كيف حوّل المعارضون المصريون قضية "تجريم التظاهر" من قضية وطنية إلى قضية "شلليّة"؟

كيف حوّل المعارضون المصريون قضية "تجريم التظاهر" من قضية وطنية إلى قضية "شلليّة"؟

ثمّة واقع يعيشه المصريون اسمه "تجريم حقّ التظاهر". نجح الرئيس عبد الفتاح السيسي في حرمان المصريين من هذا الحق وفي توفير غطاء شعبي لذلك. شُوّه الحراك الشعبي وصارت الاحتجاجات السياسية أو المطلبية تُسوّق كتآمر على "الثورة" أو كتعطيل للاستقرار.

للوصول إلى هذا الواقع، وظّفت السلطة المصرية "فزاعة الإخوان" و"الإرهاب" و"المؤامرة الخارجية لإسقاط الدولة"، واستثمرت حالة الاستقطاب الحادّ واصطفاف قوى عدة من معارضة سياسية ومجتمع مدني ومثقفين ورجال دين إلى جانب الجنرال السيسي نكاية بحكم الإخوان. ثم نجحت في السيطرة على وسائل الإعلام وتحويلها إلى منبر دعائي، وهو الأمر الذي لم يفلح فيه المجلس العسكري والإخوان برغم محاولاتهما المستميتة.

تسييس الحقوق

وقد ساهم تواصل الاستقطاب الحاد في التغطية على حقيقة أن ما يجرى هو صراع عنيف على السلطة بين الجنرالات والإخوان، ومحاولة لترميم نظام مبارك ـ السادات البوليسي. تُروّج السلطة لفكرة أن مصر في خطر وتواجه مؤامرات خارجية، وأن الوضع استثنائي يتطلب إجراءات استثنائية وتلاحم المعارضة مع السلطة وتأجيل المطالب الديمقراطية وقضايا "حقوق الإنسان" إلى وقت لاحق. وهذا يُضعف حراك المعارضين الذين لم يصطفوا لا في معسكر السيسي ولا في معسكر الإخوان.

كل هذا أدى إلى اعتقال عشرات الآلاف من المعارضين، معظمهم من الشباب، وقد صدرت في حق بعضهم أحكام بالسجن وبدفع غرامات. ولأنه قُبض عليهم بمعرفة النيابة العامة، ووفقاً لنص قانوني، تنتفي عنهم شكلاً صفة "المعتقل السياسي" المسجون عقاباً له على مواقفه من السلطة.

وعلى الرغم من الدعاية التي تتحدث عن استهداف الإسلاميين، فقد أثبتت الأحداث أن لا فرق في موقف السلطة العدائي تجاه كلّ من تسوّل له نفسه المشاركة في تظاهرة أكان مؤيداً لقوى مدنية أو دينية. تساوي السلطة في قمعها مَن يحتجّ على إقصائه عن السلطة بمَن يطالب بمطالب عادلة كالإفراج عن المحتجزين باسم قانون منع التظاهر، ورفض المحاكمات العسكرية للمدنيين.

تباين المواقف

ووسط لامبالاة الشعب المصري، بل استحسان عدد كبير من المصريين تجريم التظاهر تماشياً مع الخطاب السلطوي، تنوّعت المواقف من قانون منع التظاهر ومن قضية المحتجزين. فقوى المعارضة حريصة على عدم الابتعاد عن خطاب السلطة، والمثقفون المحافظون يكتفون بتسجيل مواقف متحفظة وعابرة في وسائل الاعلام، أو بالتوقيع على بيانات مكتوبة بلغة هادئة أقرب إلى النصح منها إلى الاحتجاج. هؤلاء اقتصرت مطالبهم سابقاً على دعوة الرئيس المؤقت عدلي منصور إلى تعديل القانون والإفراج عن المحتجزين، والآن تقتصر مواقفهم على مناشدة السيسي تلبية المطالب ذاتها.

هكذا هي مواقف المنظمات الحقوقية التي جرى تعيين رموزها، بعد إطاحة الإخوان، في المجلس القومي لحقوق الإنسان. هؤلاء يقومون بزيارات للسجون ومراكز الاعتقال، بالتنسيق مع وزارة الداخلية، تفضي إلى إشادتهم بأوضاع المساجين والمعتقلين.

في المقابل، سعت المراكز الحقوقية الرافضة التماهي مع السلطة، إلى الطعن في دستورية قانون منع التظاهر أمام محكمة كان يترأسها مُصدر القانون، أي الرئيس عدلي منصور. وبعد فشلها في ذلك، صارت توثّق أعداد المحتجرين والانتهاكات التي تعرّضوا لها، وتصدر تقارير وتنظم مؤتمرات صحافية تُبيّن الصورة القاتمة لحالة حقوق الإنسان ما بعد 30 يونيو.

لم يخلُ نشاط هذه المراكز من لعبة الاستقطاب. حاول الإخوان توظيف المعطيات الصادرة عنها دعائياً لمصلحتهم. وكذلك دخلوا على خطّ الاحتجاجات الطلابية في الجامعات وسيّسوها وهي احتجاجات كانت تقوم دفاعاً عن الحق في التظاهر، ورفضاً لاستهداف الزملاء بالقتل أو الاعتقال.

نضال تحكمه "الشلليّة"

وإزاء إغلاق المنابر الإعلامية في وجه المعارضين، كان البديل هو اللجوء إلى مواقع التواصل الاجتماعي. وعبرها، شنّ المعارضون المدنيون حملات على الوضع القائم وأظهروا مساوئه، ونظموا حملات تضامن مع المحتجزين مطالبين بالإفراج عنهم، وتحدثوا عن انتهاك حقوقهم وسوء حالاتهم الصحية لإكساب قضيتهم تعاطفاً شعبياً.

لكن من الملاحظ أن كل واحدة من مجموعات المعارضة "تغني على ليلاها". فالإخوان يبرزون أسماء المنتسبين إليهم، وحزب "الدستور" الليبرالي و"التيار الشعبي"  وحركة "6 أبريل" تتصرف بالطريقة نفسها. وهكذا يفعل كل مَن له اصدقاء محتجزين. حوّل الاقتصار على دعم قضايا المقرّبين، بدون الالتفات إلى الآخرين غير المعروفين، قضية المحتجزين إلى قضية غير مبدئية تحكمها "الشللية".

لقد أطلق الإخوان حراكاً على أكثر من مستوى تضمّن تنظيم سلاسل بشرية، وتظاهرات في أطراف المدن والقرى والجامعات، وتأسيس روابط لدعم المعتقلين في كل المدن المصرية، ومؤتمرات صحافية، وتواصل مع مراكز حقوقية محلية وأجنبية، وإطلاق حملات دولية تستقطب شخصيات بارزة من أكاديميين وحقوقيين شاركت في إحداها مستشارة سابقة للرئيس الأمريكي باراك اوباما. ووضع الإخوان النساء في مُقدّم تحركاتهم لكسب التعاطف.

هذا بالإضافة إلى إكثارهم من الظهور على المنابر الإعلامية الموالية لهم، والتي تبثّ من خارج مصر، خاصةً قنوات "الجزيرة مباشر مصر" و"رابعة" و"الشرق" و"مكملين" و"الشرعية". في برامج عدّة، راحت بعض هذه القنوات تسرد مآثر المحتجز، وكيف أنه كان مسالماً وبارّاً بوالديه ويحفظ القرآن ويعمل على خدمة جيرانه إلى أن اعتُقل من بيته لرفضه "الانقلاب العسكري" أو "المؤامرة على الإسلام".

في المقابل، ركّزت القوى المدنية نشاطها على مواقع التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى تنظيم وقفات تضامنية مع المعتقلين في فترات متباعدة. اعتمد المحسوبون على التيار المدني على أساليب لا تتأسس على الابتزاز العاطفي وإنما تُظهر "ذويهم" أبطالاً صامدين في وجه محاولات الهيمنة. من هؤلاء الشاعر رفعت سلام الذي دأب، يومياً، على نشر صور لابنته يارا منذ طفولتها حتى احتجازها تظهرها دائماً مبتسمة، فضلاً عن تنافسه مع أصدقائه في كتابة قصائد تحتج على مصادرة الحرية، وإصدارهبياناً تضامنياً اجتذب كتّاباً وشعراء ومثقفين في أنحاء عدة من العالم وقفوا معه في محنة احتجاز ابنته.

برغم كل هذا النشاط، يبقى مصير المحتجزين رهن إرادة السلطة التي تسابق الزمن لإعادة الأوضاع إلى سابق عهدها والقضاء على ما تبقى من أثر لانتفاضة 25 يناير.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي