تعرّفوا على السياسة في موريتانيا، بلد الانقلابات

تعرّفوا على السياسة في موريتانيا، بلد الانقلابات

تختلف أحلام الموريتانيين عن أحلام باقي العرب. في موريتانيا، حَلم الشعب بأن تأتي الديمقراطية عن طريق انقلاب عسكري. عام 2005، انتعشت آماله في تحقيق الديمقراطية بعد الإطاحة بالرئيس الموريتاني معاوية ولد سيدي أحمد الطايع.

2005: أول تداول سلمي للسلطة

اعلان


انهى انقلاب الثالث من أغسطس 2005 حكم معاوية الذي بدأ عام 1984 حين قام هو أيضاً بانقلاب عسكري على محمد خونة ولد هيدالة. وبالفعل، وعد المنقلبون الشعب بعهد جديد يتميز بالديمقراطية والازدهار وبتنظيم انتخابات نزيهة وشفافة.

وقد نظّم المجلس العسكري الذي أشرف على حكم موريتانيا أثناء الفترة الانتقالية انتخابات رئاسية، عام 2007، شهدت المنظمات الدولية والمجتمع السياسي الموريتاني بنزاهتها وفاز فيها سيدي ولد الشيخ عبد الله بعد تنافسه في دورتها الثانية مع زعيم المعارضة التاريخي أحمد ولد داداه. كانت تلك أول تجربة تداول سلمي للسلطة في موريتانيا.

2008: العودة إلى حكم العسكر

لكن ذلك الواقع لم يدم طويلاً. عام 2008، انقلب الجنرال محمد ولد عبد العزيز على الرئيس المنتخب رداً على قرار الأخير إقالته من منصب رئاسة الحرس الرئاسي.

عاد الموريتانيون إلى حكم العسكر الذي بدأ في موريتانيا منذ 1978، حين أطاح الجيش أول رئيس لموريتانيا هو المختار ولد داداه فتحوّلت البلاد إلى بلاد انقلابات بامتياز.

2008 ـ 2010: معارضة حكم العسكر

بعد انقلاب 2008، أسست المعارضة جبهة للدفاع عن الديمقراطية. قمع النظام الجديد تحركاتها بشراسة. وحين قرّر الجنرال المنقلب تنظيم انتخابات رئاسية رفضت المشاركة فيها لأنها رفضت ترشحه إلى الرئاسة وفضلت اللجوء إلى خيار الاحتجاج في الشارع.

في ظل هذه الأزمة، أقيم حوار برعاية دولية في العاصمة السنغالية داكار تمخض عن اتفاق داكار، وذلك في 26 يونيو 2009. تم التوافق على تأجيل الانتخابات الرئاسية وعلى مشاركة المعارضة فيها، كما حصل الاتفاق على استمرار الحوار بين الطرفين.

هكذا، جرت الانتخابات في 18 يوليو 2009 وفاز فيها محمد ولد عبد العزيز. لكن المعارضة رأت أن الجنرال زورها واستفاد من موارد الدولة، وأن الجيش لم يكن حيادياً. في النتيجة، رفضت أهم أحزاب المعارضة النتائج.

2011: حراك 25 فبراير

عام 2011، وصلت رياح الربيع العربي تدريجياً إلى موريتانيا، إلى أن خرج المواطنون، في 25 فبراير، إلى الشارع محاولين إطلاق حراك مدني سلمي يطالب بالديمقراطية وبكف يد العسكر عن مقاليد الحكم وبتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة.

استمر وهج حراك شباب 25 فبراير في التصاعد، فدفع ذلك النظام إلى قمعه بعد شهرين من انطلاقته. لكن الحراك استمر وزاد تفاعل الشارع معه ولم تخفت جذوة الاحتجاجات إلا بعد أشهر من القمع وبعد عسكرة الحراك الشعبي في دول الربيع العربي الأخرى. حينذاك، وعلى إيقاع تخويف النظام للمواطنين من الثورة في بلد متعدد الأعراق، خفت تفاعل الجماهير معه. كذلك استخدم النظام النفوذ القبلي وضعف وعي الشعب لتحقيق غاياته. برغم ذلك، ظلّ الشباب يحاولون الخروج وتحدي القمع رافعين المطالب نفسها.

يقول محمد عبدو، الناشط في حركة 25 فبراير، لرصيف22: "أسهم حراك 25 فبراير بشكل كبير في نشر ثقافة الاحتجاجات. في السنوات الثلاث الماضية، شهدنا أكبر كم من المتظاهرين في التاريخ الحديث لموريتانيا. ففي كل شارع وفي كل منطقة خرجت حركات احتجاجية على أوضاع سيئة أو ظلم أو انتزاع حقوق. كما أسهم الحراك في صياغة الواقع السياسي الحالي بعدما أجلى الغبار عن مفاهيم كثيرة. وإن كانت المعارضة قد طالبت برحيل النظام فهي استلهمت هذا الشعار الثوري من أدبيات 25 فبراير".

بعد حراك شباب 25 فبراير، بدأت المعارضة ممثلة في منسقية أحزاب المعارضة برفع سقف مطالبها حتى وصلت إلى شعار رحيل النظام. كانت الانطلاقة مع مسيرة حاشدة يوم 12 مارس 2012 ثم تلتها مسيرات عديدة في العاصمة نواكشوط وفي كل ولايات موريتانيا. تتكون المنسقية من أحزاب تمثل كل الأطياف السياسية الموريتانية، وأهم أحزابها هي: تكتل القوى الديمقراطية (ليبرالي)، واتحاد قوى التقدم (يساري)، وحزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية ـ "تواصل" (إخواني).

رفضت المنسقية المشاركة في حوار جمع النظام وبعض الأحزاب التي تأتمر بأمره وشارك فيه أحد الأحزاب المحسوبة على المعارضة وهو التحالف الشعبي التقدمي الذي يضم وجوهاً ناصرية وأخرى مناضلة ضد العبودية. واعتبرت أن النظام لا يفي بوعوده، وأكدت أن لا سبيل للتغيير إلا بمواصلة الاحتجاج والمقاومة المدنية.

2013: عام الانتخابات التشريعية

أعقبت مرحلة اللجوء إلى الشارع، التي استمرت مدة طويلة، مرحلة الانتخابات التشريعية والبلدية. فبعد تأخر السلطة في تنظيمها حوالى السنتين برغم انتهاء ولاية البرلمان، قام النظام برمي حجر في المياه الراكدة وأعلن تنظيم انتخابات تشريعية في 23 نوفمبر 2013.

كذلك أعلنت منسقية المعارضة مقاطعتها الانتخابات واعتبرتها مجرد محاولة من النظام لجرّها إلى مهزلة جديدة خاصة أنه لم يقدم ضمانات لعدم استخدام نفوذ الدولة والجيش من أجل دعم مرشحي الحزب الحاكم. إلا أن حزب "تواصل" الإسلامي قرّر المشاركة وخرج على إجماع المنسقيه وأحدث شرخاً فيها.

وجرت الانتخابات على وقع احتجاجات وحملات تطالب بمقاطعتها. وبعد صدور النتائج، اتُهم النظام واللجنة المشرفة عليها بتزوير نتائجها التي أسفرت عن إعطاء أغلبية مريحة للنظام الحاكم، وهذا ما ولّد امتعاضاً لدى الأحزاب المحسوبة على المعارضة والمشاركة فيها.

2014: الانتخابات الرئاسية وتفاقم الأزمة

مع اقتراب موعد إجراء الانتخابات الرئاسية، جدّدت المعارضة، بما فيها حزب "تواصل" الإسلامي، رفضها المشاركة. في تلك الأثناء تأسس تنظيم جديد حمل اسم "منتدى الديمقراطية والوحدة" وضم أحزاب منسقية المعارضة وبعض مكونات المجتمع المدني.

وعلى إيقاع حملات المعارضة لحث المواطنين على مقاطعتها، جرت الانتخابات في 21 يونيو 2014. معظم منافسي الجنرال محمد ولد عبد العزيز كانوا أسماء باهتة مقرّبة منه. الاستثناء الوحيد هو الناشط الحقوقي بيرام الداه أعبيدي الذي حل بعد ولد عبد العزيز (بيرام مسجون حالياً بسبب تنظيمه مسيرة مناهضة للعبودية العقارية).

حصد محمد ولد عبد العزيز نسبة 81% من الأصوات وأعلنت المعارضة نجاح حملة المقاطعة وقالت أن الانتخابات شهدت تزويراً كبيراً من أجل رفع نسبة المشاركة إلى 56%، مثل التصويت بالنيابة وتعبئة صناديق الاقتراع وتصويت أشخاص أكثر من مرة، وقالت أن نسبة المشاركة الفعلية لا يمكن أن تتجاوز 31%.

الأزمة مستمرة

أخيراً، طلب رئيس الوزراء الموريتاني يحي ولد حدمين التواصل مع أحزاب المعارضة من أجل التمهيد لحوار بينها وبين السلطة. لكن أحزاب المعارضة ردت بالرفض وأكدت أن الدعوة غير جدية وتهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية للنظام وتمرير أجندة أحادية.

في حديث لرصيف22، قال الكاتب الموريتاني محمد الأمين ولد سيدي مولود: "أظن أن أفق الأزمة هو الاستمرار وربما المزيد من الاحتقان. يمكن وصف الوضع الحالي بأنه "روتين أزماتي". المعارضة لم تأخذ المبادرة بالتصعيد. والنظام لم يأخذ المبادرة لفتح حوار جدي وتصحيح بعض أخطائه التي من بينها عدم توفير جو انتخابي مناسب لمشاركة الجميع في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، هذا علاوة على الوضع المزري للمواطن، والفساد المستشري في أركان النظام وأعمدته. وآخر مثال صارخ على ذلك، تصريح مدير الرقابة البحرية السابق، الشيخ ولد بايه، المقرب من الرئيس الحالي بحصوله على حوالى عشرين مليار أوقية (حوالى 69 مليون دولار) خلال خمسة أعوام من عمله في مندوبية الصيد المكلفة مراقبة أعمال الصيد البحري".

ويخلص الأمين إلى أنه ما لم يأخذ أحد الطرفين مبادرة تصعيدية أو توافقية، فالراجح أن الوضع سيبقى على حاله حتى انتهاء ولاية عزيز عام 2019. هذا إذا لم يحاول تغيير الدستور الذي يمنعه من الترشح مرّة جديدة، و"إن حاول فستكون الخطوة الجادة نحو تصعيد قد يؤدي إلى فوضى أو إلى انقلاب عليه كما انقلب هو على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ البلد".

أحمد ولد جدو

مدون وناشط موريتاني مساهم في منصات عربية أخرى، مهتم بالكتابة عن السياسة والحريات في موريتانيا والعالم العربي.

التعليقات

المقال التالي