ألمانيا تسخر من "رافضي أسلمة الغرب"

ألمانيا تسخر من "رافضي أسلمة الغرب"

حديثٌ يدور في كل البيوت الألمانية، ومسألة دائمة الحضور في كل خطاب سياسي وفي حلقات النقاش في برامج التلفزيون المسائية، هكذا أصبحت تظاهرات اليمين المتشدد التي تجتاح ألمانيا مثل وباء منذ أكتوبر الماضي. محور كل هذا هو جماعة "وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب".

لا يعرف الألمان من أين ظهر المتطرفون المنتمون إلى جماعة "وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب" (بيغيدا PEGIDA) اليمينية المتطرفة. يكادون لا يصدقون أن الآلاف من جيرانهم ومعارفهم خرجوا في تظاهرات ضد المهاجرين واللاجئين المسلمين مستجيبين لدعوة رجل معروف بتاريخه الإجرامي ومسجّل لدى الشرطة كسارق، هو لوتز باخمان Lutz Bachmann الذي يتزعم الحركة مع بعض النازيين الجدد. ويبدو أنهم لا يفهمون كيف تظهر حركة كهذه في ولاية زاكسن التي تقطن فيها قلة من الأجانب لا تزيد نسبتها على واحد في الألف.

اعلان


تبدو المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل منزعجة من ذلك، فتعلق بحزم: "لا مكان في ألمانيا للكراهية على الأساس الديني". لكن الحقيقة الصادمة أن أعداد المتظاهرين ارتفعت بعد بيان ميركل من 10 آلاف إلى 15 ألف متظاهر خرجوا في دريسدن Dresden وحدها الأسبوع الماضي. هذا في وقت يقول زعماء بيغيدا أن اليوم، الإثنين، سيشهد قدوم آلاف المتظاهرين من بضع مدن لينضمّوا إلى تظاهرة كبيرة في المدينة السياحية حيث مقر الحركة، وليرفعوا لافتات تطالب المسلمين بأن يبحثوا لأنفسهم عن مكان آخر خارج أوروبا.

وبينما بدت السلطة في حيرة من أمرها بشأن القضية كلها، اختار عدد من الإعلاميين والجمعيات الأهلية الألمانية التي تكافح النازية والتطرف اليميني، السعي إلى وضع الميول المتطرفة في حجمها الطبيعي، تلك الميول التي كان يتمّ التعامل معها على مدى عقود في ألمانيا باعتبارها نوعاً من الخبل ولا يعتنقها إلا جاهل أو ساذج.

وبدلاً من الانزعاج الذي قابل به كثيرون الظاهرة، رفع هؤلاء سلاح السخرية القاتل في وجه النازيين وحلفائهم من بيغيدا، ليوجهوا لهم عدداً من الضربات الموجعة في ثلاثة مشاهد رئيسة على مدى الأسابيع الماضية:

المشهد الأول
على شاشة محطة "زد دي أف" ZDF الألمانية الشهيرة، أطل أوليفر فيلكي Oliver Welke ليقدم برنامجه الأسبوعي الساخر، "برنامج اليوم" Heute Show، وهو نسخة ألمانية من البرنامج الأمريكي الأشهر في عالم السخرية The Daily Show لجون ستيوارت.

أعلن أوليفر لجمهوره أنه تورط في مكيدة للإيقاع بمتظاهري بيغيدا الذين طالما رفضوا الحديث لأي وسيلة إعلامية ألمانية معروفة. على شاشة جانبية في الأستديو يظهر مراسل البرنامج من قلب التظاهرة في مدينة دوسلدورف Dusseldorf مرتدياً قبعة الفراء الروسية البنية المعروفة وممسكاً بميكروفون محطة تلفزيونية روسية وهمية. يتمادى المراسل في السخرية فيصطنع لكنة روسية وهو يستضيف متظاهراً خمسينياً ويبدأ في أسئلته الخاوية من أي معنى ما يُنتج الحوار التالي:

ـ لماذا لا يوجد إعلام ألماني هنا؟

ـ لأنه منحاز وليس حراً مثل الإعلام الروسي.

ـ هل تعتقد أن وجود المسلمين في أوروبا سوف يؤثر على رواتب الألمان بعد التقاعد؟

ـ لو نظرت إلى الأمر على المدى البعيد، ربما...

ـ أريد رداً قاطعاً. دعنا نوضح الأمور. هل الإسلام يضر برواتبنا؟

ـ نعم، الإسلام سوف يضرّ برواتبنا.

ـ عظيم. هل تريد أن تصبح مستشاراً لألمانيا؟

ـ ممم. ولمَ لا؟

ـ (ضاحكاً كأنه يمازحه) لا أعتقد، لأنك أبله جداً.

المشهد الثاني
في مغامرة فريدة، يتنكر مراسل تلفزيون NDR توبياس شليجل Tobias Schlegl في زي بدوي مغيّراً ملامحه تماماً ويندس بين متظاهري دريسدن ويقدم نفسه لهم باسم "محمد عبد الله شليجل". تبتعد أغلبية المتظاهرين عن المراسل وتقابله بإيماءات الرفض والاشمئزاز. يبادر إحداهن بسلام:

ـ مرحباً

ـ لا . لا مرحباً.

بعض المتظاهرين يحاول إجبار المصور على التوقف عن التصوير فيخفض الكاميرا قليلاً للتمويه، ثم يعود مرة أخرى. يجرب توبياس حيلة جديدة للتودد إليهم فيقدم لهم أكواباً من الشاي الساخن، لكن بعضهم يرفض أخذها. وبعد محاولات عدّة وفي ظل برد قارس يتناول بعض الشباب كوباً يتشممونه قبل شربه، لكنهم في النهاية يَقْبَلونه. يحاول شليجل إقناع البعض بأن هناك مسلمين معتدلين، ولا ينجح.

يفاجىء محمد (توبياس) الجميع بلافتة كتب عليها "مسلمون ضد تغييب العقل الغربي" ويسلّمها لأحد متظاهري بيغيدا. رفعها المتظاهر فوق رأسه بدون أن يقرأ المكتوب عليها. فتحيط به الشرطة وتبعده خوفاً عليه من اعتداء مباغت. تمر الأمور بسلام لكن أحداً لا يقبل الاستماع إلى محمد.

المشهد الثالث
المكان مدينة فونزيدل Wunsiedel في ولاية بافاريا جنوبي ألمانيا. في منتصف نوفمبر من كل عام ينظم النازيون الجدد مسيرة تطوف في أرجاء المدينة الصغيرة إحياءً لذكرى رودلف هاس Rudolf Hess، الذراع الأيمن لأدولف هتلر قبل الحرب العالمية الثانية وخلالها. ناشطو جمعية "إكزت" Exit الألمانية التي تكافح انتشار النازية قرروا أن يكون هذا العام مختلفاً ونصبوا فخاً حقيقياً للمتطرفين: اتفقوا مع عدد من الرعاة والمانحين على التبرع لهم بمبلغ 10 يورو مقابل كل متر تقطعه المسيرة في شوارع مدينتهم، على أن تخصص هذه الأموال لمساعدة الشباب النازيين على "الإقلاع" عن تلك الأفكار.

يعلق ناشطو Exit لافتات ساخرة تشكر النازيين بعد كل مئة متر يقطعونها، وقد كتبوا على كل لافتة إجمالي المبلغ الذي ستحصل عليه الجمعية بسببهم. يسود الارتباك في المسيرة ويتوقف منظموها للتشاور: التقدم يعني أموالاً أكثر لخصومهم، وإلغاء المسيرة يعني الهزيمة.

يختار النازيون المضي على كل الأحوال، وتنتهي المسيرة بعد ألف متر بشكر كبير للنازيين الجدد لمساهمتهم بعشرة آلاف يورو من أجل مكافحة النازية.

يرتفع التصفيق وتعلو الضحكات بعد المشاهد الثلاثة فيخف التوتر قليلاً، ولكن تبقى الذكرى التي ما زال بعض شهودها أحياء. فالحماقات التي قادت إلى أكبر مأساة عرفتها البشرية في القرن العشرين بدأت بمثل هذه التظاهرات المشحونة بالكراهية والشعور بالتفوق على "الآخر"، مصدر كل الشرور.

يعتبر وزير العدل الألماني أن ما يحدث يصل إلى مستوى التحريض على الأجانب وأنه أمر بغيض. لكن استطلاعاً للرأي أشار إلى أن ثلث المشاركين في تظاهرات النازيين الجدد يوافقون بيغيدا تماماً على كل ما تفعله وأن نحو نصفهم تقريباً يظهر تعاطفاً وتفهماً لمخاوف اليمين المتطرف في البلاد.

ويبقى في زاوية المشهد الأخير أولئك الضعفاء الهاربون من جحيم بلادهم والذين يراقبون بأعين خائفة وصدورٍ مثقلة، ما يجري حولهم ويتساءلون عمّا ستحمله إليهم الأيام المقبلة.

صحافي مصري حاصل على إجازة في الأدب العربي والإنغليزي. شارك في لجان تحكيم عدد من المهرجانات الدولية للأفلام السينمائية والوثائقية.

كلمات مفتاحية
المهاجرون

التعليقات

المقال التالي