الحرس الوطني، خطوة على الطريق إلى فدرالية عراقية

الحرس الوطني، خطوة على الطريق إلى فدرالية عراقية

أثبت اجتياح تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) مدينة الموصل العراقية أن مهمّة الدفاع عن المناطق السنّية في العراق لا يمكن أن تقوم بها قوة وطنية. في المجتمع العراقي الذي يشهد صراعاً طائفياً على السلطة، لا يمكن أن يدافع عن أيّة منطقة إلا أبناؤها. فـ"الغريب" يفضّل الهرب على الموت في سبيل حماية أشخاص لا يعرفهم. من هنا نشأت فكرة "قوات الحرس الوطني".

الاتفاق المؤسس

اعلان


في أولى جلسات الحكومة، في التاسع من سبتمبر الماضي، اتفق الوزراء العراقيون على إعداد مشروع قانون "قوات الحرس الوطني". حتى الآن من غير المعروف بالتحديد ما ستكون عليه هذه القوات. ولكن تشكيلها كان في صلب التفاهمات الأخيرة. تحدث البرنامج الحكومي لحكومة الرئيس حيدر العبادي عن إنشاء "منظومة الحرس الوطني من أبناء كل محافظة لتكون قوة رديفة للجيش والشرطة... وجعلها العمود الأساس في إدارة الملف الأمني في المحافظات لجهة القيادة والسيطرة".

التفاصيل الإضافية الأولية ظهرت من تصريح نائب رئيس الوزراء العراقي صالح المطلك، بعد جلسة الحكومة المذكورة، وقال فيه إن "مجلس الوزراء أقر خطة لتشكيل قوات من أبناء المحافظات التي تعاني من الإرهاب لتقوم بمهام حفظ أمن مناطقها والتصدي لتنظيم داعش والجماعات الإرهابية التي تسانده وتكون بمثابة جيش رديف". بعدها، تحدث العبادي في تصريحات متفرقة عن "إخراج الجيش من المدن" وحصر دوره بـ"الدفاع عن الحدود"، وعن "إنشاء منظومة أمنية محلية متطورة للمحافظات، قادرة على بسط الأمن والاستقرار ومحاربة الجريمة المنظمة".

مشروع قانون الحرس الوطني المرسل إلى مجلس النواب، يتحدث عن "تشكيل قوات عسكرية نظامية محلية في كل محافظة من أبناء المحافظة نفسها فقط... وبما يضمن التمثيل الحقيقي لأبناء جميع المكونات، بحسب نسبة تمثيلهم الحقيقي في مجتمع المحافظة"، أي أنه لن تضم قوات المحافظات السنّية جنوداً شيعة والعكس صحيح. كذلك، تحدث عن أنه "لا يجوز لقوات الحرس الوطني أن تمارس عملها خارج حدود المحافظة مطلقاً كما لا يجوز دخول قوات من خارج المحافظة... إلا بعد موافقة السلطات المحلية"، وهذا يعني لامركزية أمنية كاملة. أما النقطة اللافتة فهي إعطاء المشروع الأولوية إلى منتسبي الجيش العراقي السابق في تجاوز لقانون المساءلة والعدالة، أي قانون اجتثاث البعث. حتى اللحظة هذا المشروع هو فكرة ما دام مجلس النواب لم يقرّه بعد. بحسب نص المشروع ستثير مناقشته عاصفة قوية في البرلمان حين يُطرح على المناقشة.

قبل يومين، أكد مكتب رئيس الوزراء حيدر العبادي، أن "الإجراءات القانونية والتنفيذية لتشكيل الحرس الوطني تشق طريقها". فقبل إقرار القانون، شرعت الحكومة في تجميع العناصر من العشائر السنّية ومن الحشد الشعبي (المقاتلون الشيعة الذين حملوا السلاح تلبية لدعوة السيد علي السيستاني للجهاد). يتم تنسيق بناء نواة الحرس مع مجالس المحافظات السنّية ومع زعماء العشائر.

رحلة البحث الأمريكي عن حليف سنّي

لا يمكن فصل مشروع الحرس الوطني عن الرغبة الأمريكية في إيجاد قوة عسكرية سنّية قادرة على مواجهة داعش. حين أعلن الرئيس باراك أوباما الإستراتيجية الأمريكية لمواجهة التنظيم المتطرّف، قال: "سندعم جهود العراق لتشكيل وحدات حرس وطني لمساعدة المجتمعات السنّية على التحرر من سيطرة داعش". قبل ذلك كان قد تحدث عن السعي لـ"الوصول إلى القبائل السنّية في بعض المناطق التي يحتلها داعش، والتأكد من أن لدينا حلفاء على الأرض جنباً إلى جنب مع الضربات الجوية التي بدأنا بها".

هذه الرغبة الأمريكية سابقة على تصريحات أوباما بكثير. فواشنطن لم تكن راضية عن تفكيك رئيس الحكومة الأسبق، نوري المالكي، للصحوات وتسريح أغلبية عناصرها. تنظر إلى تجربة الصحوات كتجربة ناجحة أثبتت نجاعتها في تحجيم الإرهاب وكسب الدعمين الأردني والسعودي الضروريين لبناء علاقات جيّدة مع العشائر والمجموعات السنّية العراقية.

للوصول إلى مبتغاها، تعتمد أمريكا أسلوب العصا والجزرة مع العراقيين. تغري الحكومة بأن المشروع سيساعد على إعادة الاستقرار وكفّ خطر داعش وتدغدغ مشاعر السنّة بحديثها عن "20 مليون سنّي ما بين دمشق وبغداد محرومون من حقوقهم الشرعية فضلاً عن افتقادهم حكومة يمكن أن يثقوا بها"، على ما قال رئيس هيئة أركان الجيوش الأمريكية مارتن ديمبسي. في المقابل تبتز الحكومة العراقية بالمعونات العسكرية وبمواعيد تسليم الأسلحة المشتراة وتشترط لإرسال مستشارين عسكريين يساعدون على سد الثغرات التي يعاني منها الجيش العراقي "أن تكون حكومة العراق مستعدة لتسليح العشائر" وتحسين علاقاتها بها، كما قال ديمبسي نفسه.

لا تتخذ أمريكا موقف المتفرّج بل تعمل على تحقيق هدفها. في محافظة الأنبار، في قاعدة عين الأسد، هناك الآن مئات المستشارين العسكريين الذين ينسقون العمل بين قوات عشائرية سنّية وميليشيات شيعية والجيش العراقي وقد بدأوا بتدريب نواة القوة العشائرية. ومن أصل 5.6 مليارات دولار طلبها اوباما من الكونغرس للعمليات الخارجية سيخصص 1.6 مليار لتدريب القوات العراقية. جزء من هذا المبلغ سيصرف على تدريب أبناء العشائر.

صراع العشائر

أولى العقبات أمام مشروع قوات الحرس الوطني هو صراع العشائر السنّية على النفوذ. اتحاد القوى العراقي، أي التجمّع الذي يضمّ القوى الحكومية السنّية، قدّم إلى الحكومة، في منتصف شهر سبتمبر الماضي، لائحة بمطالب المحافظات السنّية الست. من بين هذه المطالب تحقيق التوازن في مؤسسات الدولة وإلغاء قانون المساءلة والعدالة وإنشاء الحرس الوطني وحل جميع أنواع الميليشيات.

القوى السنّية الأكثر تشدداً لها مطالبها أيضاً. اشترط الشيخ عبد الملك السعدي، المقيم في عمان، لمحاربة داعش أن يعمل التحالف الدولي على إيجاد حل جذري لمشكلة العراق و"الجلوس مع أهل السنّة من مستقلين مناهضين للعملية السياسية الحالية... والاستماع إلى مطالب المناطق السنّية المنتفضة". إضافة إلى المطالب السابقة تبرز مطالب إعادة ضباط الجيش السابق وحلّ الصحوات، وتشكيل حكومة تكنوقراط.

مقابل هؤلاء هناك العشائر التي كانت مرتبطة بالصحوات. رموزها يعارضون انفتاح الحكومة العراقية على السنّة "المتشدّدين". يقول رئيس "صحوة العراق" الشيخ وسام الحردان: "هؤلاء وقفوا إلى جانب داعش وشجعوه على قتل الصحوات والشرطة والجيش، وهم الدواعش الذين هربوا إلى عمان وأربيل". ويقول الشيخ حميد الهايس، أحد شيوخ عشيرة البو ذياب في محافظة الرمادي، إن "الحاضنة الأساسية لداعش هم البعثيون بالدرجة الأولى، وبعض رجال الدين".

الفيتو الشيعي

في البداية، حذّر المرجع الديني الشيعي الأعلى في النجف، السيد علي السيستاني، من "اعتماد أي آلية تضفي الطابع الطائفي أو القومي على تشكيلات الحرس الوطني الجديد، وإشعار من ينتمي إليها بأنه يدافع عن فئة معينة". هذا التحذير يمكن قراءته كرفض لكل ما يتم تداوله لأن فكرة الحرس الوطني ميزتها الوحيدة أنها ستُنشئ مجموعات عسكرية طائفية تدافع عن مناطقها. غير ذلك، يمكن ببساطة الطلب من العراقيين أن يتطوعوا في الجيش وأجهزة الأم. وهذا ما يطالب به كثيرون من رافضي مشروع الحرس.

في ما بعد، طالب السيستاني بالإسراع في مساعدة العشائر التي تقاتل داعش. ولكن هذا ليس تغيّراً في موقفه. لا يوجد سجال حول دعم العشائر التي تقاتل داعش. عملياً، وافقت الحكومة العراقية على تسليح بعض العشائر المقربة منها كعشائر البونمر والجغايفة والعبيد. السجال الحقيقي هو حول دعم العشائر التي لا تقاتل داعش والتي ترفض ذلك على اعتبار أن الأولوية هي للتخلص من الهيمنة المذهبية للشيعة.

يخشى بعض الشيعة من إعادة إحياء المؤسسة العسكرية البعثية تحت عنوان الحرس الوطني. قبل مناقشة البرلمان لمشروع القانون تحاول بعض القوى إجهاضه من خلال معارضتها قدوم مستشارين أمريكيين إلى العراق. بشكل عام ترفض الميليشيات الشيعية التعاون مع المستشارين الأمريكيين وتفضّل التعامل مع الإيرانيين خاصة أن التعاون السابق مع الأخيرين حقق نجاحات على الأرض، وذلك على العكس تماماً من مقاتلي العشائر السنّية.

خلال زيارته الأخيرة إلى إيران، تحدث نائب رئيس الجمهورية العراقي نوري المالكي عن حياكة دول التحالف الدولي لـ"مخطط خطير ضد المنطقة". هذا يؤشر على سلبية البعض تجاه كل ما هو أمريكي. زميله في حزب الدعوة علي الأديب قال: "إن هذا الحرس في حال تم إنشاؤه لا بد أن يمتلك أسلحة متطورة وذلك ما لا يمكن القبول به مطلقاً".

مستقبل ضبابي

أثبتت الأحداث العراقية أنه لا يمكن أن يدافع عن أبناء المحافظات السنّية إلا أبناء العشائر المنتمين إلى هذه المناطق. هؤلاء فقط هم مَن يمتلكون الاستعداد للموت. وأثبتت أنه لا يمكن حشد العشائر السنّية ضد داعش إلا إذا تم تغيير علاقة السلطة المركزية بالأقاليم. من هنا أهمية إنشاء الحرس الوطني.

ولكن هناك محاذير. يُخشى من أن يؤدي تسليح العشائر ووضعها بإمرة مجالس المحافظات إلى نشوء صراعات بين المحافظات خاصة أن هناك مناطق متنازع عليها بينها، أو إلى نشوء صراعات مع السلطة المركزية على خلفية بعض المطالبات.

رغم ذلك لا يمكن للحال أن يبقى على ما هو عليه الآن. لعبة الحرس الوطني لعبة خطرة ولكنها ضرورية. لا يزال العراقيون يتعاطون معها على أساس تحقيق مكاسب طائفية. ولكن الظروف تستدعي تغييراً في المفاهيم والقبول بنوع من اللامركزية ونقل النقاش إلى مجال مثمر هو مجال وضع ضوابط لكي لا تؤدي اللامركزية الأمنية إلى صراعات عسكرية.

صار ضرورياً الحد من نفوذ التشيّع السياسي وعلى الشيعة أن يقبلوا بذلك. وفي الوقت نفسه يجب تنمية قدرات المحافظات السنّية دون أن يولّد ذلك أي طموح باستعادتهم السلطة المركزية وعلى السنّة فهم ذلك. أما وأد المشروع، فسيؤدي إلى العودة إلى ما قبل حقبة العبادي وسيفكك الحكومة الوطنية.

كلمات مفتاحية
العراق الميليشيات

التعليقات

المقال التالي