بالأرقام، كيف يتخلّى العالم عن اللاجئين السوريين؟

بالأرقام، كيف يتخلّى العالم عن اللاجئين السوريين؟

تخطى عدد اللاجئين السوريين عدد اللاجئين الأفغان. وبحسب منظمة "أوكسفام" نتجت من الحرب السورية أكبر أزمة نزوح عرفتها الشعوب منذ الحرب العالمية الثانية، والعنف فيها لا يزال يتفاقم مشرّداً المزيد من السوريين. رغم ذلك، فإن مستوى استجابة العالم يبقى أقل من المطلوب بكثير.

أعداد المشرّدين

بحسب أرقام منظمة الأمم المتحدة للطفولة، "يونيسيف" هناك 10.5 ملايين مشرّد سوري منهم 3.3 ملايين فرّوا من بلادهم وأصبحوا لاجئين (تقدّرهم منظمة العفو الدولية بأربعة ملايين) إضافة إلى 7.2 ملايين نازح داخل وطنهم بعضهم اضطرّ إلى النزوح أكثر من مرّة. هذه الأرقام ليست نهائية بل تزيد كل يوم.

في الفترة الأخيرة، انخفضت أعداد السوريين الهاربين من الحرب. في أكتوبر الماضي، لم يفرّ من سوريا إلا 18،453 لاجئاً وذلك بسبب وضع دول الجوار السوري قيوداً مشدّدة على استقبال اللاجئين. بينما كان المتوسط الشهري لعدد اللاجئين، عام 2013، 150 ألفاً. ولكن لا يمكن التعويل على هذا الخفض، فالأمور ترتبط بمسار المعارك على الأرض السورية. على سبيل المثال، فرّ إلى تركيا، في أسبوع واحد من شهر سبتمبر الماضي، حين هاجم تنظيم داعش مدينة كوباني، بين 150 و190 ألف سوري.

اللاجئون إلى دول الجوار

يتوزّع اللاجئون السوريون بشكل أساسي على الدول العربية القريبة جغرافياً من بلدهم حيث تستقبل خمس دول حوالى 3.8 ملايين لاجئ بحسب أرقام منظمة العفو الدولية. فتستقبل تركيا منهم 1,600,000 ولبنان 1,174,914 والأردن 632,905 والعراق 225,373 ومصر 142,543.

بطبيعة الحال تختلف قدرة كل بلد من هذه البلدان على الاحتمال. الأرقام السابقة لا تدلّ على واقع الأمر كثيراً، إلا إذا قارناها بأرقام أخرى كعدد سكان البلدان المضيفة على سبيل المثال. هكذا، إذا احتسبنا النسبة التي يشكلها عدد اللاجئين من سكان هذه الدول، فسنجد لبنان بالمرتبة الأولى مع نسبة تصل إلى 26.3% ثم الأردن مع 9.8% فتركيا مع 2.14% فالعراق مع 0.67% فمصر مع 0.17%.

LEBANON-SYRIA-WEATHER-REFUGEES

معاناة دول الجوار

تعاني دول الجوار من ثقل ملف النزوح إليها على صعد مختلفة لأنها، باستثناء تركيا، دول ذات اقتصادات ضعيفة. على سبيل المثال، لفت وزير التخطيط الأردني ابراهيم سيف إلى أن "بلاده أعدّت خطة لعام 2015 تتضمن مطالبة بدعم بمبلغ 4.5 مليارات دولار لتغطية نفقات مشاريع إنسانية وتنموية لمواجهة تداعيات الأزمة السورية على الأردن". وطبعاً، لن يوفّر المانحون مبلغاً كهذا.

TURKEY-SYRIA-CONFLICT-KURDS

في لبنان، قدّر وزير الشؤون الاجتماعية، رشيد درباس، خسائر البلد الصغير بما بين 15 و16 مليار دولار حتى الآن. وبما أنه لا ثقة بالأرقام الرسمية في الدول العربية، يمكننا أخذ فكرة من تقرير أعدّه البنك الدولي بطلب من الحكومة اللبنانية وبمشاركة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي. في هذا التقرير الصادر في سبتمبر 2013، أي قبل أكثر من سنة، أشار البنك الدولي إلى أن الخسائر المترتبة على الاقتصاد اللبناني من جراء الأزمة السورية، لا سيما من تدفق النازحين، بلغ نحو 7.5 مليارات دولار. ولفت إلى أن انخفاض معدّل النمو سيدفع بـ170 ألف لبناني إلى مستوى الفقر ليُضافوا إلى مليون آخرين يعيشون تحت خط الفقر. هذا عدا إشاراته إلى تأثر نوعية خدمات التعليم سلباً وتأكيده أنه "لا يمكن التوقع من لبنان أن يتحمل وحده بشكل مستدام هذه التكاليف".

نجح المجتمع الدولي في تشخيص هذا الواقع بدقة. الممثلة الإقليمية لمكتب المفوض السامي للأمم المتحدة للاجئين في لبنان، نينت كيلي، قالت: "إذا لم يتم تقديم دعم للبنان، فعندئذ ثمة احتمال أن ينهار بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، ويصبح امتداد الصراع في سوريا بقوته الكاملة إلى لبنان مرجحاً بشكل كبير." رغم ذلك، لا يستجيب المجتمع الدولي لهذه المخاطر. ففي العام 2013، لم يصل سوى 53% من المساعدات المقررة. وهذا العام، التضامن الدولي أسوأ.

أمام هذا الواقع قرّرت الدول المجاورة لسوريا تطبيق سياسات متشدّدة في ما خصّ استقبال اللاجئين للحدّ من تدفقهم إليها. وهذا في نهاية المطاف سيؤدي إلى زيادة مآسيهم. تعليقاً على انخفاض عدد اللاجئين، قال الأمين العام لمجلس اللاجئين النرويجي، يان إيغلاند: "حذرت المنظمات الإنسانية مراراً من أن قدرة المجتمعات المضيفة وصلت إلى أقصاها، وطالبت المجتمع الدولي بتحمل نصيبه من العبء بشكل أفضل" وأضاف أن "ما نشهده الآن هو نتيجة فشلنا في تقديم الدعم المطلوب للمنطقة. نشهد انهياراً كاملاً للتضامن الدولي مع ملايين المدنيين السوريين".

معاناة اللاجئين

بسبب عدم ارتقاء استجابة المجتمع الدولي إلى مستوى التحديات، يعاني السوريون كثيراً. عام 2013، قضى 11 طفلاً سورياً نحبهم بسبب البرد، وعلى أبواب الشتاء الحالي، وبما أن الظروف صارت أسوأ، قد تحصل وفيات كثيرة.

وفي العام الماضي، تم إنقاذ 11307 سوريين في إيطاليا وحدها. ويمكننا القول إن العدد هذه السنة أكبر، هذا عدا آلاف تم إنقاذهم في اليونان. هؤلاء كانوا يحاولون الهجرة إلى أوروبا عبر البحر مستخدمين مراكب غير آمنة، ما أدى إلى وفاة 1900 لاجئ حتى بداية الصيف الماضي.

ونتيجة لمأساتهم يقع السوريون فريسة سهلة لمهرّبين يبتزّونهم ويأخذون منهم مدخراتهم القليلة. قبل أيام، ألقت الشرطة الألمانية القبض على مهرّب سوري طلب اللجوء في ألمانيا، وتبيّن أنه مسؤول عن غرق 250 شخصاً بعدما جنى من هذه العملية حوالى 500 ألف دولار.

في بدايات الشهر الجاري، أعلن برنامج الأغذية العالمي أنه سيعلّق برنامجاً يستفيد منه 1.7 مليون سوري "من الفئات الهشة" اللاجئة في لبنان وتركيا والأردن والعراق ومصر "بسبب نقص الموارد المالية". المنظمة قالت بصراحة: "على اللاجئين أن يناضلوا من أجل البقاء لمواجهة شتاء قاس. وتعليق هذه المساعدة سيعرّض للخطر صحة هؤلاء اللاجئين وسلامتهم، وقد يؤدي حتى إلى إثارة توترات جديدة وإلى عدم الاستقرار وغياب الأمن في الدول الحدودية التي تستضيفهم". ولكنه عاد وأعلن، بعد أربعة أيام، أنه سيتمكن موقّتاً من مواصلة عمله بعد تلقيه هـــبات تساعده على الاستمرار وتكفي عشرة أيام. لشهر ديسمبر الجاري يحتاج البرنامج إلى 64 مليون دولار لم تتأمّن كلها.

البرنامج نفسه يقدّم مساعدات لـ4 ملايين نازح داخل سوريا. هؤلاء سيتلقون حصصاً غذائية خلال الشهر الجاري، لأنها متوافرة وسبق شراؤها، ولكنهم سيُحرمون منها لاحقاً إن لم يتوفر التمويل اللازم. يحتاج البرنامج إلى 353 مليون دولار لتغطية عملياته في داخل وخارج سوريا حتى نهاية فبراير. وهذه الأموال غير متوفرة. تجدر الإشارة إلى أن كل نازح سوري لا يتلقى سوى مساعدات شهرية بقيمة 37 $ وهو مبلغ، على أهميته، غير كافٍ أبداً.

تقصير المجتمع الدولي

تؤوي البلدان العربية الخمسة الأكثر قرباً من سوريا 95% من أعداد اللاجئين السوريين. وترفض معظم دول العالم مشاركتها في هذا العبء. لذلك تطالب المنظمات الدولية بضرورة إعادة توطين اللاجئين. "إن عدد اللاجئين الذين شردوا من سوريا الشهر الماضي أكبر من الذين أعيد توطينهم خارج المنطقة خلال الثلاث سنوات الأخيرة. هذا فشل محبط للتضامن الدولي، ويجب أن يحفز الدول الغنية على التحرك"، قال رئيس لجنة الإنقاذ الدولية، ديفيد ميليباند.

لم تعرض دول الخليج الثرية استضافة أي لاجئ رغم أنها منغمسة في الحرب السورية. وهو ما وصفه مدير برنامج حقوق اللاجئين والمهاجرين بمنظمة العفو الدولية، شريف السيد علي، بأنه أمر "مُخزٍ". ولم توفّر روسيا والصين أي فرصة لإعادة توطين اللاجئين.

Print

تُجمع منظمة أوكسفام، ومنظمة العفو الدولية، وهيئة إنقاذ الطفولة، ومجلس اللاجئين النروجي، على أن الدول الغنية يجب أن تستوعب 5% على الأقل من اللاجئين قبل نهاية العام 2015، أي 190 ألف لاجئ. وتضيف منظمة العفو الدولية أنه يجب إعادة توطين عدد مماثل سنة 2016.

أما المفوضية العليا لشؤون اللاجئين فتسعى إلى إعادة توطين 130 ألف لاجئ فقط قبل نهاية 2016. قبل أيام عُقد مؤتمر دولي في جنيف للتداول في هذا المطلب. على أثره، أعلنت المفوضية أنه، في الأشهر القادمة، سيتم توفير أكثر من 100 ألف فرصة لجوء. لا شيء مؤكد حتى الآن برغم أن هذا الرقم  أقل بكثير من عدد النازحين إلى تركيا في شهر واحد هو سبتمبر الماضي.

في الاتحاد الأوروبي، قلة من الدول تساعد على تخفيف العبء عن اللاجئين السوريين. استقبلت ألمانيا والسويد 96,500 طلب لجوء خلال السنوات الثلاث الماضية، أي حوالى 64% من مجموع الطلبات في دول الاتحاد الأوروبي. هاتان الدولتان تستقبلان، بالإضافة إلى بلغاريا، وسويسرا، وهولندا، 70% من اللاجئين إلى الاتحاد. وضمن الرقم الذي تعهد اجتماع جنيف بتوفيره، يُحسب 62 ألف فرصة تعهدت المانيا والسويد بتوفيرها. هذا يعطي فكرة عن تقاعس معظم الدول عن تقديم المساعدة للسوريين. فالمملكة المتحدة، وفرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، وبولندا تعهّدت بتوفير 2000 فرصة إعادة توطين فقط، منها 500 في فرنسا.

أمام هذه الأرقام، يتحوّل مفهوم "التضامن الدولي" المتداول كثيراً إلى مسخرة.

التعليقات

المقال التالي