ثقافة الإقصاء في تونس

ثقافة الإقصاء في تونس

في تونس، تظهر النزعة الإقصائية من خلال أحداث العنف التي تشوب التظاهرات. أخيراً وصلت هذه النزعة إلى حد الاقتتال وولدت قلقاً لدى المواطنين على حياتهم. تضخّم ظاهرة التجاذبات بين المواطنين قبل الانتخابات التشريعية الأخيرة وبعدها قد يشكل خطراً كبيراً على تماسك النسيج الاجتماعي التونسي.

لم تحجب النجاحات التي تحققت في تونس بعد الثورة، وخاصة النجاحات السياسية، المشاكل الكبرى والقضايا الشائكة التي يعانيها المجتمع التونسي. فمعظمها ليس وليد اللحظة بل هو جزء من الثقافة العامة. وتبقي النزعة نحو إقصاء المختلف سياسياً أو اجتماعياً، أكبر المشاكل وأكثرها خطورة على الوضع العام.

اعلان


الإقصاء في المجتمع التونسي ظاهرة قديمة متجددة تتفاقم يوماً بعد يوم. تتضخّم هذه الظاهرة بسبب صراعات النخب السياسية وبسبب خطابات النخب الإعلامية، وهذا قد يصل بها إلى حد ''التعملق'' كما يقول الدكتور عبد الله العمادي، أي إلى درجة عميقة ومؤثرة. وحتى لا نرجع كثيراً في التاريخ، يمكن استذكار ما كان يحصل قبل الثورة، إذ اتخذ نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي من الإقصاء منهجاً سياسياً للحكم ولإدارة شؤون البلاد والعباد.

الإقصاء في زمن الثورة 

حين كانت تونس قاب قوسين أو أدنى من سيناريو مصري، أي عندما نظّم المعارضون "اعتصام الرحيل" داعين إلى استقالة حكومة الترويكا، برزت النزعة الإقصائية في أشد تجلياتها خطورة. ألقى أحد شعراء المعارضة، الصغير أولاد أحمد، خطاباً خطيراً قسم فيه التونسيين قسمين: نحن وهم، ''نحن في 6 أوت (أغسطس) 2013'' و''هم في 28 رمضان 1434''، قاصداً التهكّم على التقويم الهجري واعتباره شيئاً يدل على التخلّف. وصف الإسلاميين بأنهم يحتفون برمضان ويهتمون بالدين والشعائر وبممارسة طقوس جامدة ورجعية ووضعهم في مواجهة العلمانيين المختلفين الذين يعيشون وفق قيم عصرية ولا يأبهون للطقوس المنافية للمدنية والتحضر.

هذا الموقف يختزل بوضوح النزعة الإقصائية ضد الإسلاميين. لم تكن الترويكا هي المستهدفة بل الحزب الذي يقود الترويكا والحكومة، أي حركة النهضة الإسلامية. وهو ما ذهب إليه الدكتور حمودة بن سلامة الذي يرى أن بعض النخب والأحزاب لا ترى ''في الإسلاميين مجرد خصوم سياسيين بل ربما ما زالوا لا يقبلون وجودهم وبقاءهم في الحلبة السياسية، حتى كمعارضين''.

في المقابل، اتهم خصوم النهضة قادة هذه الحركة بأنهم هم من صنعوا مناخ التوتر والانقسام السائد في تونس بتعمدهم منذ البداية تقسيم المجتمع إلى كافر ومؤمن، إلى تيار إسلامي حامٍ للإسلام وتيار علماني معادٍ للدين. ورغم أن النهضة تحالفت بعد أول انتخابات جرت بعد الثورة مع أحزاب علمانية فإن خصومها اتهموها بالتقرّب من السلفيين الذين يرفعون شعارات إقصائية لا تتقبل الآخر مستنتجين من ذلك أن انفتاح النهضة ليس سوى أمر فرضه الأمر الواقع التونسي. ففي نهاية العام 2012، قال رئيس الجمهورية المنصف المرزوقي إن حركة النهضة  تذكّر بالنظام السابق بمحاولتها "السيطرة على مختلف دوائر الحكم، وتعيين أتباعها في مختلف المراكز الحساسة للدولة".

الإقصاء وانتخابات 2014 

لعل أبرز نموذج للإقصاء قبل الانتخابات هو ما تعرضت له مُرشّحة مُنقّبة من إحدى ولايات الجنوب التونسي. المرشحة على قائمة "الشعب يريد"، كريمة السماعلي، واجهت انتقادات حادة لكونها ترتدي لباساً إسلامياً يدلّ على مرجعيتها السلفية. ربط خصومها بين هيئتها وبين صور نمطية تتعلق بالإرهاب والغلو والتشدد. ولعل التعبير الذي استعملته السماعلي حين سُئلت عن سبب إصرارها على الترشح، يغني عن كل تعليق. قالت إنها تقدمت للانتخابات لأن الكثيرين تحدثوا لا عن إقصاء المرأة المنقبة من الحياة السياسية فقط، بل كذلك عن ضرورة ''إعدامها'' سياسياً.

أما بعد الانتخابات، فبلغت الإقصائية مداها حين تعالت بعض الأصوات من هنا وهناك لا لتنال من مرشح أو حزب بعينه، بل لتنال من جهات بأكملها. فاتهم الجنوب التونسي الذي انحاز أهله إلى حركة النهضة بأنه ذو طبيعة إسلامية محافظة، ورمى أهله بالتخلف والرجعية وبأنهم لا يؤمنون بالمدنية والحضارة. بل ذهب أحدهم إلى القول: ''لقد هبت عليهم رياح الجهل من الحدود''. وأما شمال البلاد وساحلها الذي انحاز إلى الحزب الفائز بأغلبية المقاعد، فقد صُوّرا على أنهما مركز التحضر والحداثة وقيل إن أهلهما يتطلعون إلى الانفتاح على تجارب الأمم الراقية ولا يريدون الانكفاء على جملة من القيم التي تجاوزها الزمن.

يصف مصباح الشيباني، أستاذ علم الاجتماع، النزعة الإقصائية المنتشرة في المجتمع التونسي بأنها حالة من ''الفتنة السياسية'' التي تعكس ضعف الأسس التي قام عليها مجتمع النخبة. ويعتبر أن تلك النخبة هي سبب النكبة في مختلف المجالات السياسية والثقافية والإعلامية لأن أفرادها يفتقدون القدرة على إعمال العقل وتطوير طرق التعامل في ما بينهم ضمن إطار الوحدة والمشاركة والانخراط الفاعل والمسؤول في إدارة الشأن العام. من هنا فإن تأصيل ''ثقافة الاختلاف'' وتحويلها إلى سلوك يحكم ممارساتنا وعلاقاتنا اليومية، يُعدّان من أبرز التحديات التي تواجه التجربة السياسية لتونس الجديدة وهو تحدٍّ لا يمكن لأحد أن يتجاهله أو يؤجله أو يستهين به.

إن ثقافة الإقصاء لا تتأسس إلا في مناخ سياسي وفكري وثقافي يرفض التعدد في طرق التفكير والوعي ولا يقبل بالاختلاف الذي ليس من الحقوق القانونية أو الدستورية بقدر ما هو ثقافة ورؤية تحتاجان إلى أن تتحولا إلى سلوك يومي يضبط العلاقات بين جميع أفراد المجتمع.

محمد حجاج

صحافي وأكاديمي تونسي، باحث في الخطاب السياسي ومتخصص في الشؤون السياسية والاجتماعية.

التعليقات

المقال التالي