الإصلاح الديني في خدمة الاستبداد

الإصلاح الديني في خدمة الاستبداد

"إن أفكار التطرف والتشدد والإرهاب الذي يفسد في الأرض ويهلك الحرث والنسل ليس من الإسلام في شيء، بل هو عدو الإسلام الأول"، أكّد مفتي عام السعودية الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ. ظاهرة "داعش" هي "نبت شيطاني"، قال مفتي الجمهورية المصرية شوقي علام. للوهلة الأولى يتبادر إلى الذهن أن العالم الإسلامي قد قرّر أخيراً إجراء إصلاح ديني يكيّف الإسلام مع قيم العصر الحديث. ولكن مهلاً: ما يجري سيعزّز سلطة الأنظمة المستبدّة.

بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية كثر الحديث عن علاقة الإسلام بالعنف. منذ ذلك الحين، وقعت أحداث كثيرة تؤكد أنه لا يمكن تجاهل هذه الفرضية. ولكن أخيراً، مع نشأة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وإعلانه الخلافة وتبنيه سياسات متشدّدة مع معارضيه وارتكابه جرائم ضد الإنسانية بحق الأقليات، شعر العالم بأن الأوان آن للقيام بردّ فعل عملي. وَضْع خطر هذا التنظيم على رأس الأجندة الدولية لقي، بدفع من الأنظمة العربية، استجابة من المؤسسات الدينية الرسمية الكبرى.

في ظل فظاعات داعش، يجد المسلمون أنفسهم في موقع المدافعين عن دينهم ويركضون وراء أي فكرة يمكن أن تُصرف إيجابياً وتحقق لهم نوعاً من التوازن النفسي مع قيم العصر. هكذا، يرحبون بتصريحات من مثل التي صدرت بعد لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والملك الاردني عبد الله الثاني حين شدّدا على "أهمية العمل على تصويب الصورة السائدة عن الإسلام، وإظهاره بطبيعته السمحة الحقيقية"، وأكدا على "محورية دور الأزهر الشريف باعتباره منارة للفكر الإسلامي الوسطي".

حالياً، يعكف علماء الأزهر على كتابة "وثيقة الأزهر" التي ستكون مطالعة فقهية ضد المتطرفين. يأتي ذلك بعد تنظيم مؤتمر "الأزهر في مواجهة التطرف والإرهاب" وإصدار "بيان الأزهر العالمي". البيان المذكور هدف إلى تحسين صورة الإسلام فاعتبر أن اعتداءات الحركات المتطرفة "جرت باسم الدين والدين منها براء" وأنها "ليست من الإسلام الصحيح في شيء". لا بل أنه طالب "المنصفين من مفكّري الغرب ومسؤوليه بتصحيح هذه الصور الشريرة... حتى لا يتّهم الإسلام بما هو براء منه". وحاول البيان وصل العقيدة الإسلامية بالمبادئ الإنسانية من خلال ذكره مصطلحات كـ"القيم الإنسانية" و"الجرائم ضد الإنسانية" و"حماية حقوق المواطنة" و"عدم التمييز بسبب اللون أو الجنس أو المعتقد". أما سلطوية الأزهر فقد بدت واضحة من خلال اعتباره أنه يمتلك حصرية "الفهم الصحيح للنصوص والمفاهيم".

هناك أمور مقلقة تثيرها هذه التصريحات التي تتخذ مظهراً عصرياً. بعيداً عن إرهابهم، هناك، في فكر المتشدّدين، جانب إصلاحي يتمثل بقولهم بضرورة استنباط الأحكام مباشرة من القرآن والسنّة وبهذا يكسرون الجمود الذي يكتنف الإسلام السنّي المتجمّد عند فقهاء المذاهب السنّية الأربعة الكبرى ويلغون دور الوسيط بين المؤمن ودينه. على الرغم من التطبيق السيء لهذه الأفكار فهي تعتبر أفكاراً ثورية وتساعد على تحرّر المسلمين من سطوة المؤسسات الدينية الرسمية.

بكلامها العام ضد التيارات السلفية الجهادية، تخفي المؤسسات الدينية الرسمية رغبتها في إعادة سيطرتها على شؤون المسلمين من دون منافسة. تعمل "اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء"، أعلى الهيئات الدينية الرسمية في المملكة العربية السعودية وصاحبة التأثير الكبير على كثير من المسلمين في العالم، و"هيئة كبار العلماء السعودية" على محاربة أي تحدٍّ للسلطة الدينية الرسمية. فالدولة السعودية الحديثة، قامت على أساس تحالف سياسي – ديني يمنح المؤسسة الدينية سيطرة مطلقة على الشؤون الدينية للمواطنين وصلاحية الرقابة على كل الأعمال الفكرية والثقافية وتوجيه خطباء المساجد وإدارة "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" التي تُجبر المواطنين على الالتزام بالشريعة الإسلامية كما تعرّفها هي.

كما في السعودية كذلك في مصر رغم التفاوت الكبير في الصلاحيات الممنوحة للمؤسسة الدينية. تسعى مؤسسة "الأزهر الشريف" إلى احتكار المجال الديني بلا منافسة وتريد فرض نفسها وسيطاً لا بد من مرور المؤمن به في علاقته مع الله. لهذه الأسباب وقفت ضد حكم جماعة الإخوان المسلمين لمصر. في المقابل يقدّم الأزهر للسلطة خدمة كبيرة بإضفاء شرعية دينية عليها، وهذا دور تاريخي يشتهر به من خلال تكييف النصوص الإسلامية مع أولويات السلطة فيصير الإسلام اشتراكياً إذا كان الحاكم جمال عبد الناصر ويصير رأسمالياً يقدّس الملكية الفردية إذا كان الحاكم أنور السادات. في 3 يوليو 2013، حين عقدت قيادة الجيش المصري اجتماعاً لعزل الرئيس محمد مرسي ووضع خارطة طريق، حضر شيخ الأزهر أحمد الطيب الاجتماع وبرّر الخطوات المتخذة بقوله إن قانون الشرع الإسلامي يعتبر "أن ارتكاب أخف الضررين واجب شرعي".

بحجة الإصلاح الديني، تعمل السلطة على الهيمنة على الحقل الديني واستخدامه لتوطيد سلطتها. هذا يحصل في كل دول الربيع حيث تمكنت الثورات من زعزعة العلاقة بين السلطة والمؤسسة الدينية الرسمية. في تونس، على سبيل المثال، تعيد سلسلة الخطوات المتخذة في السنة الأخيرة، وبالأخص خطة "تحييد المساجد"، التونسيين إلى الحقبة الديكتاتورية حين كان ممنوعاً على المساجد إقامة أيّة أنشطة دينية داخلها، وكانت مواضيع الخطب تحدّدها السلطة ويُمنع الأئمة من الخروج عنها.

لا شك في الأهمية الكبيرة لمكافحة الجماعات الإسلامية المتطرفة والتصدّي لها. ولكن على الهامش يُعاد توطيد العلاقة السلطوية الجامعة بين المؤسسات الدينية الرسمية وأنظمة الحكم الاستبدادية. يعبّر عن هذه العلاقة مصطلح "الخوارج" المستخدم لهجاء "داعش" وهو ينفي الشرعية عن كل من يخرج عن طاعة الحاكم عادلاً كان أو ظالماً ما يعيد المسلمين إلى النظرية الفقهية التقليدية التي تحرّم الخروج على الحاكم ويشرّع لاستبداد الأنظمة الحاكمة.

الإصلاح الديني ليس مسألة إدارية ولا موقفاً عابراً. هناك حاجة إلى نوع من عقد اجتماعي يحدد دور الدين في الحياة ويحرره من السلطة السياسية. أحد جوانب العنف الذي تمارسه الجماعات الإسلامية ناتج من استبداد الأنظمة العربية وليس فقط من نظرتها إلى الدين وهذا يؤكده تحالف الفرقة الصوفية النقشبندية مع داعش في العراق. فإذا كان الاستبداد أحد عوامل نشأة ظاهرة التطرّف، فبالتأكيد لا يمكن التصدي لها بمزيد من الاستبداد.

التعليقات

المقال التالي