الانتخابات في تونس: مصدر رزق للعاطلين عن العمل

الانتخابات في تونس: مصدر رزق للعاطلين عن العمل

يوم 23 نوفمبر، يوم الانتخابات الرئاسية في تونس، التقيت به في أحد مكاتب الاقتراع. على قميصه الأزرق وضع شارة تحمل اسمه وصورته وصفته. هو وليد تليلي، أستاذ الجغرافيا الذي يعاني من البطالة منذ أكثر من 5 سنوات، وعمره يناهز الثلاثين سنة. أخبرني: "أعمل مراقباً للانتخابات منذ شهرين مع المنظمة المدنية "أنا يقظ"، راقبنا سير العملية الانتخابية منذ بداية شهر أكتوبر وسنواصل العمل حتى شهر ديسمبر".

أخبرني وليد أنه يتقاضى أجراً رمزياً لكنه يبقى أفضل من لا شيء، وأنه تلقّى إعداداً جيداً لمراقبة الانتخابات ويرجو أن يعمل أيضاً في مراقبة الانتخابات البلدية.

المنظمة المدنية "أنا يقظ" شاركت، مع منظمات أخرى من المجتمع المدني هي "عتيد" و"ائتلاف أوفياء" و"صوتي" و"رابطة حقوق الإنسان التونسية" و"شبكة مراقبون"، في توعية الناخبين ومراقبة سير العملية الانتخابية.

في صفوف المجتمع المدني

رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، شفيق صرصار، صرح بأن عدد المراقبين الذين تم اعتمادهم لمراقبة الانتخابات التشريعية بلغ 22 ألف مراقب من بينهم 600 مراقب دولي. أما في الانتخابات الرئاسية فقد اعتُمد 27 ألف مراقب و65 ألف ممثل للمرشحين.

يشغل هاشم عايدي، وهو شاب ثلاثيني مجاز بالإعلام وعاطل عن العمل، وظيفة منسق جهوي لـ"شبكة مراقبون" في سيدي بوزيد، إلى كونه عضواً في مجلس إدارة الشبكة. قال لرصيف22 إن لدى الشبكة فريق مراقبين مركزياً يعمل منذ انتخابات المجلس التشريعي في 23 أكتوبر 2011. يتألف الفريق من 12 شاباً من خريجي الجامعات يتقاضون أجوراً تتراوح بين 800 و1200 دينار، أي بين 435 و650 دولاراً. وفي فترة الانتخابات يصبح فريق العمل حوالى 40 شاباً يعملون مدة 10 أيام ويتقاضون أجوراً لا تتجاوز مصروف الجيب.

أما في المحافظات التونسية، فتتأسس فرق التنسيق الجهوي وهي 27 فريقاً، كل فريق يتكون من 3 شباب يعملون طوال فترة المسار الانتخابي، أي حوالى 4 أشهر، ويتقاضى كلّ منهم 200 دينار (108 دولارات) شهرياً. كذلك يتأسس فريق المشرفين المحليين، ويتكون من شابين في كل معتمدية، أي من 528 شاباً يعملون طوال فترة الانتخابات ويتقاضى كلّ منهم 160 ديناراً (88 دولاراً). وأخيراً، يتم تكوين فريق المراقبين الميدانيين، وعددهم حوالى 5 آلاف يعملون نهار الانتخابات مقابل 30 ديناراً لكلّ واحد منهم (16 دولاراً). كل هؤلاء المراقبين هم من الشباب العاطل عن العمل برغم أنهم يحملون شهادات عليا.

في الهيئة العليا

بدأت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات تعدّ للعملية الانتخابية منذ آخر يونيو الماضي، مع إطلاقها حملات لتسجيل الناخبين على سجلات الاقتراع، وهي حملات استمرت حتى أواخر أغسطس. شارك 2500 شاب في تنفيذ هذه المهمّة.

جهّزت الهيئة، بحسب تصريحات شفيق صرصار، 11 ألف مكتب للتصويت موزعةً على 33 دائرة انتخابية خلال الانتخابات التشريعية وخلال الانتخابات الرئاسية. وانتدبت 4 شباب من حاملي الشهادات العليا للعمل في كل مكتب. وبما أنها تتفرّع إلى 27 هيئة جهوية موزعة على عدد الدوائر الانتخابية، فقد وظّفت في كل واحدة منها عدداً من الشباب.

مندوبو المرشحين

شارك عدد كبير من التونسيين في الحملات الانتخابية. صادق كمون تطوع في الحملة الانتخابية لقائمة "الجبهة الشعبية" وفي الحملة الانتخابية للمرشح للرئاسة حمة الهمامي، وقال لرصيف22: "يصعب تحديد عدد الشباب المشاركين في الحملات الانتخابية ويصعب أيضاً التمييز بين المتطوعين وبين الذين يتقاضون أجراً. لكن يمكننا القول إن الأحزاب الجماهيرية اعتمدت على تطوع مؤيّديها. أما المرشّحون المستقلون فقد منحوا أجوراً للشباب العامل معهم".

بحساب بسيط، يتبيّن أن آلاف الشباب قد تمكنوا من تدبّر مورد رزق مؤقت لفترة قصيرة. تعليقاً على هذه الأرقام، قال شريف الخرايفي، عضو المكتب الوطني لاتحاد أصحاب الشهادات العاطلين عن العمل: "إن عدداً من العاطلين عن العمل قد شاركوا في دورات تكوينية في مراقبة الانتخابات وتمكنوا من تدبر مورد رزق في كل مراحل العملية الانتخابية"، لكنه أضاف بأن "تدبر هؤلاء لمورد رزق موقّت خلال العملية الانتخابية هو شيء لا يختلف عمّا يقومون به في حياتهم اليومية. فهم يعملون في أشغال البناء أو في المقاهي. وهذا ليس حلاً لمشكلة البطالة التي تجاوز معدلها في صفوف حاملي الشهادات العليا الـ30%".

استفادة أصحاب المهن والحرف

بلغت الموازنة الرسمية المرصودة لإجراء الانتخابات التشريعية 12,400,770 دينار (6,750,000 دولار) وللانتخابات الرئاسية 1,750,000 دينار (952,735 دولار). هذا بالإضافة إلى التمويل الخاص الذي يفوق التمويل الرسمي بكثير.

وقد تزامن موسم الحملات الانتخابية مع انتعاش بعض المهن والحرف التي كانت تعاني من الركود. كذلك طفت على السطح حِرَف جديدة ترى في الحملات الانتخابية فرصة للاستفادة وتطوير المداخيل المادية.

أبرز المستفيدين من عائدات الحملات الانتخابية هم أصحاب المطابع. زاد الإقبال على طباعة المعلقات والمطويات والقمصان والأعلام الموشّحة بالرموز الانتخابية وشعارات الأحزاب وكذلك القبعات والأوشحة. يقول أنيس بن عيسى، صاحب مطبعة يعمل فيها حوالى عشرين عاملاً: "أعلنت حالة الطوارئ في المطبعة واستقبلت عمالاً جدداً. تحمّلنا عناء العمل في الليل والنهار لكي نلبّي طلب الزبائن"، ويضيف: "الانتخابات موسم رابح، لكنّي أضطر لتأجيل أغلب طلبات الطباعة العادية وأتفرغ كلياً لطلبات المرشحين للانتخابات المستعجلة".

كذلك وجدت شركات الدعاية والإشهار في الموسم الانتخابي مناسبة لتطوير أعمالها والبحث عن مداخيل جديدة. تفرّغت لإعداد البرامج الدعائية للمرشحين ووضع التصاميم وإنتاج الأشرطة المرئية. وطبعاً ضاعفت بدل هذه الخدمات نظراً للإقبال الكبير عليها.

وفي الموازاة، ارتفعت كلفة استئجار الصالات المناسبة لعقد الاجتماعات الشعبية والندوات الصحافية وارتفعت معها كلفة استئجار معدات الصوت والسيارات والحافلات المخصصة لنقل الأنصار والتنقل بين مختلف الجهات. وقد شهدت الفنادق حركة لافتة.

كذلك استفاد أصحاب المهن ذات العلاقة بالتقاضي كعدول التنفيذ (الكتّاب العدل) والمحامين. فالمرشحون يلجؤون إلى هؤلاء لمساعدتهم في تقديم الطعون ورصد الانتهاكات التي يقوم بها الخصوم.

وساهمت الانتخابات التشريعية والرئاسية في إنعاش الاقتصاد وتحريك عجلته بعد مدة من الركود. لكن وليد تليلي سيعود إلى حياته اليومية ويعاني مجدداً من البطالة ويبحث عن مورد رزق آخر قد يدوم أياماً معدودة.

التعليقات

المقال التالي