طلاب الإخوان يعودون إلى مواجهة أمن الجامعات

طلاب الإخوان يعودون إلى مواجهة أمن الجامعات

الاشتباكات التي تدور بين أمن الجامعات المصرية والطلاب المنتمين إلى الإخوان المسلمين ليست الفصل الأول من تاريخ العلاقة بين الطرفين. ولكن هذا الفصل يمتاز بأنه عنيف ودموي على النقيض من الفصول السابقة التي تتالت منذ إطلاق السادات للحريات بعد انتصار أكتوبر وصولاً إلى الإطاحة بمرسي العام الماضي.

اعلان


العصر الذهبي لطلبة الإخوان

يرى الإسلاميون أن فترة رئاسة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات هي الفترة "الذهبية" للجماعات الإسلامية. يرجعون ذلك إلى قرار الرئيس إعطاء مساحة للجميع، ويعترفون أن الإسلاميين هم أكثر من استفاد من هامش الحريات الممنوح آنذاك بعد سنوات من قمعهم أثناء حقبة الرئيس جمال عبد الناصر.

في المقابل، ترى التيارات العلمانية واليسارية أن السادات استعان بالإخوان للإطاحة بالناصريين واليساريين ولإلهاء المجتمع بشعارات بعيدة عن الواقع ما يريح السلطة ويخفف من المطالبات الشعبية الجدية.

تأثرت مصر آنذاك بما كان يجري في العالم. انعكس الصراع بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي على الحياة السياسية داخل الدول العربية. فانتشرت ظاهرة التحول من اليسار إلى اليمين ممثّلاً بالجماعات الإسلامية في وقت مبكّر. كان مفكّر الإخوان سيد قطب يسارياً قبل أن يتأخْون، والقيادي خيرت الشاطر بدأ حياته السياسية كناشط علماني.

في ظلّ هذه الظروف التي شهدت تواطؤاً ضمنيّاً بين الحكومة المقربة من أمريكا وبين الإخوان لمواجهة اليسار، استغل طلاب الإخوان الحريات الممنوحة من الرئيس المصري أنور السادات وأسسوا حالة قوية داخل الجامعات.

ياسر حمزة، وهو دكتور متخصص في القانون الدستوري والشريعة الإسلامية وباحث حقوقي وعضو سابق في حزب "الحرية والعدالة"، يقول لرصيف22 إن هناك عوامل أخرى لانتشار الإخوان بين طلاب الجامعة في عصر السادات، أهمها سياسات الاتحاد السوفياتي في أفغانستان التي قللت من شعبية اليسار. ويلفت حمزة إلى أن "البعد الديني الذي أضفته المملكة السعودية على الحرب ضد الاتحاد السوفياتي أعطى زخماً للتيارات الإسلامية داخل الجامعات".

من الأمور اللافتة أن استعراض الأفكار التي كتبتها قيادات الإخوان في مذكراتهم، كمحمد مهدي عاكف وعبد المنعم أبو الفتوح، والتي تطرقت إلى نشاط الجماعة الكبير في الجامعات المصرية، يظهر لنا أنهم تجاهلوا قضايا الحقوق والحريات ولم يتحدثوا عن الأمن ومضايقاته أو عن الديمقراطية الشكلية التي تبناها السادات، بل ركّزوا على انتقاد اليسار العلماني المعارض وكيف كان الطلاب اليساريون يقيمون جلسات السكر والعربدة ويبثّون بين الناس أفكاراً "كافرة وملحدة".

في عهد السادات، استبدل الإخوان أعداءهم من جنرالات الجيش وهم كانوا الحكّام الفعليين إلى نخبة اليسار المعارض والقريب من فكر الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر. يؤكد ياسر حمزة أن "الأنظمة الحاكمة في مصر استفادت كثيراً من الانقسامات بين المعارضين".

الأمن في عهد مبارك

في عهد الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، كانت شعارات الإخوان بعيدة كل البعد عن مشاكل البلاد الحقيقية. رغم الفساد الذي كان يُغرق مصر حتى أذنيها، وانتهاكات أمن الدولة لحقوق المواطنين، وبروز رجال أعمال طفيليين استفادوا من الفساد، رفع طلاب الإخوان شعارات مثل: "لا شرقية ولا غربية إسلامية إسلامية"، "خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود"، وهي شعارات توضح تأثرهم آنذاك بالثورة الإسلامية في إيران. كان طلابهم يركزون على نقاشات من مثل الحجاب أم السفور.

مبارك كان حريصاً على الشكل العلماني للدولة وكان يستفيد من أن معارضيه هم من الإسلاميين لتبرير سياساته القمعية في مواجهة كل ألوان المعارضة. سمح للإخوان بالتضخم داخل الجامعات. في مواجهته، لم ينجح الإخوان في تفكيك منظومة النظام الحاكم. أسسوا خطابهم على الربط بين العلمانية والفساد، وبين انتهاكات أمن الدولة وكراهية الإسلام، وبين المهانة القومية الناتجة من وضع فلسطين وغياب الخلاقة الإسلامية. تم الحفاظ على الخطوط الحمراء داخل الحراك الطلابي، فلم ينادِ أحد بإسقاط النظام، ولم تظهر المعاداة للنزعة البوليسية العسكرية في إدارة البلاد.

ساعدت الصبغة الدينية التي أضفاها الإخوان على حراكهم السياسي في تشتيت الحركة الطلابية وإبعادها عن مشاكل البلاد الحقيقية. توجهوا إلى الناس بالقول إن قيم الإسلام تحارب فساد الدولة والرشاوى وتحقق النمو الاقتصادي. وتقرّبوا من المصريين من خلال تقديمهم خدمات طبية بأجور زهيدة تنافس مستشفيات الدولة المتهالكة. هكذا انتشرت جماعة الإخوان بين الشباب وخاصة في الأقاليم البعيدة عن القاهرة والإسكندرية، حيث المجتمع أكثر محافظة وأكثر تعلقاً بالدين.

الصدام بين الأمن والإخوان في عهد مبارك

يقول ياسر حمزة لرصيف22 إن "الجهاز الأمني في عهد السادات ومبارك كانت له رؤية سياسية تمنع الصدام المتكرر والمباشر مع طلبة الجامعات. وهذه أحد أسباب استمرار مبارك في الحكم". ولكن الطلاب الذين كانوا ينتمون إلى مجموعات يسارية يؤكدون أن الأمن لم يكن يشتبك في عهد مبارك إلا معهم، وأن الإخوان كانوا ينسحبون فور وصول الأمن. هذا ما ترويه لرصيف22 رانيا عوض، الفنانة التشكيلية والناقدة الفنية التي كانت في بداية العقد الماضي ناشطة في إحدى الحركات الطلابية اليسارية.

وعندما سألنا حمزة عن اصطدام الأمن في الجامعات خلال عهد مبارك بشكل قوي مع تيارات اليسار أكثر من اصطدامه مع الإخوان المسلمين، قال: "لقد تبنّت الجماعة إستراتيجية عدم الاحتكاك بقوات الأمن، على النقيض من بعض التيارات اليسارية التي كانت تتعمّد الصدام مع الأمن".

القبضة الحديدية للسيسي

في أواخر العقد الماضي برزت حركة شبابية، هي حركة طلاب 6 إبريل، وطرحت مطالب تجاوزت الخطوط الحمراء. فقد حمل هؤلاء الطلاب نزعة معادية لعسكرة الدولة، وبوليسيتها. وبعد الثورة، وفي ظل حكم المجلس العسكري، شهدت الجامعات المصرية تحركات طلابية تندّد بحكم العسكر كنتيجة للمناخ السياسي الذي كان سائداً خارج الجامعات. لم يشارك طلاب الإخوان في تلك التحركات ما أضعف علاقتهم بباقي الحركات الشبابية.

خلال فترة حكم الرئيس المخلوع محمد مرسي، والتي كانت قصيرة، كان الرافضون للعسكرة هم معارضي الإخوان كون الحركة كانت تتحكم بالمؤسسات السياسية المصرية.

مع قدوم السيسي اختلف الوضع. استخدم الرئيس الحالي إستراتيجية مختلفة عمن سبقوه، فهو الرئيس الوحيد الذي لم يستعن بأطراف أخرى لضرب الإخوان. بالغ السيسي في عسكرة الدولة وفي اتخاذ إجراءات تجمع السلطات كلها في يده، مما ساعد على نفور الحركات الشبابية من أساليبه في الحكم. لم تعد صورة الرئيس حامي الدولة المدنية نافعة، لذلك استخدم "يداً حديدية" تمثلت بوضع أمن الجامعات في مواجهة طلاب الإخوان.

وحين ثارت الاعتراضات على دخول الأمن إلى الجامعات، أوكل مهمة حفظ  الأمن إلى شركة "فالكون" البريطانية التي يرأس فرعها رجل استخبارات سابق، وذلك بهدف إرضاء بعض الأصوات المعترضة وبهدف التعامل بشكل احترافي مع تظاهرات الإخوان. هكذا انطلق العام الدراسي الحالي على إيقاع اشتباكات دورية في هذه الجامعة أو في تلك. يقول ياسر حمزة إن عدد الطلاب ضحايا الإجراءات الأمنية الأخيرة في جامعة القاهرة يفوق عدد الطلاب الضحايا الذين سقطوا منذ إنشاء الجامعة حتى الإطاحة بمرسي.

المواجهات مرشّحة للاستمرار ولا حلّ إلا بالتوصّل إلى تسوية ترضي في الوقت نفسه النخبة الحاكمة من جنرالات الجيش ورجال الأعمال، والإخوان المسلمين وتقبل بها المجموعات الشبابية الناشطة.

التعليقات

المقال التالي