هل دخلت مصر وقطر في فلك النفوذ السعودي؟

هل دخلت مصر وقطر في فلك النفوذ السعودي؟

بعد الحكم على الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك بالبراءة، في القضية الأخيرة، تحدث كثيرون عن أن ما جرى هو نتيجة لطلب سعودي مباشر. قبل ذلك بأيام صدر عن الديوان الملكي السعودي إعلان الرياض وذلك على أثر المصالحة بين المملكة وقطر. حينها، برز طلب الملك السعودي من مصر وقطر طيّ صفحة الخلافات بينهما.

يُعتبر إعلان الرياض خطوة هامة على صعيد تحسين العلاقات المتوترة بين السعودية والإمارات والبحرين من جهة وبين قطر من جهة ثانية. لكن من جانب آخر يعتبر البعض أنه كان نهاية لصراع على الزعامة في المنطقة بين السعودية ومصر ولصالح الأولى طبعاً.

اعلان


فالسعودية، في إعلان الرياض، طلبت من قطر، القوة الحديثة الناشئة، أن تتوقف عن أفعالها التي تثير حفيظة المملكة، وطلبت من مصر، القوة القديمة، أن تتسامح وتقبل بالإعلان. لبّت الشقيقتان الدعوة واستجابتا لطلب الملك عبد الله.

السعودية ومصر... شدّ وجذب

منذ قيام ثورة الضباط الأحرار، سنة 1952، والعلاقات المصرية السعودية تمر بمراحل شدّ وجذب، أو بـ"صراع على الزعامة بين الدولتين الكبيرتين، مصر التى تفخر بتاريخها، والسعودية صاحبة النفوذ الديني باعتبارها حاضنة الحرم الشريف، فضلاً عن إمكاناتها المادية الهائلة"، بحسب تعبير إيناس عبد الظاهر، الباحثة في الشؤون العربية، في حديث لرصيف22.

العودة إلى أرشيف خطابات جمال عبد الناصر تقول الكثير. دأب الرئيس الأسبق على السخرية من السعودية، لا بل لم يتوانَ عن إهانة عاهلها فخطبه مليئة بالتهكم عليه. حتى أنه قال يوماً: "كل شهيد عندنا جزمته أشرف من تاج الملك سعود". في المقابل، كانت السعودية تواظب على اتهامه بأنه يسعى لإحداث انقلاب في المملكة للإطاحة بحكم آل سعود.

في السبعينات، بعد تخلي الرئيس الأسبق أنور السادات عن دور "الريادة" طوعاً من خلال توقيعه معاهدة سلام مع إسرائيل، احتلت السعودية مساحة أكبر في المنطقة وخطت خطوة كبيرة على طريق تحولها إلى زعيمة العرب. لم يُنحِّ السادات مصر عن دورها كزعيمة فقط بل فتح الباب أمام التيارات الوهابية السعودية لتحمل أفكارها وتغزو بها القاهرة.

كأحد تجليات التمدّد السعودي، يتحدث المخرج السينمائي أحمد فوزي، لرصيف22، عن "المال السعودي الذى غزا السوق المصرية وسيطر على الفضائيات"، وعلى أسواق الانتاج والتوزيع ما أدى إلى هيمنة "الذوق الأخلاقي السعودي" على السينما المصرية وبروز "ما يعرف بالسينما النظيفة". ويضيف فوزي أن "مصر خسرت الزعامة الفنية وتم القضاء على قوة مصر الناعمة".

ثم في عصر الرئيس الأسبق حسني مبارك، استمر الصراع الخفي على الزعامة. مبارك لم يكن يناطح السعودية لكنه لم يكن يعترف بزعامتها للمنطقة. مستندةً على طبيعة علاقتها بأمريكا، ودورها في المفاوضات الاسرائيليةـ الفلسطينية ثم الفلسطينيةـ الفلسطينية، نجحت القاهرة في حجز مكان لها على الخارطة السياسية الإقليمية.

لكن مؤخراً، ومع وصول عبد الفتاح السيسي إلى سدّة الرئاسة واعتماده على الدعمين السعودي والإماراتي، اتخذ الرئيس الجديد سلسلة خطوات اعتبر كثيرون أنها تؤشر على نهاية الصراع السعودي المصري على زعامة المنطقة، وخاصة بعد وصفه الملك عبد الله بأنه كبير العرب وحكيم العرب ورجل العرب.

ثم أتى إعلان الرياض الذي كان بمثابة إقرار رسمي بزعامة السعودية. صارت المملكة في موقع مَن يُصلح بين الدول، فتقول لقطر كفي عمّا تفعلين، وللإمارات والبحرين اعيدوا سفرائكم إلى الدوحة، ولمصر افتحي صفحة جديدة مع قطر... والكل يستجيب في ما يشبه الإذعان والتسليم الضمني بالزعامة للسعودية. تعليقاً على ذلك، يقول الباحث السياسي محمد نعيم لرصيف22، إن "إعلان الرياض ليس سوى ممارسة واقعية لما هو مستقر في الحقيقة منذ فترة. فالسعودية تقود العرب السنّة منذ زمن".

السعودية وقطر... نهاية "مغامرة"؟

من الصعب فهم العلاقات السعودية القطرية اليوم دون أن نستعيد محطتين مهمتين. في السبعينيات، وبعد إعلان بريطانيا عن نيتها رفع الوصاية عن منطقة الخليج العربي، بدأت المحادثات لتكوين الدول الجديدة. جرى ترسيم الحدود بين السعودية والدول الحديثة بموجب اتفاق أعطى السعودية شريطاً أرضياً يفصل بين قطر والإمارات فصار لزاماً على كل قطري راغب في الدخول إلى الإمارات أن يمر عبر السعودية، وصارت السعودية قادرة فعلياً على فرض حظر أرضي على شبه جزيرة قطر إن أرادت.

في منتصف التسعينيات، بدأ طموح قطر بلعب دور إقليمي يتزايد فأنشأت قناة الجزيرة. بعدها، ساندت "محور المقاومة" المتمثل بحزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين في مواجهة "محور الاعتدال" الذي ضم السعودية، مصر والأردن. ومنذ ذلك التاريخ بدأت قطر تبتعد عن السياسة الجماعية لمجلس التعاون الخليجي واتخذت خطاً مثيراً للجدل.

تضمنت الأفعال القطرية المزعجة لدول الخليج الأخرى استضافة معارضي أنظمتها وتوفير منصة للمراكز البحثية والمنظمات الدولية العاملة في مجال الترويج للديمقراطية والتغيير السياسي.

مع هبوب رياح التغيير على المنطقة العربية، اتسعت هوة الخلاف بين الرياض والدوحة. لم تمانع قطر قيام ثورات في الدول العربية ودعمت جماعة الإخوان المسلمين على عكس الدول الخليجية الأخرى المحافظة التي تخشى من انتقال عدوى التغيير إليها. تشير أستاذة العلوم السياسية زينب علام، في حديث لرصيف22، إلى حصول تقارب قطري مع كل من إيران وتركيا، الدولتين اللتين تتبعان سياسات تتنافر مع السياسة السعودية.

بعد عزل الرئيس المصري محمد مرسي، تفاقم الخلاف بين قطر والسعودية ووصل إلى حد سحب السعودية والإمارات والبحرين سفراءها من الدوحة. في بيان سحب السفراء، اشترطت الدول الثلاثة على قطر، للتراجع عن خطوتها، "عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول مجلس التعاون الخليجي بشكل مباشر أو غير مباشر وعدم دعم كل من يعمل على تهديد أمن واستقرار دول المجلس من منظمات أو أفراد سواء عن طريق العمل الأمني المباشر أو عن طريق محاولة التأثير السياسي وعدم دعم الإعلام المعادي".

مؤخراً، وبعد أشهر من الخلاف، قام أمير الكويت بوساطة أفضت إلى اتفاق الرياض التكميلي، وهو اتفاق يكمّل ما سبق أن اتفقت عليه دول الخليج وبموجبه عاد سفراء الدول الثلاثة إلى الدوحة. نص الاتفاق على أمور عدّة من بينها "الوقوف إلى جانب مصر"، بحسب تعبير الملك السعودي عبد الله في إعلانه بعد التوصل إلى هذا الاتفاق. كنتيجة للاتفاق، يتوقع البعض أن تراقب قطر مركزياً ما تبثه قناة "الجزيرة مباشر مصر"، آخر منابر جماعة الإخوان المسلمين، وهو أمر لم يكن يحدث من قبل حين كانت سياستها متروكة للعاملين في المحطة.

يتوقع المحلل السياسي في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، سامح راشد، في حديث لرصيف22 حدوث "تقارب سعودي قطري في المستقبل القريب" ولكن، برأيه، "ستبقى العلاقة بين الدولتين شبيهة بالمقص: طرفان يتباعدان حيناً وحينما يتقاربان لا يتطابقان أبداً".

يعتبر راشد "أن العلاقات بين الدولتين ستشهد فترة هدوء نسبي في المستقبل القريب" ولكن هذا التقارب لن يكون أكثر من "حلقة من ضمن حلقات قادمة أكثر صخباً بين الدولتين خاصة مع شيخوخة النخبة الحاكمة في السعودية وشباب النخبة الحاكمة في قطر". لذلك تتجه كل الأنظار إلى قمة مجلس التعاون الخليجي التي تستضيفها قطر الشهر المقبل وما سيصدر عنها.

ماجد عاطف

صحافي مصري عمل مراسلاً لمجلة نيوزيويك، ويعمل الآن مراسلاً لموقع Buzzfeed الأمريكي.

التعليقات

المقال التالي