إخوان الأردن والسلطة: هل تُستبدل "جزرة الحسين" بـ"عصا السيسي"؟

إخوان الأردن والسلطة: هل تُستبدل "جزرة الحسين" بـ"عصا السيسي"؟

يبدو أنّ النظام السياسي الأردني قرّر توجيه رسائل قاسية إلى جماعة الإخوان المسلمين. بعد اعتقال عدد من أعضاء الجماعة بينهم الداعية الإسلامي الأشهر، الدكتور محمد سعيد بكر، بتهمة السعي إلى تقويض نظام الحكم، وصلت سلسلة الاعتقالات إلى حد خطير مع اعتقال نائب المراقب العام للجماعة، المعارض العنيد زكي بني أرشيد.

العصا للإخوان؟

اعلان


في 21 نوفمبر الماضي، اعتقلت الأجهزة الأمنية الأردنية نائب المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين زكي بني أرشيد وأحالته على محكمة أمن الدولة بتهمة "تعكير صفو علاقة المملكة مع دولة أجنبية"، وذلك بعد أن اتّهم على صفحته على فايسبوك، حكومة الإمارات العربية المتحدة بـ"رعاية الإرهاب"، رداً على إشهارها قائمة إرهابضمّت جماعة الإخوان المسلمين.

هل بدأ الأردن يتخلى عن سياسة الجزرة التي لطالما أغرى بها الملك الراحل الحسين بن طلال الإسلاميين فكسبهم وكسبوه؟ وهل قرّر استخدام العصا معهم كما يفعل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي؟

في حديث لرصيف22، يتوقّع اليساري الأردني، محمد زعل، ذهاب النظام في تعامله مع ملف الإخوان المسلمين إلى أبعد من التلويح بالعصا. السياسي المؤيد لثورات الربيع العربي، يقرأ اعتقال بني أرشيد على خلفية موقف الجماعة الملتبس من تطورات الحرب الدائرة في سوريا. فعلى الرغم من تحوّل بعض الحركات الدينية المعارضة للنظام إلى الإرهاب، إلا أن الإخوان المسلمين يرفضون مشاركة الأردن في الحرب الدولية على داعش. ويقول زعل: "اعتقال بني أرشيد خطوة في اتجاه التأزيم".

عايش الإخوان المسلمون ثلاثة ملوك هاشميين ربطتهم بهم علاقات دافئة، لا سيّما خلال حكم الراحل الحسين. الجماعة التي تأسست عام 1945 نجحت في التحوّل إلى قوّة شعبية هامة وحصدت 23 مقعداً نيابياً من أصل 80 في البرلمان الحادي عشر، عام 1989. ولكن منذ منتصف التسعينات، وبسبب ما تعتبره قوانين انتخابية مجحفة، تأرجحت مواقفها بين المشاركة في الإنتخابات حيناً ومقاطعتها حيناً آخر إلى أن قررت منذ العام 2010 مقاطعة الانتخابات البرلمانية والبلدية.

ساعدت ظروف عدّة على تمدّد الإخوان في المجتمع الأردني وتحولهم إلى القوة السياسية الأبرز. يربط زعل تصاعد قوة الإخوان بتراجع التيارات القومية واليسارية بعد هزيمة 1967، كما يربطه بظهور الثورة الإيرانية كحركة دينية عزّزت الانزياح الشعبي نحو الخطاب المدافع عن المستضعفين. استفادت الجماعة من توظيفها الخطاب الديني في مجتمع إسلامي يرى فيها أملاً في اجتثاث الفساد، ومن تأييد الأردنيين من أصول فلسطينية لها.

الخوف من الربيع

حين انطلق الربيع العربي، خلط الشارع أوراق المعارضة قبل الأنظمة. وكان تأييد إخوان الأردن العارم لربيع مصر إيذاناً بانخراطهم في حركة الاحتجاجات الشعبية. بحسب زعل، فتح هذا الإنخراط شهية النظام الأردني على "استنساخ التجربة المصرية مع الإخوان المسلمين، مع إبقاء الباب موارباً لنسائم التسامح".

"أدركت الحكومة خطورة الجماعة وأنها قد تشكل بديلاً مناسباً للنظام، فراحت تشرّع القوانين ضد الحركة الإسلامية"، على قول النائب المستقل في المجلس الحالي، علي عواد السنيد لرصيف22.

يعيد المحلل السياسي لبيب قمحاوي، في حديث لرصيف22، أسباب التوتر المستجدّ في علاقة السلطة بالإخوان إلى "الذهنية الرسمية غير الديمقراطية التي طبعت العلاقة بين طرفي المعادلة طيلة العقود الماضية وفق ما تتطلبه مصلحة النظام". وتعليقاً على اعتقال بني أرشيد يقول: "النظام يهزّ العصا ليقول لشارع المعارضة أنا هنا". رغم ذلك، يعتبر أن الأمور لن تتجاوز "هز العصا" لأن هناك حرصاً لدى الإخوان والدولة على "لملمة الموضوع وعدم الإنجرار إلى أبعد من ذلك".

أما البعثي القديم والنائب السابق حسني الشياب، فيعتبر أن الاعتقال الأخير هو إشارة واضحة إلى تحوّل في استراتيجية تعامل الدولة مع الجماعة ويضعه في سياق إضعافها والتضييق عليها، و"لإرسال رسالة إلى دول الخليج من أجل دعم الحكومة مالياً" ويضيف: "لن تكتفي الحكومة بإدارة ظهرها لكل الأطراف بعد اعتقادها بضعف قوى الإصلاح، بل ستفتح باب المعتقلات مجدداً إذا اقتضى الأمر".

لكن الخبير الأمني، خالد المجالي يقول لـ"رصيف 22": "استغلّت الدولة خطأ بني أرشيد القانوني لتبعث برسالة قانونية يفهمها الإخوان جيداً". يؤيده في ما يذهب إليه أستاذ العلاقات الدولية في جامعة اليرموك، وليد عبد الحي، الذي رأى، في حديث لرصيف22، "أن التوتر الحاصل لن يصبح نهجاً سياسياً، سيما وأن الأردنيين قلقون من المشاهد الدموية في دول الربيع".

كل هذه المخاوف لا يتطرّق إليها الخطاب الرسمي. في اتصال مع رصيف22، اكتفى وزير الشؤون السياسية والبرلمانية خالد كلالدة بتجديد التأكيد الرسمي "أن الدولة ستتعامل مع قضية بني أرشيد بصورة فردية وقانونية وبعيداً عن استهداف جماعة الإخوان".

من يملأ فراغ الإخوان؟

يعي "خصم" بني أرشيد في الجماعة، الدكتور رحيل الغرايبة، مدى الضغوط التي تتعرّض لها الأردن خاصة من المحيط العربي في ملف الإخوان المسلمين. لكن المنسق العام للمبادرة الوطنية للبناء "زمزم"، وهي مبادرة انشقت مؤخراً عن الإخوان وتقدّم خطاباً يوصف بأنه "أكثر اعتدالاً"، يؤكد على ضرورة عدم الصدام بين الدولة والإخوان، مطمئناً إلى أنّ الملاحقات والاعتقالات فردية وليست استراتيجية.

في حديث لرصيف22 مع مصدر رفيع المستوى طلب عدم ذكر اسمه، يقول المصدر "إنّ قائمة تتضمّن قرابة ألف شخصية إخوانية ستزج في المعتقلات الأردنية حالما تحتاج الدولة إلى ذلك". معلومة يبدو أنها لم تكن خافية على الجماعة. ففي اتصال هاتفي مع نائب الأمين العام لـ"حزب جبهة العمل الإسلامي"، الذراع السياسية للجماعة، علي أبو السكر، قال: "نعرف ذلك"، مشدداً على أن الجماعة لن تسلك غير المسالك القانونية في حال أصبحت وجهاً لوجه مع سياسة اعتقال واسعة. أبو السكر يضيف لرصيف22: "حكمة الطرفين ستبقي العلاقة في إطار الاستهداف من دون أن تتحول إلى مواجهة".

"هناك مراكز قوى تدفع بكامل قواها باتجاه المواجهة واستئصال الحركة الإسلامية لكنها لم تستطع فرض رأيها على النظام حتى اللحظة"، بحسب أبو السكر الذي يعتبر أن الجماعة ليست نداً ولا خصماً للنظام. من ناحية ثانية، يرى "أن الأحداث الأخيرة انعكست إيجاباً على وحدة الجماعة التي أعيدت إلى الواجهة بعد اعتقال بني أرشيد وآخرين، وكسبت المزيد من التعاطف الشعبي".

تدرك الدولة قدرة الإخوان على امتصاص الغضب الرسميّ، وتدرك أيضاً أن لدى الجماعة قابلية للانحناء بالقدر الذي تتطلبه الرياح. وحتى الآن، ليس واضحاً بما يكفي إلى أي مدى ستعمل الدولة الأردنية على "كسر شوكة" الإخوان.

أمام هذا الواقع المعقّد، يحذّر علي عواد السنيد من استمرار مجاملة الأردن للدول النفطية على حساب الإخوان، ويعرب عن خوفه من أن "إفراغ الساحة المحلية من الإسلام المعتدل سيفتح الطريق أمام الإسلام المتشدد والمتطرف لا سيما وأن الحالة الشعبية متخاذلة نتيجة التجربة المصرية التي أورثت الشارع العربي الخذلان". هذا الخوف يشاركه فيه حسني الشياب الذي يحذّر من "تورّم التطرّف" ويشير إلى "أن الاقتراب من تجارب عاشتها دول أخرى سيجلب عدم الاستقرار للداخل".

التعليقات

المقال التالي