المثقفون والسلطة في مصر: بين التطبيل والإقصاء

المثقفون والسلطة في مصر: بين التطبيل والإقصاء

من محمد علي إلى عبد الفتاح السيسي، كانت ولم تزل العلاقة بين المثقفين والسلطة تتخذ شكل رقّاص ساعة يروح ويأتي بين التطبيل والتصفيق للزعيم وبين الإقصاء المعنوي أو الجسدي.

رسم محمد علي (1769- 1849) الخطوط العامة للدولة المصرية الحديثة، خطوطاً لم تحِد عنها منذ ذاك الوقت إلا قليلاً. فالدولة هي المسيطرة، والسلطة تشكّل مثقفيها ونخبتها وحتى معارضتها. ويمكننا القول إن النخب المثقفة كانت، بمعظمها، كيانات طفيلية تستمد وجودها وقوتها من دعم السلطة.

ولادة المثقف الخبير

أنشأ محمد علي طبقة المثقفين الخبراء الذين يجيدون تخصصهم وينفذون رؤية السلطة. لتأسيس مصر الحديثة، أرسل بعثات إلى الغرب لنقل أحدث ما وصل إليه الأوروبيون من معرفة.

ترأس أولَ بعثةٍ عثمان نور الدين الذي يُعدّ بدايةً لظهور المثقف التقني الخبير. ابتُعث إلى إيطاليا وفرنسا وحين عاد إلى مصر، عُيّن في مناصب عسكرية ثم باشر مهمة ترحيل الجيل التالي من المبعوثين وكان في مقدّمه رفاعة الطهطاوي.

في المقابل، أُقصي الشيخ عمر مكرم، رجل الدين الأزهري الذي كان يتولى نقابة الأشراف عام 1793، والذي قام بثورة مع شيوخ أزهريين بارزين لخلع خورشيد باشا والي مصر الذي عيّنه العثمانيون ثم سلّم مفاتيح الحكم إلى محمد علي. نُفي الشيخ إلى أسيوط ثم إلى طنطا.

لم تكن أسرة محمد علي تطيق الوطنيين. كانت تريد الاستفادة من نخبة تقنية تتقن عملها بدون أن تكون منخرطة في السياسة أو لديها رؤية خاصة بمصر، وذلك لكي تضمن ولاءها لها. ولكن برغم القمع الذي مارسته هي والاستعمار الإنجليزي ضد النخب المصرية، إلا أن المجتمع كان في كل جيل قادراً على إفراز مثقفيه ونخبته وشهدت الحياة الثقافية والأدبية نهضةً. ظهر في عهد أسرة محمد علي مثقفون عديدون مثل رفاعة الطهطاوي، وسعد زغلول، وقاسم أمين، ومحمد عبده، وطه حسين، وسلامة موسى. وكانت السلطة تتعاطى معهم بطريقة سلبية ومعظمهم خبروا نهجها الإقصائي نفياً خارج مصر أو إقالة من وظائفهم.

برغم ذلك، لم تمارس أسرة محمد علي قمعاً يشبه قمع السلطة العسكرية التي تسلّمت الحكم في الخمسينات من القرن الماضي. ففي عهدها، ساهمت الديمقراطية النسبية في إبراز وتبلور مثقفين وطنيين وخبراء في الوقت نفسه. وولّدت الديمقراطية الليبرالية مناخاً إيجابياً سمح بنمو آراء مخالفة لآراء السلطة، وبشيوعها بين الناس، وأصبحت شخصية المثقف الوطني جذّابة بالنسبة إلى طلبة الجامعة والمثقفين التقنيين.

كانت الصراعات الثقافية والأدبية حيوية، وتمحورت بشكل أساسي حول ثنائيات الأصالة والحداثة، والقديم والمعاصر، إضافة إلى طرقها باب مجالات الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية والدينية. ودارت معارك ذات طابع ثقافي وأدبي بين طه حسين وعباس محمود العقاد ومصطفى صادق الرافعي، وإبراهيم مازن، ومحمد عبده.

المثقف القومي العربي

حين انقلبت حركة الضباط الأحرار على الملك، وعلى الديمقراطية النسبية التي كانت تميّز البلاد، أحدثت تغييراً ثورياً في المجتمع المصري، تغييراً أضرّ بطبقة المثقفين الخبراء، وبالسياسيين المدنيين، وانتصر لقطاعات أكثر عدداً في مصر كانت محرومة اجتماعياً وتعيش في حالة من الفقر والجهل والتخلف. من الانحياز للفقراء اجتماعياً ومن سياسات الاستقلال الوطني وفكّ الارتباط بالاستعمار الأجنبي استمدّت السلطة العسكرية الجديدة شرعيّتها.

أثارت أولويات السلطة الجديدة حماسة بعض المثقفين، فتبنّوا أفكاراً قومية معادية للاستعمار، وتروّج لنفوذ مصري ناعم في المنطقة العربية. ظهرت نخبة مثقفة مختلفة عن سابقتها، وبزغ نجم محمد حسنين هيكل، الكاتب الصحافي، وصلاح جاهين الشاعر ورسّام الكاريكاتور، وغيرهما من الكتاب والفنانين، في طليعتهم عبد الحليم حافظ الذي غنّى ممتدحاً عبد الناصر، وتوفيق الحكيم الذي كتب مسرحية "الأيدي الناعمة".

السلطة تُشكّل المثقفين

تؤثر تركيبة السلطة في النخبة المثقفة وتضفي صفات معيّنة على المثقفين الموالين لها كما على المنددين بها. كانت أسرة محمد علي تمتاز برقي الذوق وباهتمامها بالتعليم والثقافة. لم تكن تحتاج إلى آلة قمعية حتى تثبت نفسها، وتبرر وجودها، وكانت تدخل في تحالفات مع البرلمان ومع المستعمر البريطاني. أما الضباط الأحرار، ومعظمهم من الرتب الصغيرة وقادهم اللواء محمد نجيب لإسقاط الملك فاروق آخر أبناء محمد علي، فكانوا تشكيلة نصفها من الإسلاميين الأصوليين ومعظمهم نشأوا في أسر محافظة.

بعد "ثورة 1952"، اهتمت السلطة بالولاء أكثر من الخبرة، مما ساعد في بلورة موقف المثقف المعارض الحالم الذي يسعى إلى تأسيس مجتمع العدل والحريات، أو "المثقف الهاوي"، كما يسمّيه إدوارد سعيد في كتابه "المثقفون والسلطة". من هؤلاء نجيب سرور، شاعر العامية والكاتب المسرحي الذي أصابه اضطراب عقلي نتيجة القمع والتعذيب، وأحمد فؤاد نجم، الشاعر الشعبي، والمغنّي الشيخ إمام. في هذه الظروف ظهر نجيب محفوظ، وفي حديثه هو نفسه عن العِلم، قال إنه كان يريد أن يكون عالِماً لا كاتباً، مما يشير إلى أن البيئة الثقافية التي خلقتها السلطة العسكرية، لم تكن تتسع إلا لنوعية معينة من المثقفين غير الخبراء. هكذا، ظهر معارضون سياسيون ونشطاء وشعراء وكتاب، أكثر من المتخصصين في العلوم الطبيعة والتكنولوجيا.

اهتمت السلطة العسكرية بالمثقف الذي يجيد صوغ المبررات لوجودها، ويضفي عليها بعداً أخلاقياً ومعنوياً. يجسّد توفيق الحكيم هذا النوع من المثقفين. ناصَرَ عبد الناصر في مسرحية "الأيدي الناعمة" والتي تحولت إلى فيلم جماهيري، ثم تحوّل إلى مناصرة السادات ونشر كتاب "عودة الوعي". التغيّر نفسه جسّده يوسف إدريس، الروائي والقاص، وأنيس منصور، الكاتب الصحافي. معظم هؤلاء ناصروا السادات وسياساته التطبيعية مع إسرائيل، والاقتصادية المتمثلة في الانفتاح.

واستمرّ بروز المثقف الهاوي الحالم، في عهد السادات، من خلال كوكبة من المخرجين والأدباء على رأسهم الروائي صنع الله إبراهيم،، ويوسف شاهين. هؤلاء لم تمنحهم السلطة "الامتيازات" ولكنها لم تقمعهم مثل عبد الناصر، فاستطاعوا أن يكتبوا ويخرجوا ويغنوا.

ومع مرور الوقت وتعاقب الحكام العسكريين وصولاً إلى محمد حسني مبارك، شهدت مصر حالات تجريف ثقافية واسعة، وامتاز "المثقفون" الذين يحظون بامتيازات تقلد مناصب، أو البروز الإعلامي، بضحالة فكرية وبانعدام الخبرة التقنية التخصصية، ليتحوّل المثقفون إلى حالة دعائية دعوية جوفاء، أو إلى "مطبلاتية"، على حد وصف الشارع المصري لهم.

المثقفون في زمن الانفتاح

تغيرت تركيبة المجتمع المصري في نهاية التسعينيات مع ظهور المحطات الفضائية وانتشار أجهزة الكومبيوتر والإنترنت. ظهرت بعض الوظائف المتعلقة بالنشاط الحقوقي والصحافي المرتبط بالدعم الخارجي بعيداً عن الدولة. وفي الوقت نفسه، استمر نموذج المثقفين الدعائيين غير الخبراء في مجالاتهم، ومعظمهم صحافيون، واستمر نموذج المثقف المعارض الملتزم بالخطوط الحمراء، والذي يؤدي دور المعارض النبيل، مثل رفعت السعيد الكاتب والشيوعي السابق الذي ركّز في كتاباته السياسية على "إرهاب" الجماعات الإسلامية، متجاهلاً دور الاستبداد في إنعاش الحركات الأصولية.

دخل المال الأجنبي إلى مصر مع الانفتاح الساداتي. المال الخليجي كان يذهب إلى الإسلاميين فبنوا المستشفيات وقدموا مساعدات اجتماعية. والمال الغربي ذهب إلى المثقفين والفنانين من خلال تقديم المنح للمبدعين، أو الدعم المستمر للمنظمات الحقوقية والصحافية المهتمة بقضايا الحريات العامة. وصارت حرية التنقل من مصر وإليها أكثر يسراً مقارنة بعهد عبد الناصر، مما ساعد على بلورة نخبة من المثقفين الخبراء بعيداً عن السلطة. يمكن أن نجسد هذه النخبة الجديدة في ثلاثة أشخاص هم الدكتور محمد البرادعي وووائل غنيم وأحمد ماهر.

ترك البرادعي الحائز جائزة نوبل للسلام السلك الديبلوماسي المصري وعمل أعواماً طويلة في مؤسسات وهيئات دولية أبرزها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. أما وائل غنيم فقد برع في برمجة الكمبيوتر وعيّنته شركة "غوغل" مديراً لفرعها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. من جانبه، غيّر أحمد ماهر مفهوم المعارضة فبعد أن كانت كرتونية وتمثيلية كما أراد لها السادات، ذهب مع ناشطين آخرين إلى منظمة "أوتبور" في صربيا، وتعلّموا فنّ الاحتجاج السلمي لإسقاط الأنظمة المستبدة.

منذ إطاحة محمد مرسي وصولاً إلى اعتلاء الجنرال السابق عبد الفتاح السيسي السلطة بشكل رسمي، والسلطة تحاول قدر المستطاع إغلاق الباب أمام التمويل الأجنبي، والحدّ من التواصل مع أوروبا والولايات المتحدة. لذلك تشنّ حملات إعلامية على الأجانب وتتهمهم بالتآمر على مصر بالتزامن مع طلبها الدعم الأمريكي والفرنسي والأوروبي عبر الاستثمارات والسلاح.

وأخيراً، أقرّت السلطة قانوناً خاصاً يجرّم تلقي تمويلات أجنبية تهدف إلى هدم الدولة أو قلب نظام الحكم، ويعتمد صياغة مطاطة وعامة. برغم أنها لم تطبق القانون حتى الآن، فإن وجوده يشكل رادعاً نفسياً لكل من يحاول الاقتراب من "النخبة" الجديدة التي نمت وتشكلت بعيداً عن عيون السلطة.

التعليقات

المقال التالي