هل تتحول حلب إلى عاصمة للمعارضة السورية المعتدلة؟

هل تتحول حلب إلى عاصمة للمعارضة السورية المعتدلة؟

كثر الكلام عن مدينة حلب، عاصمة سوريا الاقتصادية، وبشكل خاص بعد زيارة المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا. يحاول العالم تحويل نصف المدينة غير الخاضع لسيطرة النظام إلى عاصمة للمعارضة المعتدلة. ولكن هذه الخطة ستواجه عقبات كثيرة.

قبل حوالى الشهر، وقف الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، في ذروة هجمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على مدينة كوباني السورية وقال: "أين كان الذين يذرفون الدموع من أجل كوباني، ويتحدثون عن الإنسانية والضمير، عندما قصفت حلب وحماة وحمص؟". وضع الرئيس مدينة حلب في مصاف المدن السورية العربية السنّية الأخرى. هكذا كان الحال مع حلب إلى أن، فجأة، صارت المدينة عنواناً للتحرك الدولي في سوريا.

مبادرة دي ميستورا

في الأيام الماضية، احتلت تصريحات دي ميستورا حول حلب صدارة الأخبار السورية، وذلك على هامش زيارته دمشق وإيضاحه مبادرته مباشرةً لأركان النظام. ولكن هذه ليست المرّة الأولى التي يركّز فيها المبعوث الدولي على عاصمة سوريا الاقتصادية. في أواخر الشهر الماضي، حين قدّم تقريره إلى مجلس الأمن الدولي، قال: "ليس لديّ خطة سلام، إنما لديّ خطة تحرك" واقترح فكرة إنشاء "مناطق مجمّدة" يتم تعليق النزاع فيها مُرشِّحاً حلب كنموذج يمكن العمل عليه. "ينبغي أن يحصل شيء يؤدي إلى تجميد النزاع في تلك المنطقة، ويتيح الفرصة لتحسين الوضع الإنساني للسكان"، قال.

بعدها، قال في مقابلة مع شبكة "سي أن أن": "إذا نظرنا إلى الخريطة، نلاحظ أن داعش يتحرّك باتجاه حلب بعيداً عن عين العرب، وإذا كان هذا صحيحاً فإنها فرصة لإنقاذ هذه المدينة التي شهدت قتالاً لم يؤدّ إلى أي شيء بين المعارضة السورية والحكومة". الشق الأخير من جملته يعبّر عن اقتناع المجتمع الدولي بأنه لا يمكن حلّ الأزمة السورية عسكرياً، في تحوّل يناقض الرأي الذي كان شائعاً حين اندلاع الثورة.

من سوريا، تحدث المبعوث الدولي أكثر عن تفاصيل "مبادرته". قال إن إنشاء "منطقة مجمدة" يمكن القيام به من دون مفاوضات معقّدة بين أطراف النزاع. كل ما في الأمر أنه سيتمّ تحديد خطوط لوقف إطلاق النار انطلاقاً من دراسة جغرافيا انتشار الأطراف المتنازعة (النظام والمعارضة) ويجري تأمين إيصال المساعدات الإنسانية إلى الجهتين لتخفيف معاناة المدنيين ويتمّ تقديم ضمانات دولية للحيلولة دون العودة إلى شكل النزاع كما كان قبل "التسوية الجزئية"، أي لعدم تصعيد العنف حتى ولو لم يحصل الالتزام بشكل كامل بوقف إطلاق النار.

لماذا حلب؟ "حلب ليست بعيدة عن احتمال الانهيار"، قال المبعوث الدولي مذكّراً بأنها هامة اقتصادياً وترمز إلى الحضارة والتاريخ والأديان والثقافة السورية ومحذّراً من تدميرها بشكل كامل كما حصل في حمص.

يعوّل دي ميستورا على تركيز أطراف النزاع "على التهديد الحقيقي للإرهاب". فيمقابلة مع "بي بي سي"، قال: "هناك عامل واحد أساسي. ما هو؟ إنه داعش، الدولة الإسلامية في العراق والشام، الإرهاب" مكرراً حديثه عن أن "ما من منتصر. أتعتقدون أن طرفاً قد يفوز؟ الحقيقة هي أن لا أحد سيفوز".

الموقف السوري الرسمي

الرئيس السوري بشار الأسد اعتبر أن المبادرة "جديرة بالدراسة وبمحاولة العمل عليها من أجل بلوغ أهدافها التي تصب في عودة الأمن إلى مدينة حلب". انطباعات دي ميستورا تسير في الاتجاه نفسه. أكد أن أركان النظام السوري "يدرسون بجدية كبيرة اقتراح الأمم المتحدة" وأشار إلى اهتمامهم "البنّاء" بها.

كان النظام السوري يفضّل الأخذ بخططه للمصالحة الوطنية وهي خطط تقوم على أساس فكرة تسليم المعارضين المسلحين لأسلحتهم مقابل العفو عنهم وبسط الجيش السوري سيطرته على المناطق التي كانت خارجة عن سلطته. سوريا تفضّل نموذج حمص. ولكن المبعوث الدولي عرف كيف يقدّم الجزرة إلى السوريين. ذكر أمامهم قراري مجلس الأمن 2170 و2178 المتعلقين بالإرهاب وهما قراران يعوّل النظام السوري عليهما منذ البداية لتغيير صورته وللعودة عبرهما إلى المجتمع الدولي ومحاربة داعش بالتنسيق مع الدول الغربية، خصوم الأمس.

تقارب الآراء لا يعني أننا أمام اتفاق واضح. يشدّ النظام السوري باتجاه "تجميد" المعارك في مدينة حلب من دون "تجميدها" في ريف المدينة على اعتبار أن تقديراته تشير إلى أن وضعه العسكري هناك أفضل من وضع المعارضة. وفي الوقت نفسه هو ينتظر اتصالات المبعوث الدولي بالأطراف الأخرى وما ستفضي إليه. ففي حلب هناك حوالى 12 مجموعة مسلحة إضافة إلى جبهة النصرة وداعش.

موقف "أصدقاء المعارضة"

تركيا تنظر بحذر إلى ما يجري. فكثير من مجموعات المعارضة المسلحة التي ترتبط بعلاقات جيدة معها تتمركز في حلب وفي ريفها. ميدانياً تسيطر المعارضة على شمال المدينة بينما يسيطر الجيش السوري على قسم من جنوبها وجبهة النصرة على القسم الآخر منه. يقدّر الأتراك أن جبهة المعارضة لن تستطيع الصمود أمام داعش إن قرّر التنظيم مهاجمة حلب. سيناريو تفاقم الحرب في العاصمة الاقتصادية يخيف تركيا لثلاثة أسباب: الأول، لأنها قد تخسر حلفاءها وتجد خصومها يسيطرون على أهم المدن السورية. والثاني، لأنها تخشى من العمل على إنشاء وضع في حلب لا يصبّ في مصلحتها السياسية ويحدّ من تأثيرها في الأزمة السورية. والثالث، لأن أيّة حرب في المدينة ستعني تدفق مئات آلاف اللاجئين على أراضيها. "إذا سقطت حلب سنواجه نحن في تركيا فعلاً أزمة لاجئين كبيرة وفي غاية الخطورة والقلق. ولهذا نريد منطقة آمنة"، قال رئيس الحكومة التركية أحمد داود أوغلو.

فرنسا التي تقترب في مواقفها من تركيا بخصوص إستراتيجية محاربة داعش تميل إلى إرضاء أنقرة كجزء من حساباتها المرتبطة بمستقبل مصالحها في المنطقة. بعد اعتبار الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أن حلب هي "المدينة الرئيسية" في المعركة الدائرة في سوريا، كتب وزير الخارجية لوران فابيوس مقالاً نشرته صحف لوفيغارو وواشنطن بوست والحياة، تحت عنوان "بعد كوباني يجب انقاذ حلب" قال فيه إن حلب "تواجه خطر الوقوع بين فكي كماشة براميل النظام المتفجرة وسفاحي داعش"، لذلك "وجب علينا مع شركائنا في التحالف الدولي تركيز جهودنا على حلب بغية تحقيق هدفين واضحين: تعزيز مساندتنا المعارضة السورية المعتدلة وحماية السكان المدنيين من الجرائم التي يرتكبها التوأمان: النظام وداعش".

الميدان المعقّد

إلى جانب معركة كوباني، كان ما شهدته محافظة إدلب الواقعة بجوار محافظة حلب، أهم ما شهدته الأراضي السورية خلال الشهر الجاري. بهجوم خاطف، سيطرت جبهة النصرة على مراكز "جبهة ثوار سوريا"، أحد الفصائل المسلحة المصنّفة معتدلة والمدعومة من الغرب. كان لافتاً في هذه المعركة قيام مقاتلين من داعش بمساندة النصرة. الآن، تتجه الأنظار إلى احتمال شنّ هجوم كبير مماثل على "حركة حزم"، التي طالها رذاذ الهجوم المذكور، وهي أيضاً فصيل معتدل مقرّب من الغرب.

قبل هذا الهجوم كان قائد جبهة النصرة، أبو محمد الجولاني، قد طلب من جمال معروف، قائد "جبهة ثوار سوريا"، التوبة. الأهم أنه تحدث عن مشروع لتصفية "المجاهدين" في "الأراضي المحررة" تمهيداً لقيام تسوية بين النظام السوري وبين المعارضة المعتدلة. هو القلق نفسه من تجربة الصحوات العراقية. هذا يفسّر هجوم النصرة في ريف إدلب. المهم أن بعض مقاتلي جمال معروف الذين طُردوا من إدلب توجهوا إلى حلب.

وقبل أيام، شنّت الطائرات الأمريكية غارات على مواقع لـ"مجموعة خراسان" ولـ"جبهة النصرة" في ريفي إدلب وحلب. القيادة الأمريكية الوسطى، أكدت في بيان أن "هذه الغارات لم تشن انتقاماً للاشتباكات بين النصرة والمعارضة السورية المعتدلة، فهي لم تستهدف النصرة". مجرّد الإشارة إلى هذه المسألة تؤكد أن في هذا النفي شيئاً من الإثبات.

يحاول كل من أطراف النزاع السوري توسيع مناطق سيطرته وتثبيت قواعده في المناطق التي يسيطر عليها تمهيداً لـ"تجميد" النزاع. تركّز الفصائل المعتدلة، "جبهة ثوار سوريا"، و"حركة حزم"، و"جيش المجاهدين" و"حركة نور الدين زنكي" على وجودها في حلب علّ جزء المدينة الخارج عن سيطرة النظام يتحوّل إلى عاصمة للمعارضة المعتدلة التي يبحث عنها المجتمع الدولي.

في ظل هذه "المعمعة"، يظهر موقف الجيش الحرّ كموقف كاريكاتوري. أعلن قائد مجلسه العسكري في حلب، العميد زاهر الساكت، رفض التفاوض مع النظام ورفض الاستماع إلى دي ميستورا واضعاً شروطاً معقدة للقبول بالتفاوض. اللطيف في الأمر أن المبعوث الدولي لم يستشر الائتلاف الوطني السوري قبل إطلاقه مبادرته. وهذا ما يؤكد أن العالم صار ينظر إلى هذا الكيان ككيان أحفوري ينتمي إلى ماضٍ قديم.

موقف الجيش الحرّ يفسّره امتعاض رئيس الائتلاف الوطني السوري هادي البحرة من إستراتيجية التحالف الدولي الذي، في رأيه، "يغض النظر عندما يستخدم طيران الأسد البراميل المتفجرة والصواريخ ضدّ أهداف مدنيّة في حلب أو في أماكن أخرى". البحرة استنكر تجاهل التحالف الدولي للجيش السوري الحر وعدم التنسيق معه وتحدّث عن "انطباع بأنّ التحالف وقوات الأسد يعملان في اتجاه واحد لكون الأسد يتحرك بحرّية"، وهو بذلك يعكس القلق التركي مما يتمّ التحضير له في سوريا.

في مبادرته، ينطلق ستيفان دي ميستورا من فكرة أن تنظيم داعش يشكّل تهديداً مشتركاً لكل "فصائل سوريا المتنازعة". من هنا يرى أنه من الممكن حثّ الحكومة والمعارضة على "عقد اتفاقات محلية لوقف إطلاق النار". "حلب أولاً"، قال المبعوث الدولي مشيراً إلى أن نجاح هذا النموذج سيدفع إلى تعميمه على مناطق أخرى. يريد إقامة "مناطق مجمّدة" تساعد على إطلاق المسار السياسي من جديد. فهذا المسار لا يمكن أن ينطلق إلا مع وجود معارضة معروفة الهوية تسيطر على أراضٍ سورية. وفي الوقت نفسه سيساعد "التجميد" النظام والمعارضة المعتدلة على تركيز جهودهما ضد داعش وربما ضد النصرة في وقت ما. ببساطة، تغيّر الخطاب الدولي في ما خصّ سوريا كثيراً.

التعليقات

المقال التالي