لن يتأثر كونه مسألة أمن قومي إيراني.

حتى الآن، تشير المعطيات والتقديرات التي يقدمها خبراء الطاقة إلى أن أسعار النفط لن تعود، خلال العام المقبل، إلى المستوى الذي كانت عليه قبل ستة أشهر. هذا يعني أن سلاح انخفاض سعر النفط سيكون خلال المرحلة القادمة سلاحاً سياسياً سيستخدم في الكثير من بؤر التوتر. ولكن، إزاء هذا الواقع، يُخشى من تحوّله إلى سلاح فتّاك يقود في نهاية المطاف إلى حروب حقيقية قد تخرج عن السيطرة.

وسام متّى

صحافي لبناني، يحمل إجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية، متخصص في الشؤون العربية والدولية والحركات الإسلامية.

كلمات مفتاحية
النفط

التعليقات

المقال التالي