فورين بوليسي: لا مكان للعرب على خارطة العالم لولا الإرهاب والحروب!

فورين بوليسي: لا مكان للعرب على خارطة العالم لولا الإرهاب والحروب!

كل عام، تقوم مجلة فورين بوليسي بتحديد 100 شخصية عالمية تعتبر أنها تشكّل "قادة الفكر العالمي" Leading Global Thinkers. في عددها السنوي الخاص الصادر قبل أيام، وضعت المجلة الأميركية العريقة لائحتها. يكاد يغيب العرب عن اللائحة لولا اختيار بعض الشخصيات لأسباب تتعلّق إما بالإرهاب أو بالحروب أو بمناصرة قضايا تجاوزها العالم الحديث.

من بين 131 شخصية اختارتها المجلة الأمريكية العريقة التي تأسست قبل أكثر من 40 سنة تحضر 11 شخصية عربية. المجلة التي تعرّف عن نفسها على أنها "المصدر العالمي الرائد للأخبار العالمية" اختارت 3 شخصيات عربية لكونها إرهابية، و5 شخصيات لأسباب مرتبطة بشكل مباشر بدور تلعبه خلال الحروب التي تدور في بلدانها، وشخصيتين لدورهما في نصرة قضايا تجاوزتها الإنسانية. لم ينجح في الخروج من هذه التصنيفات التي تعكس بؤس العالم العربي سوى حسين العبّاسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل.

اعلان


العرب والإرهاب

تقسّم فورين بوليسي قادة الفكر العالمي على عشر فئات أولها فئة "المحرّضين" أو "مثيري الفتن" Agitators. هؤلاء بحسب المجلة "قلبوا العالم كما كنا نعرفه، تاركين مستقبل مناطق بأكملها وحياة عشرات الملايين من الناس تواجه خطورة القدر المجهول". حصد العرب حصّة الأسد عن هذه الفئة.

ففيها أبو بكر البغدادي الذي "أعاد تعريف الإرهاب في القرن الـ21 بشكل وحشي". زعيم تنظيم داعش، "أخطر رجل في العالم"، قام "بإحداث ثورة بأسلوب تمويل جماعته. فعوضاً عن الإتكال على تمويل الرعاة الأجانب، تكسب داعش ملايين الدولارات يومياً من خلال مبيعات النفط الخام، وعمليات الابتزاز، والخطف". يلفت النظر استنتاج المجلة أن "غنى أبو بكر البغدادي أعطاه استقلالية".

إلى جانب البغدادي يحضر الكويتيان حجاج العجمي وعبد الرحمن خلف العنزي اللذان "وفّرا، طوال العام 2014، الدعم المالي للخلافة الإسلامية وجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة. وقاما بتطوير أساليب جمع التبرعات الجهادية". وهنا يلفت النظر أن المجلّة بدأت حديثها عن هاتين الشخصيتين بالفكرة التالية: "فيما لم تكن الولايات المتحدة حاسمة بشأن تسليح المعارضة السورية..."، وفي هذا نوع من نقد للإدارة الأمريكية.

غير بعيد عن الإرهاب الذي يعمّ العالم العربي، اختارت فورين بوليسي أيضاً شخصية "الجهادي جون" Jihadi John، وهو الإسم الذي أعطته المجلة الساخرة "فليت ستريت" Fleet Street  للإرهابي البريطاني الذي ظهر في فيديو إعدام داعش للصحافي الأمريكي جيمس فولي James Foley. تحوّل المجلة هذا الإسم إلى إسم فنّي يشير إلى آلاف المقاتلين الأجانب الذين سافروا إلى الشرق الأوسط للقتال إلى جانب الخلاف الإسلامية وتقول: "حتى لو أمكن القبض عليه، فهناك عدد من المجندين الأجانب القادرين على أن يأخذوا مكانه".

إلى جانب المذكورين ضمن هذه الفئة، نجد أسماء أبو بكر شيكاو، زعيم جماعة بوكو حرام الإرهابية، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، رئيس حكومة "جمهورية دونيتسك الشعبية" أليكساندر بوروداي Alexander Borodai، و"العقل الموجّه لإيديولوجية روسيا التوسعية" أليكسندر دوغين Alexander Dugin.

العرب والحرب

عن فئة "الدعاة" Advocates، وهي الفئة التي تضمّ "مفكرين عالميين يشيرون إلى قضايا تعتبر غالباً، وبشكل خاطيء، غير منطقية أو محظورة" والذين يناضلون "رغم تعرضهم للمخاطر ويدفعون الثمن"، تحضر شخصية عربية هي رامي عبد الرحمن، مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، وذلك لرصده التطورات العسكرية في الحرب السورية وتأسيسه مرجعية تعتمد عليها المنظمات المعنية بحقوق الإنسان.

عبد الرحمن ليس الشخصية الوحيدة التي حجزت لنفسها مكاناً على لائحة فورين بوليسي بسبب حرب تدور في بلاده. حضر عن فئة "المؤرخين الإخباريين" Chroniclers  الذين تعرّفهم المجلة بأنهم "روائيو العصر الحديث، الذين يروون للناس ما هم بحاجة لمعرفته، ويستخدمون غالباً منصات مبتكرة لفعل ذلك"، كل من المخرج السوداني حجوج كوكا بسبب فيلمه "على إيقاع الأنتونوف" الذي يروي حياة مشرّدين سودانيين يعيشون في مخيمات بسبب الحرب، والشابة الفلسطينية فرح بكر التي اشتهرت بتغريداتها التي تروي تطورات حرب غزّة الأخيرة.

كذلك الأمر، حضر في فئة "الفنانين" منتجي الأعمال التي "تطلب من المشاهدين أن يعيدوا النظر بما يعتقدون أنه الحقيقة" الفنانيْن السوريين ميمنة فرحات ومهند عرابي، الأولى لتنسيقها معرض "أوج الفنّ السوري" والثاني لرسوماته في المعرض نفسه، تلك الرسومات التي اعتبرت المجلة أنها توصل مآسي الحرب من خلال صور أطفال يظهر في عيونهم مزيج من الخوف والحشرية والبراءة.

غير بعيد عن العالم العربي اختيرت أستاذة الفنون الأفغانية شمسية حسّاني بسبب رسومات غرافيتي تخطّها على جدران المباني المهجورة في كابول وتنتقد فيها الصور النمطية عن ثقافتها.

العرب ومطالب تجاوزتها الإنسانية

بعض العرب تم اخيارهم لدور لعبوه في نصرة قضايا يمكن القول دون تردّد إن الإنسانية تجاوزتها وهذا يدلّ على عمق المشكلات التي تعاني منها الدول العربية. فعن فئة "الدعاة" تم اختيار الناشط الموريتاني بيرام ولد أعبيدي الذي يناضل ضد العبودية في بلاده حيث ما زال حوالى 150,000 شخص من أصل 3.8 مليون نسمة مستعبدين. أعبيدي قام بإضرابات عن الطعام وحرق نصوص إسلامية يقول أنها تمنح العبودية شرعية.

وعن فئة كبار رجال الأعمال الذين، بحسب المجلة، يخلقون فرصاً تكون بعض أهدافها نبيلة أحياناً، اختيرت السعودية ريما بنت بندر آل سعود لتشجيعها نموذج المرأة السعودية العاملة من خلال قيامها بتوظيف عشرات النساء في قسم متجر الملابس الفاخرة "هارفي نيكولز" Harvey Nichols  وإنشائها منازل رعاية نهارية وتقديمها إعانات نقل للعاملات السعوديات في السنوات الثلاثة الماضية.

وغير بعيد عن العرب، وفي صلب العالم العربي، اختارت المجلة عن فئة "المتحدّون" Challengers، وهي الفئة التي تضمّ أفراداً متحمسين "تحدّوا مؤسسات حكومية قوية على أمل تحديد مسارات جديدة لبلدان بأكملها ولسكانها"، شخصية "النساء الكرديات المحاربات" لأنهن، إلى جانب قتالهنّ داعش، يناضلن ضد التمييز بين الرجال والنساء في محيط ينظر إلى المرأة بدونية. برأي المجلة، "توفر المؤسسات العسكرية الكردية ملجأ للنساء وهي طريقة لمقاومة الذكورية".

عن ماذا يغيب العرب؟

لم يسجّل العرب أي حضور عن فئة "صنّاع القرار" الذين "يعملون لإعطاء صورة جيدة عن الحكم ويتحدّون المعايير السائدة ويطالبون بالتغيير"، هذه الفئة التي حجز الرئيس الإيراني حسن روحاني مكاناً له فيها للسنة الثانية على التوالي لأنه، بحسب المجلة، "يستمر بالدفاع عن المفاوضات النووية بشدة في إيران" و"يبقى متفائلاً من دون كلل... رغم أن رئيسه، المرشد الأعلى علي خامنئي، بقي متمسكاً باللهجة المعادية للولايات المتحدة". وفي وضعه على الائحة يظهر ابتعاد المجلة عن النظرية التي تقول أن روحاني والمحافظين المتشددين ينسقون الأدوار في ما بينهم. ويلفت النظر أيضاً اختيار المجلة عن هذه الفئة كل من رئيس الأورغواي خوسيه موخيكا Jose Mojika ووزير خارجيتها لويس ألماغرو Luis Almagro بسبب قرار بلادهم استقبال 42 لاجئاً سورياً ونيتها استقبال 78 آخرين، وفي هذا الخيار انتقاد ضمني لتعامل العالم مع ملف اللاجئين السوريين.

ولم يسجّل العرب أي حضور عن فئة "مناصري البيئة" الذين "يعملون على التذكير الدائم ليس فقط بما تتطلبه الحياة على الأرض، بل بما يتطلبه الازدهار"، وعن فئة "المبتكرين" الذين "يحددون ملامح مستقبل الإنسانية" مع أن هذه الفئة تضم 21 شخصية، وعن فئة "المعالجين" أصحاب الابتكارات في مجالات مرتبطة بالصحة العالمية.

نقطة وحيدة مضيئة

الشخصية العربية الوحيدة التي اختيرت لقيامها بإنجاز لا يرتبط بشيء ما سلبي هي حسين العبّاسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل وقد اختير عن فئة "المتحدّين". نوّهت المجلة بدوره في الجمع بين "المعتدلين" و"الإسلاميين" وباستخدامه أسلوب "التهديد بالاحتجاجات لتأمين مرور خارطة الطريق للنظام السياسي الجديد في تونس" واعتبرت أنه "في مرحلة ما بعد الربيع العربي وحدها تونس من بين بلدان الربيع نجحت في إرساء الاستقرار ويعود الفضل في ذلك إلى موهبة العباسي في توحيد الصفوف".

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيد عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي