الصراع الديني على المسجد الأقصى

الصراع الديني على المسجد الأقصى

شهدت الأوضاع في مدينة القدس، خلال الأيام الأخيرة، تصعيداً خطيراً واشتدت المواجهات في المسجد الأقصى بين الفلسطينيين والجماعات الإسرائيلية المتطرفة بعد تكثيفها وتيرة اقتحاماتها اليومية للمسجد. هذه المواجهات دفعت القوات الإسرائيلية إلى إغلاق أبواب المسجد في وجه المصلين المسلمين للمرة الثانية منذ احتلال المدينة عام 1967، قبل أن تغيّر قرارها وتسمح بدخول من يتجاوز عمره الـ50 سنة.

صراع ديني على المسجد

يقع المسجد داخل البلدة القديمة لمدينة القدس فوق هضبة صغيرة تُسمّى "هضبة موريا". اسم "المسجد الأقصى" يُطلق على كل ما يقع حول السور القائم في أقصى الزاوية الجنوبية الشرقية من المدينة القديمة المسورة. تبلغ مساحته قرابة 144 ألف متر مربّع ويضمّ مسجد قبة الصخرةـ أعلى نقطة فيه وتقع في وسطه- والمسجد القبلي ومعالم عدّة أخرى يصل عددها إلى 200 مَعْلم.

المسجد الأقصى هو أكثر المعالم قدسيةً لدى المسلمين في العالم بعد الكعبة. يُقدّس اليهود أيضاً المكان نفسه، ويطلقون على ساحات المسجد الأقصى اسم "جبل الهيكل" نسبة إلى هيكل النبي سليمان. وتسعى المنظمات اليهودية المتطرفة إلى بناء الهيكل مكانه.

محاولة لطرد "السكان الأصليين"

قال الشيخ ناجح بكيرات، رئيس قسم المخطوطات والتراث في المسجد الأقصى، إنّ "المدينة تشهد تصعيداً إسرائيلياً خطيراً يستهدف المقدسات والوجود الفلسطيني فيها". في حديثه لرصيف22، حذّر الشيخ من أن المدينة تواجه مشروعاً احتلالياً خطيراً يستهدف ضمّ مساحات من أراضي الضفة الغربية المحتلة تحت ما يسمّى "القدس الكبرى"، بغرض فصل المدينة عن بعدَيْها الوطني والإسلامي. ورأى أن "الاحتلال يستغلّ موضوع الأعياد اليهودية الدينية لكي يرفع من وتيرة خطبه ومن وتيرة الإرهاب، في محاولة لسرقة هذا الإرث التاريخي للقدس وللمسجد الأقصى المبارك".

وأشار بكيرات إلى أن إسرائيل تسعى، من خلال إجراءاته القمعية ضد المصلين الفلسطينيين، إلى اقتلاع الجذور العربية والإسلامية للأقصى من جهة، ومن جهة أخرى، فرض واقع جديد من شأنه طرد السكان الأصليين الذين كانوا على مدار التاريخ وما زالوا يعيشون في هذه المدينة، وجلب سكان جدد من المستوطنين لا هوية لهم ولا انتماء سوى "البلطجة". وتالياً، اعتبر أنّ "ما يحدث من إدخال متطرفين يهود إلى الأقصى وضرب النساء والأطفال والشيوخ وإغلاق أبواب الأقصى والاعتداء على حرّاسه، ومحاولة الدخول في معركة غير متكافئة مع المواطنين العزل في القدس ليس إلا تمهيداً لتقسيم زماني ومكاني في المسجد الأقصى".

سعي إلى تقاسم الأقصى

أما النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي، الدكتور باسل غطاس، فأكد في حديث لرصيف22 أنّ "المسجد الأقصى يمرّ هذه الأيام في أقسى وأصعب مرحلة في تاريخه ويتعرّض لأخطر مخططات منذ احتلال إسرائيل لمدينة القدس عام 1967". ولفت إلى "أنّ أركان الحكومة الإسرائيلية اليمينية وأحزاب اليمين الديني وخاصة المتدينين الاستيطانيين في إسرائيل يشعرون بأن الفرصة مؤاتية الآن أكثر من أي وقت مضى بسبب حالة الانقسام والتشرذم في العالم العربي بغية تغيير الوضع القائم في أقدس بقعة من هذه الأرض المقدسة وتحويل الأقصى مصلّى يهودياً".

وفي رأي غطاس "أن الجماعات اليهودية المتطرفة تتذرّع بالأعياد اليهودية لاقتحام الأقصى والصعود إلى قبة الصخرة واستفزاز الفلسطينيين في حين تقوم قوات الشرطة والأمن الإسرائيلية بتدنيسه وإلقاء قنابل الصوت والغاز والرصاص على المصلين ومنعهم من الوصول إليه للصلاة". ورأى "أن هذه الساعة هي التي يجب أن يقف فيها الشعب الفلسطيني موحّداً بجميع طوائفه للدفاع عن الأقصى".

وتحدث غطاس عن محاولات مستمرة لليمين الحاكم في إسرائيل تهدف إلى تغيير الوضع في المسجد الأقصى، "ليزيد رقعة سيطرته على الأماكن المقدسة في القدس واضعاً لنفسه هدف تقاسم المكان للصلاة والعبادة، على نحو يشبه الوضع في الحرم الإبراهيمي في الخليل"، جنوب الضفة الغربية، الذي تقاسمه المسلمون واليهود عقب مجزرة ارتكبها متطرف يهودي يدعى باروخ غولدشتاين في 25 فبراير 1994، حين أطلق النار على المصلين في المسجد الإبراهيمي فجر يوم جمعة من شهر رمضان، وقتل 29 منهم وجرح 150 قبل أن ينقضّ عليه مصلّون آخرون ويقتلوه.

واعتبر النائب العربي في الكنيست أن هذا التمادي ضد الأقصى هو "جزء من المخطط لتهويد القدس ولإضعافها وتهميشها" وأن "الطريق للدفاع عن الأقصى هو نفسه الطريق للدفاع عن القدس"، وهذا لا يتم إلا بتمكين أهلها واقتصادها وبدعم الوجود العربي والبناء المؤسساتي فيها. من هذا المنطلق، أشار إلى "ضرورة حشد كلّ طاقات الشعب الفلسطيني بما فيه الجزء الذي يعيش في داخل "أراضي 48" لدعم القدس وللدفاع عن الأقصى".

الأقصى" يُحرق كل يوم"

وقال الدكتور حنا عيسى الأمين العام للهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات لرصيف22، إنّ "المسجد الأقصى يُحرق كل يوم على يد قُطعان المستوطنين من خلال اقتحاماتهم المتكررة للمسجد بحماية الأذرع التنفيذية لدولة الاحتلال إذ يقومون بتدنيسه ويعيثون فيه فساداً".

وأكّد عيسى أنّ المسجد الأقصى "مرّ ولا يزال يمرّ بالعديد من الويلات والمآسي منذ احتلال مدينة القدس عام 1967 حتى اليوم". وتحدث عن مخططات هدفها الأول والأخير الاستيلاء على المسجد وقال: "انطلقت هذه المخططات مع بسط سيطرة القوات الإسرائيلية على حائط البراق، وبدء تنفيذ مشاريع الحفريات التي تهدد بانهيار أساسات المسجد الأقصى ثم بزيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق أرييل شارون للحرم وهي الزيارة التي فجرت انتفاضة الأقصى نهاية سبتمبر 2000، وكان هدفها الأول تثبيت حق اليهود في "جبل الهيكل". فبعد يومين من هذه الزيارة، طالب الرئيس الإسرائيلي موشيه كتساف باقتسام المسجد الأقصى.

إلا أن الوضع لم يتوقّف عند هذا الحدّ. يعدّد عيسى التقييدات التي فرضت على الفلسطينيين. فقد وُضعت قيود على دخول المسجد الأقصى، وتم تحديد الفئة العمرية المسموح لها بالدخول إليه أيام الجمعة. كما أصدرت اسرائيل أوامر إبعاد بحق شباب مقدسيين وموظفين تابعين للأوقاف وقسّمت المسجد زمانياً بين اليهود والمسلمين ومنعت رفع الآذان ومنعت الأطفال من الدخول إليه. هذا عدا عن الاقتحامات اليومية التي تقوم بها المجموعات الاستيطانية وأجهزة المخابرات والجنود وأعضاء الكنيست المتطرفين ووزراء.

كلّ هذه الاجراءات تؤكّد أنّ الهجوم على المسجد الأقصى يحظى بإجماع الأوساط الإسرائيلية الرسمية ولا يقتصر على الأوساط المتطرفة. سبق أن أطلق مؤسس إسرائيل وأول رؤساء حكوماتها دافيد بن غوريون مقولته الشهيرة: "لا معنى لإسرائيل من دون القدس ولا معنى للقدس من دون الهيكل".

أمام هذه المخاطر، يؤكد الأمين العام للهيئة الإسلامية المسيحية "أن الخطر المحدق اليوم بالمسجد الأقصى يحتمّ إنشاء هيئة دولية تتضافر فيها جهود الدول العربية والإسلامية من أجل درء هذا الخطر والتصدّي له".

تاريخ الصراع الديني على المسجد الأقصى - إنفوجرافيك

التعليقات

المقال التالي