أردوغان يرفض مساواة المرأة بالرجل، فما هو رأي العرب؟

أردوغان يرفض مساواة المرأة بالرجل، فما هو رأي العرب؟

"لا يمكنكم وضع النساء والرجال على قدم المساواة"، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال خطاب ألقاه في مؤتمر حول العدالة والنساء في اسطنبول وأضاف: "هذا يخالف الطبيعة". سرعان ما انتشر الخبر حول العالم. في الإعلام العربي استُخدم كلامه لإدانته من فمه. ولكن... هل العرب يختلفون عن أردوغان؟

تحليل أقوال أردوغان

اعلان


لنبدأ باستعادة أهم ما أدلى به الرئيس التركي. قال إن "ما تحتاجه النساء ليس المساواة. لا يمكنكم الادعاء بأن الرجال والنساء متساوون لأن طبيعتهم مختلفة". لفهم قوله يجب ربطه بالمثل الذي ضربه. تحدث عن أنه "في مكان العمل، لا يمكنكم معاملة رجل وامرأة حامل بالطريقة نفسها" وأنه "لا يمكن أن نجعل النساء يؤدون كل الأعمال التي يؤديها الرجل لأن هذا يناقض طبيعتهن الحساسة". برأي أردوغان لا يجب الحديث عن مساواة بل عن عدالة.

كلام أردوغان ملتبس وحمّال أوجه وهذا طبيعي من رجل سياسة إسلامي يحاول في الوقت نفسه إرضاء المدنيين وإرضاء قاعدته الشعبية الإسلامية. لا يمكن عزل كلامه عن سياق ممارسات حزب العدالة والتنمية التركي. هو سياق أثار فيه نائب رئيس الوزراء التركي، بولنت أرنتش، سجالاً حين قال، في يوليو الماضي، إن "على المرأة عدم الضحك بصوت عالٍ أمام العالم، وعليها أن تفرّق بين ما هو لائق وما هو غير لائق". وهو سياق أدّى إلى تراجع تركيا في الترتيب العالمي للمساواة بين الجنسين لتحتل المرتبة الـ125 دولياً ضمن قائمة ضمت 142 دولة، بحسب التقرير العالمي لعدم المساواة بين الجنسين، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي.

في قراءتها لخطاب أردوغان، اعتبرت النائبة بيناز توبراك، وهي نائبة من كتلة حزب الشعب الجمهوري، أي خصم حزب العدالة والتنمية الأول، أن "ما قصده الرئيس هو أن الرجال والنساء غير متساوين فيزيولوجياً". ولفتت إلى أنه، وعلى الرغم من حديثه عن العدالة بين الرجال والنساء، فإن تصريحاته بالشكل الذي صاغها به "ستغذّي الأحكام المسبقة تجاه النساء وستغذّي أفكار الرجال عن أن المرأة بشكل عام غير متساوية مع الرجل ولا يمكن أن تكون كذلك". قراءة توبراك هي القراءة الإيجابية لكلام أردوغان. يمكن قراءة كلامه بشكل سلبي خاصة إذا ما ربطناه بقوله إن "ديننا الإسلام حدّد دور النساء في المجتمع بالأمومة".

أبعد من أردوغان

أثار الرئيس التركي إشكالية مطروحة بشكل جدّي في المجتمعات العربية. الحديث عن أن المرأة غير متساوية مع الرجل هو حديث منتشر بكثرة.

بعض المواقف يمكن اعتبارها هزلية كما موقف الشيخ عبد الله بدر الذي قال مرّة: "هي إيه المساواة؟ ما تبطلوا استهبال بقى... اللي بتطلبوه دا مثلية... تخيل يا سلام يا سلام لو حكمتنا واحدة ست... ولو في اجتماع يقولك مش هتحضر الاجتماع. ليه يا عم؟ أصل عندها العادة الشهرية".

وبعضها الآخر يعكس تجذّر الثقافة الذكورية. في المغرب، وخلال اجتماع اللجنة الوزارية المكلفة بمتابعة تنفيذ الخطة الحكومية للمساواة، راحت وزيرة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية المحجّبة، بسيمة الحقاوي، تستعرض الخطوط العريضة للخطة وذكرت مصطلح "ميزانية الوقت بين الرجل والمرأة". لم يفهم بعض الحاضرين المصطلح فانبرى وزير الوظيفة ليقول أنه يعني احتساب أوقات عمل المرأة ليس فقط خلال عملها خارج البيت، إنما أيضا داخل البيت، والسعي لتحقيق المساواة بينها وبين الرجل في هذا المجال. هنا، ثارت حفيظة رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران فقاطع الوزير وقال: "هل معنى هذا أن الرجل يجب أن يتقاسم مع المرأة العمل داخل البيت؟"، ثم توجّه ضاحكاً نحو وزير العدل والحريات، مصطفى الرميد، قائلاً: "هل تقبل آسي الرميد أن تتقاسم مع زوجتك عمل البيت؟"، محذراً من اعتماد مفهوم المساواة على الطريقة الغربية.

الدكتور يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، يعتبر أنه لا توجد مساواة مطلقة بين الرجل والمرأة، وأن "المساواة المطلقة مرفوضة ولا يقبلها الشرع". يستند إلى الآية القرآنية التي جاء فيها: "الرجال قوامون على النساء" ويتحدث عن أن هناك مهام للمرأة لا تتناسب مع الرجل والعكس، فالرجل لا يستطيع الحمل أو الولادة أو الرضاعة ويخلص إلى أن "المهم إقامة العدل". يلفت في كلامه استخدام مصطلحي المساواة والعدل اللذين استخدمهما أردوغان.

في تونس، أثارت مسودّة مشروع الدستور التي قدمتها كتلة حركة النهضة الإسلامية، في أغسطس 2012، جدلاً واسعاً. جزء كبير من هذا الجدل تمحور حول الفصل الثامن والعشرين الذي وردت فيه عبارة "المرأة مكمل للرجل". اعتبرت الناشطات النسويات أن هذه العبارة مزعجة وتخفي نية سيئة. النهضويون دافعوا عن طرحهم باعتبارهم أن القول بأن المرأة مكملة للرجل يرجع إلى أنهما متكاملان ويكملان بعضها في مختلف المجالات. طبيعة حركة النهضة المنفتحة وبشكل خاص طبيعة زعيمها الشيخ راشد الغنوشي الذي يردد دائماً أن "مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة يعد مبدأ ثابتاً في الإسلام"، ساهمت في سحب فتيل التوتر. وهكذا في بداية العام الحالي تمكن المجلس الوطني التأسيسي من إقرار دستور ينص على أن المواطنين والمواطنات "متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز".

من جانب آخر، ترفض جماعة الإخوان المسلمين في الأردن "النظريات الغربية" حول المساواة بين الرجل والمرأة. وترى أنه بسبب "الفروق الجوهرية الدقيقة العميقة التي أوجدها الخالق سبحانه بين الذكر والأنثى... يستحيل تطبيق نظرية المساواة الكاملة بين الذكر والأنثى" وأن المساواة على الطريقة الغربية تحمّل المرأة أكثر مما تحمّل الرجل "فمع ما خصصت له المرأة من الحمل والولادة، والإرضاع وتربية الأطفال، ومع ما تتعرض له في حياتها، وما تعانيه من آلام الحيض والحمل والولادة، ومع قيامها على تنشئة أطفالها، ورعاية البيت والأسرة، مع تحملها لهذا كله، يحمّلونها زيادة على ذلك، مثل ما يحمل الرجل من الواجبات". باختصار تريد الجماعة إعادة المرأة إلى المنزل.

المواقف السابقة تعكس آراء جماعة الإخوان المسلمين. من جانبها تتبنّى المؤسسة الدينية السعودية مواقف أكثر تشدداً. على سبيل المثال، يعتبر الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء ورئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أن "من دعا إلى خروج المرأة عن فطرتها التي فطرها الله عليها، وخروجها عن خصوصيتها التي اختصها الله بها، فان هذا قد أراد بها شراً، ولم يرد بها خيراً... فمحاولة المساواة بين الرجل والمرأة في سائر الأعمال بأن يدعو إلى اختلاط الجنسين اختلاطاً كاملاً في بعض الأعمال والوظائف، وأماكن الدراسة، فهي دعوة تخالف شرع الله ودينه، فالواجب على المسلمين أن يتقوا الله في أنفسهم، ولا يدعو إلى مثل هذه الانتهاكات الشرعية".

أما مؤسسة الأزهر في مصر، وهي تعتبر أحد منابر الإسلام المعتدل، فقد أصدرت قبل فترة "وثيقة الأزهر لحقوق المرأة" وجاء فيها: "المرأة في المفهوم الإسلامي الذي عززته المبادئ الإنسانية والدولية والتجارب الحضارية صاحبة حق أصيل في الجماعة الوطنية، تمتلك جميع حقوق الإنسان في إعمار الكون وتنمية المجتمع بمسؤولية تامة دون أدنى تمييز عن الرجل". رغم انفتاح الوثيقة إلا أن عدم حديثها عن حدود للمساواة لا يعني أنه ليس هناك استثناءات تفرضها الشريعة الإسلامية كمسألة لامساواة الرجل والمرأة في ما خص الإرث وهو ما أكد عليه، هذا الشهر، مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر.

أحياناً، يحاول البعض تمييز المرأة إيجابياً كما فعل رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران حين طلب من وزير التربية الوطنية الكفّ عن تطبيق مبدأ المساواة بين المرأة والرجل في تعيينات المعلمين في المناطق النائية وذلك بهدف إنصاف النساء. ولكن هذا النوع من التمييز يثير حفيظة النسويات لأنهن يعتبرن أنه ينطلق من نظرة ذكورية إلى المرأة كمخلوق ضعيف.

ليس الدين وحده ما يخلق واقع اللامساواة بين الجنسين. هناك أيضاً الثقافة الاجتماعية المتخلفة. أحياناً يحارب رجال الدين ممارسات اجتماعية سائدة تحرم المراة من حقوق أقرّتها لها الشريعة. ففي مصر مثلاً، سبق أن طالب وزير الأوقاف الأئمة والخطباء والدعاة بالحديث عن حق المرأة في أخذ نصيبها من الميراث لأن بعض الأوساط المصرية تحرمها منه، في مخالفة واضحة لنصوص القرآن.

التعليقات

المقال التالي