لماذا لا يستنكر العرب جرائم العرب؟

لماذا لا يستنكر العرب جرائم العرب؟

يكثر الحديث في هذه الأيام عن كوباني (عين العرب). يندر أن يتابع المشاهد قناة تلفزيونية أو يتصفح جريدة الإكترونية دون أن تقع عيناه على خبر أو تحليل عن هذه المدينة الكردية الصغيرة. أضحت كوباني محط اهتمام وسائل الإعلام العالمية، واستطراداً وسائل الاعلام العربية، لكنها لم تحظ حتى الآن بنصيب من اهتمام الشارع العربي يوازي حجم الحدث.

حين تقوم إسرائيل بقصف غزة وهدم بيوتها على رؤوس الأطفال والنساء فإنه من المنطقي، بحكم الروابط القومية والدينية وبحكم المبادئ الإنسانية، أن نرى الشارع العربي يهتز بالاحتجاجات والغضب. من وجهة نظر أعم وأشمل، هناك أمة تريد أن تقمع أمة أخرى وتستولي على أرضها وتمحو هويتها، وهذا ما يستدعي المقاومة بكل الوسائل المشروعة من كل مَن يؤمن بالثوابت الإنسانية للحرية والكرامة والمساواة. إذا ما أخذنا هذا المقياس وطبقناه على كوباني سنرى أن القضيتين  متشابهتان. ومع ذلك، نلاحظ صمتاً جماهيرياً وبرودة في التعامل مع مأساة الكرد على مستوى الشارع العربي. هل لأن كل شارع عربي، من اليمن إلى تونس، لديه مشاكله الخاصة التي تلهيه عن أحوال غيره؟ أم لأن الضحايا ينتسبون إلى قومية أخرى ينظر لها الكثير من العرب بعين الشك المغلفة بنظرية المؤامرة؟ أم أن العرب يستكثرون أن يكون سواهم في موقع الضحية؟

المدوّنة المصرية نيرفانا محمود، في حديث مع "بي بي سي" BBC تؤكد أن العرب لديهم سجل سيىء في التعامل مع الأقليات في بلادهم. تلفت إلى أن "الاعتراف بالخطأ يُعدّ علامة ضعف في التفكير العربي بينما أراه أنا علامة قوة".

تستطرد المدوّنة المصرية لتقول إن "داعش" تفهم التفكير العربي تماماً ولهذا تنجح في تجنيد الشباب العرب مطمئنة إلى أن الشارع العربي لن يتحرك ضد وحشية ما تقوم به كونه أسيراً لنظريات المؤامرة. حديث نيرفانا يسلط الضوء على ما يمكن تسميته ضعفاً في الرؤية وخللاً في التشخيص في الوعي العربي الجمعي. فحين نتعرض نحن لاعتداءات من قبل الغرب أو الاحتلال الاسرائيلي ينفجر كل مخزون الشفقة على النفس والاحساس بأنها ضحية مؤامرة. يظهر غضبنا في أحاديثنا اليومية وفي المقالات الصحافية والبرامج الحوارية وفي التظاهرات التي تجوب شوارع العالم العربي. أما إذا تعرض غيرنا من أبناء القوميات التي تساكننا الشرق الأوسط لشيء شبيه فإن شعورنا بحالها يكاد يكون معدوماً، وخاصةً إذا كان للعرب نصيب من اللوم في ما يحدث.

"داعش" نتاج عربي شئنا الاعتراف بهذا أم أبينا. جل من يقاتل في صفوف هذا التنظيم هم من العرب، قياداته عربية، تمويله عربي وحواضنه على الأرض عربية. ربما لهذه الأسباب لا نودّ أن نلتفت إلى معاناة الآخرين. لا نريد أن تفتح "داعش" أعيننا على أخطائنا. نعم "داعش" قتلت الكثيرين من العرب أيضاً تحت دعاوى الجهاد والتكفير، ولكن استهداف المكوّنات الأخرى كان يستدعي منا كشارع عربي وكمثقفين وقفة أكثر صرامة وصيحة أعلى نبرة تعبّر عن إحساسنا بمسؤولية لا نريد أن نراها، وعن فشل لا نود الاعتراف به.

نحن لم نفشل في عمل هذا فحسب بل بدأ بعضنا باستنكار حتى آلام الآخرين وصيحات ألمهم. حين انهارت النائبة العراقية الإيزيدية فيان الدخيل باكية في مجلس النواب العراقي بعد حملة القتل والسبي والتشريد للإيزيديين في العراق تجاوبت معها وسائل الإعلام العالمي ملقية الضوء على مأساة الإيزيديين الهائمين على وجوههم في الجبال خوفاً من الموت، فيما انبرت بعض الأقلام العربية للسخرية من دموعها ووصمها بالطائفية. كذلك الحال مع معركة كوباني. راحت أقلام عربية تقلل من أهمية مأساة الكرد بالمقارنة مع ما يحدث في المسجد الأقصى، وكأن الاهتمام بكوباني أمر مخلّ بالوطنية وقادح في الالتزام بتحرير الأقصى.

"داعش" هو الابن الذي لا يزال الكثيرون في العالم العربي يتنكّرون لنسبه العربي ويلقون الاتهامات، بلا دليل، على الغرب واسرائيل في صنعه. يستهدف هذا التنظيم، وبشوفينية واضحة، أقواماً آخرين من غير العرب وبأجندات عنصرية لا تخطئها العين. تؤكد نيرفانا محمود هذا المعنى حين تقول إنها تشعر بالصدمة من إصرار عدد من المثقفين العرب وحملة الأقلام الصحافية على اتهام اسرائيل والغرب بصناعة "داعش" دونما أي التفات إلى مسؤولية العرب المباشرة عن استدعاء التاريخ إلى معارك القرن الواحد والعشرين.

ربما يكون هذا أحد أسباب تجاهل الشارع العربي لما يحصل بحق الأقليات على يد "داعش". فحين يتحول الصراع السياسي إلى مشهد مبارزة بين القرن السابع والقرن الحادي والعشرين فإنه سيستدعي، بالضرورة، كل ما في التاريخ من بدائية الفكر ووحشية الوسيلة، ليحقق الإنسان مهمته المقدسة في القضاء على الآخر.

"الشوفينية الدينية التي نراها الآن هي امتداد للشوفينية القومية التي طبعت الأنظمة القومية في عالمنا العربي"، يقول عبد القادر رشيد، الأستاذ العراقي الكردي في اللغويات لرصيف 22. يفسر رشيد هذا الاستهداف العرقي، على الرغم من شعارات الخلافة الدينية التي تحملها "داعش"، بكون العديد من قيادات هذا التنظيم هم ممن خدموا في نظام صدام حسين قديماً وتشربوا فكره العنصري تجاه الكرد. "عندما بدأ صدام حسين حملته الإيمانية بعد حرب الخليج الثانية انتقلنا من تطرف قومي إلى تطرف ديني، وهذه هي النتائج التي نراها الآن بعد أن تفاعل هذا الفكر مع معطيات الواقع العربي الجديدة وأنتج لنا تطرفاً دينياً ذا جذور قومية"، يؤكد رشيد. في إجابته، يوسّع أستاذ اللغويات نطاق تحليله ليؤكد أن العرب لا يحترمون الأقليات ولا يعطونها حقوقها بدءً بالأمازيغ في المغرب العربي وانتهاءً بالكرد والإيزيديين في المشرق. ربما تكون إحدى أخطر نتائج هذه النظرة الإقصائية للغير هي بروز تطرف قومي كردي مقابل لهذا السلوك العربي.

هناك علاقة أخوة تاريخية- جغرافية بين العرب والقوميات الأخرى التي تشاركهم العيش في الشرق الأوسط. ولأن "داعش" أضحت بمثابة جرس إنذار لمن يريد أن يسمع فعلينا أن نتنبه إلى أن مقاومة مدّ الهمجية التاريخية لن يكون إلا بالتمسك بثوابت المبادئ الإنسانية التي رسّختها البشرية في عصرنا الحالي بعد سنين طويلة من الدماء والحروب.

إذا كنا نشعر بالامتنان لكل من يقف معنا في وجه الهجمات الإسرائيلية على أهلنا في فلسطين، فعلينا أن نضع أنفسنا مكان هذه "الشعوب المحبة للسلام والداعمة للحق" ونفعل الشيء ذاته مع من يعانون من نتائج أخطائنا. فلا نجاة للمرء إن أغلق عينيه عن النار الناشبة في بيت جاره.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي