إصلاح أجهزة الأمن: مهمّة لم تنجزها دول الربيع

إصلاح أجهزة الأمن: مهمّة لم تنجزها دول الربيع

لو عاد أيّ من مواطني دول "الربيع العربي" في ذاكرته إلى عهد النظام السابق، فإن أول ما سيخطر على باله هو الممارسات القمعية وانتهاكات أجهزة الأمن لحقوق الإنسان. من هذا المنطلق، كان ينبغي أن توضع مهمّة إصلاح قطاع الأمن على رأس الأولويات. ولكن هذه المهمّة لم تنفّذ لا بل تدلّ مؤشرات كثيرة على أن النُهُج السابقة لم تتغيّر كثيراً.

من المؤشرات على تنامي العلاقة بين إصلاح قطاع الأمن وبين السلم والأمن أن ذِكرهذه العبارة في بيانات مجلس الأمن الدولي ارتفع من 14 مرّة عام 2008 إلى 37 مرّة عام 2012.

اعلان


لا يزال مفهوم إصلاح قطاع الأمن يتطوّر على الرغم من اهتمام المنظمات الدولية به وخوضها تجارب كثيرة في هذا المجال. ولكنْ هناك إجماع على أن الدول التي تمرّ بمرحلة انتقالية، بعد حرب أهلية أو بعد التخلّص من نظام قمعي، لا يمكن أن تشهد تحولاً ديمقراطياً من دون أن تقوم بإصلاح أجهزتها الأمنية إصلاحاً يضمن وقف انتهاكات حقوق الإنسان وممارسات التعذيب ويضمن مراقبة ومحاسبة عناصر القوى الأمنية. كذلك هناك آراء كثيرة تربط بين النجاح في الانتقال الديمقراطي وبين نجاح إستراتيجيات التنمية الاقتصادية على اعتبار أن فساد الأجهزة الأمنية هو جزء من منظومة فساد عامة لا تأبه للصالح العام ولرفع مستوى معيشة المواطنين.

في زمن الديكتاتور

في كل دول الربيع العربي، مع فرق في الحجم، كانت الأجهزة الأمنية تمارس دور حارس النظام وحارس مصالح الفئة المستفيدة من النظام كما كانت تتدخل في الانتخابات التشريعية وفي حياة المواطنين اليومية وتعاقب المعارضين وتمارس بحقهم أبشع الانتهاكات.

ففي تونس، اشتهر دور وكالة "الاستخبارات العامة" التي كانت تتبع رئيس الجمهورية وتمارس عملها في ظل غياب أي قانون يوضح صلاحياتها وحدودها. كذلك لجأ نظام الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي إلى الشرطة لحماية مصالحه.

وفي مصر، استحوذت شبكة النظام الزبائنية التي كان يقودها نجل الرئيس الأسبق حسني مبارك، جمال، على "قوات أمن الشرطة" واستخدمتها كقوة مسلحة للدفاع عن مصالحها. كذلك اتهم "جهاز الشرطة" بانتهاك حقوق الإنسان في مناسبات كثيرة وبالتدخل في الانتخابات. كما تدخل "جهاز أمن الدولة" في الحياة السياسية، بإشراف وزراء الداخلية، وعمل على تنفيذ مصالح الحزب الحاكم وعلى منع المعارضين من تولي مناصب مهمة. وفي 25 يناير، كانت "قوات الأمن المركزي" أشرس من اصطدم بالجمهور الثائر.

أما في ليبيا فكان الوضع كارثياً. شكّل النظام قوات بديلة من المؤسسة العسكرية لتؤدي مهمة الحفاظ عليه كـ"اللجان الثورية" و"الكتائب الأمنية" التي لم تكن أكثر من ميليشيات قبلية.

وفي اليمن، كانت الخصوصية اليمنية تتمثل بتداخل الصلاحيات إلى حد التطابق أحياناً بين جهازي "الأمن السياسي" و"الأمن القومي"، هذين الجهازين المسيّسين بشكل كبير واللذين يحظيان بامتيازات كثيرة. وكان كلّ مِن "الأمن العام" و"الأمن المركزي" و"الحرس الجمهوري" يمتلك وحدات مكافحة إرهاب ما يدلّ على حالة الفوضى الأمنية الكبيرة. لم يمارس أحد رقابة حقيقية على الأجهزة الأمنية اليمنية فكانت تَرتكب انتهاكات من دون حسيب وكان معظمها يرتبط مباشرة برئيس الجمهورية ولا يرتبط بأحد غيره.

اللحظة الفائتة

بعد سقوط الأنظمة السابقة في دول "الربيع العربي" كانت الفرصة مؤاتية لخوض غمار ملف إصلاح قطاع الأمن الشائك. بنظر المواطنين، تمثل الأجهزة الأمنية الدولة وبالتالي تنعكس علاقتهم بهذه الأجهزة على علاقتهم بالدولة وعلى ثقتهم بها.

كل الشعوب العربية كانت مدركة لشذوذ وضعية أجهزتها الأمنية وأنه ينبغي أن تتغيّر بشكل كبير لكي تتحوّل الدولة إلى الديمقراطية. فأي برنامج للعدالة الانتقالية لا بدّ أن يتضمّن تعزيز سيادة القانون وهذا لا يتمّ إلا بتوكيل الأجهزة الأمنية بمهمة الحفاظ على الاستقرار على أن يخضع عملها للمساءلة ويحترم المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

كان يجب، قبل أي أمر آخر، أن تتفق القوى الثورية على إستراتيجية وطنية لإصلاح قطاع الأمن بطريقة شاملة تتناسب مع برامج الإصلاح الوطنية الأخرى. وهذا كان يجب أن يتم من خلال حوار مجتمعي لا يقصي أحداً وتُشارك فيه السلطة والأجهزة نفسها والقوى السياسية والمجتمع المدني والفئات الضعيفة والمهمّشة وذلك بهدف الاتفاق على كيفية إصلاح أو إعادة بناء الأجهزة الأمنية بشكل يعزّز علاقتها الإيجابية بالمواطنين ويخلق آليات رقابة ديمقراطية (برلمانية، مدنية، مؤسسات وطنية لحقوق الإنسان) على عملها للتأكد من احترامها لمعايير حقوق الإنسان.

ماذا أنجز الربيع؟

لم يتمّ وضع ملف إصلاح قطاع الأمن على رأس الأولويات في أيّ من دول "الربيع العربي". بعد سقوط الأنظمة السابقة سرعان ما سارت كل الملفات على إيقاع الصراعات السياسية التي طبعت مرحلة ما بعد الثورة.

أدرك التونسيون أهمية إصلاح قطاع الأمن. في كلمة ألقاها أمام مجلس وزراء الداخلية العرب، في مارس 2012، دعا الرئيس التونسي المؤقت المنصف المرزوقي إلى "إصلاحات جذرية وسريعة وحقيقية"، وإلا "فإنها الثورة بكل تداعياتها"، آملاً أن "تكون المؤسسات الأمنية جزءاً من هذه الإصلاحات". وبُعيد سقوط الرئيس السابق زين العابدين بن علي، طرد وزير الداخلية في الحكومة المؤقتة فرحات الراجحي 42 مسؤولاً رفيعاً من الوزارة، وحلّ البوليس السياسي ودمجه بالشرطة العادية. ولكن خطواته هذه لقيت مقاومة المتضررين من الإصلاح. وزير الداخلية الذي خلفه أعدّ كتاباً أبيض حمل عنوان "الأمن والتنمية: نحو الأمن في خدمة الديمقراطية"، وتضمّن خارطة طريق لإصلاح الشرطة ولكن لم تعمل حكومة حركة النهضة بمضمونه ولم تصرّ المعارضة على تطبيقه. خروجه من جدول أعمال التونسيين أشار إلى ميل القوى السياسية منذ البداية إلى اسقطاب القوى الأمنية إلى صفّها، على طريقة النظام القديم. لعلّ هذا يفسّر فشل وزير الداخلية علي العريض في عزل المسؤولين المقربين من النظام السابق.

وفي مصر، اتُخذت إجراءات عدّة، في عهد الإخوان، أهمّها إقرار قانون جديد ينظم هيئة الشرطة. وأُجريت تغييرات في مناصب أمنية عدّة، وهذا ما أدى إلى اتهام الحكومة بأنها تسعى إلى "أخونة" مصر. وبعد عزل الرئيس محمد مرسي، راحت القبضة الأمنية تشتد من جديد على عكس ما كان يجب أن يحصل. يكفي أن ننتبه إلى أنه لم تتم محاكمة الضباط المتهمين بقتل المتظاهرين لفهم الحال في مصر.

أما في ليبيا، فلم يحدث شيء إلا مزيد من الفوضى الناتجة من دمج الميليشيات في الأجهزة الأمنية.

وفي اليمن، اتفق اليمنيون على إعادة هيكلة القطاع الأمني في اتفاق السلام المنجز عام 2011، ولكن كل ما حصل هو إقالة بعض المسؤولين الأمنيين المقربين من الرئيس السابق علي عبد الله صالح، واستبدالهم بأشخاص يمحضون القوى السياسية الجديدة الولاء. في هاتين الدولتين لم يكن متوفراً الحد الأدنى الذي يمكن الإنطلاق منه. كان ينبغي تأسيس أجهزة أمنية من جديد.

لماذا فشل العرب؟

السبب الرئيسي وراء الفشل في إصلاح قطاع الأمن يعود إلى تصورات القوى الفاعلة لعلاقة السلطة بالمواطن. يغيب مفهوم السلطة التي ينبغي أن يكون عملها خدمة المواطن. فالسلطة في نظر العرب لا تعني أكثر من الغلبة والغلبة تبرّر الانتهاكات أو على الأقل لا تجعل منها قضية أساسية يجب التصدّي لها. فإصلاح قطاع الأمن ليس مسألة معزولة. هو جزء من مفهوم الإصلاح الشامل والتحوّل الديمقراطي. الفشل فيه يعكس الفشل على الصعد الأخرى.

من الطبيعي أن تقاوم الأجهزة الأمنية عملية إصلاحها كونه يعني تجريد المتنفذين فيها من امتيازات كثيرة وتحويلهم إلى مجرّد موظفين في خدمة الشعب. لتحقيق أي إصلاح على هذا الصعيد كان ينبغي أن تتوحّد كلّ القوى المدنية وراء هذا الهدف وتُعليه على أي صراع بينها. ولكن سرعة تحول الأوضاع السياسية في دول الربيع العربي إلى صراع بين الإسلاميين والمدنيين عرقل إمكانية أي جهد مشترك. كل من المعسكرين لم يمانع في إبقاء امتيازات الأجهزة الأمنية، ولو أنها تأتي على حساب كرامة المواطنين، لا بل لم يمانع، في بعض الحالات، في زيادتها، وذلك في سبيل استمالتها إلى جانبه. الصراع على الأجهزة الأمنية أعاد إليها هامش حركة واسع منع إصلاحها.

في تقاريرها ذات الصلة، تركّز الأمم المتحدة على ضرورة "وضع (الدول) رؤية وطنية واسعة النطاق بشأن إصلاح قطاع الأمن، مسترشدة في ذلك بحاجات السكان وتطلعاتهم. وينبغي... اتباع نهج شامل وتشاركي يتسم بالشفافية تجاه إصلاح قطاع الأمن، على أساس عملية حوار شامل". كل من هذه المرادفات غريبة على المجتمعات العربية. لا تزال الرؤية القديمة هي السائدة: الأجهزة الأمنية هي مؤسسات قمعية يحق لها أن تفعل ما تشاء ما دام عملها يخدم مصلحة السلطة.

التعليقات

المقال التالي