عودة الاعتقال السياسي في الأردن بعد استراحة محارب

عودة الاعتقال السياسي في الأردن بعد استراحة محارب

في الفترة الأخيرة، شنّت الأجهزة الأمنية الأردنية حملة اعتقالات سياسية شملت بعض الناشطين. أما السبب فهو إما مشاركتهم في مسيرات واعتصامات أو انتقادهم النظام السياسي ومطالبتهم بالاصلاح.

ظنّ الناشطون السياسيون في الأردن أن سياسة الاعتقال السياسي ولّت أيامها. ففي منتصف السنة الجارية، تمّ إغلاق ملف محاكمات سابقة لناشطين سياسيين من خلال استبدال الأحكام الصادرة في حقهم بغرامات بسيطة.

لكن يبدو أن ممارسة الاعتقال السياسي كانت تمرّ في مرحلة استراحة محارب. فمنذ بداية الشهر الماضي، عادت الأجهزة الأمنية إلى سابق عهدها ليصل عدد المعتقلين السياسيين اليوم إلى حوالى 13 معتقلاً، تختلف اتجاهاتهم وانتماءاتهم السياسية من إسلامية إلى شيوعية وحتى مستقلة كما هو حال أعضاء الحراكات الشعبية والعمالية.

واللافت في قضايا الاعتقال السياسي في الأردن هو أن الناشطين السياسين المعتقلين، أو معتقلي الرأي كما يفضّلون تسمية أنفسهم، يُحالون إلى محكمة أمن الدولة وهي محكمة عسكرية. أما أبرز التهم التي توجه إليهم فهي "تقويض نظام الحكم السياسي" و"إطالة اللسان" و"التجمهر غير المشروع".

هذه التهم توجّه إليهم بسبب مشاركاتهم في مسيرات واعتصامات تنتقد النظام السياسي وتطالب بالاصلاح، مع العلم أن الدستور الأردني يكفل حق المواطنين الأردنيين في التعبير عن آرائهم. كما أن المواثيق الدولية التي وافق عليها الأردن، مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تكفل هذا الحق.

رصيف22 زار بعض أهالي المعتقلين للاطلاع على آرائهم في مسألة الاعتقال. جعفر سنيد شقيق الناشط العمالي محمد سنيد، صاحب لقب "مفجر الحراك الأردني"، أشار إلى أن أخاه اعتقل للمرة الثالثة منذ بداية انطلاقة الحراك الشعبي الأردني. ففي 20 أكتوبر الماضي قبضت الأجهزة الأمنية عليه ونقلته إلى سجن الهاشيمة ووُجّهت إليه تهمة تقويض نظام الحكم. يستنكر جعفر استمرار سياسة الاعتقال السياسي في الأردن ويقول: "أخي يعتبر ارهابياً في نظر الدولة الأردنية لأنه يدافع عن قضايا عمالية وقضايا الحريات في الأردن".

ويؤكد أسامة الصمادي، ابن المعتقل يوسف الصمادي عضو حركة ذيبان التي تطالب بإصلاحات وطنية، أن أباه اعتقل "بسبب آراء يكتبها على صفحته الخاصة على فيسبوك ويدعو فيها إلى الإصلاح السياسي ويستنكر الفساد في الدولة". علماً أن والده موجود الآن في سجن الموقر وقد وُجّهت إليه أيضاً تهمة تقويض نظام الحكم وتم رفض طلب تخلية سبيله بكفالة، فدفعه ذلك إلى الإضراب عن الطعام.

ويعلّق الناشط في حراك حي الطفايلة، معين الحراسيس، وهو أحد أبرز الناشطين في الحراك الشعبي الذي انطلق عام 2011، على عودة الاعتقال السياسي في الأردن بقوله "إن النظام السياسي لا يزال يمارس دور الدولة البوليسية. النظام اعتقد أن الحراك الشعبي انتهى لذلك اقتنص هذه الفرصة لاعتقال الناشطين السياسيين".

ويعزو الحراسيس حالة الركود التي يمر بها الحراك الشعبي الأردني إلى نجاح النظام في خلق قوى تبث الفتنة بين صفوف المعترضين، ويعتبر أن "الدولة تناقض نفسها عندما تسعى إلى إبراز وجهها الديمقراطي للخارج في الوقت الذي تمارس فيه الدور البوليسي ضدّ كل من يعبر عن رأيه".

في المقابل، ترى المحامية نور الإمام رئيسة لجنة الحريات في نقابة المحامين وعضو هيئة الدفاع عن معتقلي الحراك،  أن عودة الاعتقال السياسي في الأردن سببه "أن الوضع الاقليمي مهّد لتقبل العديد من المواطنين للقبضة الأمنية، مما جعلنا نلمس تراجعاً كبيراً في الحريات العامة مقارنة بما كان عليه الحال بعد بداية الربيع العربي حين اتسعت مساحة الحريات العامة في الأردن".

وتضيف الإمام أن إقرار قانون منع الارهاب بصيغته الأخيرة أفسح المجال أمام السلطة التنفيذية لاتهام كل مَن يعارضها بالارهاب، وخصوصاً أن تعريف الإرهاب في القانون واسع ومطاط على نحو يسمح بتوجيه هذه التهمة الخطيرة إلى مَن يكتب على مواقع التواصل الاجتماعي أفكاراً تخالف التوجهات العامة للسلطة.

بدوره، وبعد تأكيده أن موجة الملاحقات الأمنية وإحالة ناشطين سياسيين إلى محكمة أمن الدولة قد اشتدت في المدة الأخيرة، يقول المحامي المختص بقضايا الحريات، عمر العطعوط، "إن الأجهزة الأمنية تقوم في سياق تحركها المشروع والمطلوب لحماية البلد، بالتضييق على حرية التعبير عن الرأي بدلاً من تركيز جهودها على مواجهة الأخطار". في رأيه، كان من الأجدى إتاحة المجال للتغيير الحضاري السلمي نحو الديمقراطية كما يطالب معظم الناشطين السياسيين.

يعتبر العطعوط أنّ "على الدولة الأردنية إدراك أن تحقيق الأمن والأمان لا يكون بحلول أمنية قصيرة المدى بل من خلال تجفيف منابع الفكر الإرهابي الذي يعتمد بالدرجة الأولى على التخلف والفقر والجهل والفرقة والانقسام". ويضيف: "من دواعي الأسف أن الحكم عندنا لا يزال يرفض إشراك الشعب في المسؤولية والتنازل عن السلطة المطلقة والانفراد بالحكم ويستمر بتقييد الحريات ويسن القوانين غير الديمقراطية" مستشهداً بقانون المطبوعات والنشر وقانون محكمة أمن الدولة.

ويختم العطعوط أنه يجب ألا يغيب عن الذهن "أن المسّ بكرامة المواطنين من خلال العبث بحرياتهم والتوقيف التعسفي وعدم توفر أسس للمحاكمات العادلة، سيدفع الإنسان المقهور الضعيف للجوء إلى المجهول وحينذاك، لن يستطيع أحد منافسة التنظيمات المتطرفة".

غادة كامل الشيخ

صحافية في جريدة الغد الأردنية، متخصصة في قضايا حقوق الإنسان، الحريات العامة، وقضايا الأسرى والمعتقلين.

التعليقات

المقال التالي