هل تتحالف أمريكا مع الأكراد ضد تركيا؟

هل تتحالف أمريكا مع الأكراد ضد تركيا؟

"العالم، وجميعنا، سنشعر بأسف شديد إذا تمكن تنظيم الدولة الإسلامية من السيطرة على مدينة تدافع عن نفسها بشجاعة"، قال الموفد الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي ميستورا Staffan de Mistura. "الجميع يعتبرون ما يحدث في كوباني أمراً مرعباً"، اعتبرت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية جين بساكي Jen Psaki. "إدارة ظهرنا لمجتمع يقاتل الدولة الإسلامية أمر غير مسؤول، كما أنه صعب أخلاقياً"، أعلن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري John Kerry. صارت معاناة كوباني (عين العرب) الحدث الأبرز في الشرق الأوسط. ربّما لأن تعقيداتها هي انعكاس لتعقيدات السياسة في هذه البقعة من العالم.

في العاشر من سبتمبر الماضي تم الإعلان عن تشكيل غرفة عمليات "بركان الفرات"، التي تجمع كتائب تابعة للجيش الحرّ وكتائب تابعة لـ"وحدات حماية الشعب" و"وحدات حماية المرأة" الكردية. خرج الإعلان في زحمة الحديث عن التحالف الدولي ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) وفي ظل بحث العالم عن مقاتلين سوريين معتدلين. لم تمرّ أيّام قليلة على هذا الإعلان حتى شنّ تنظيم داعش، في 16 سبتمبر، هجوماً على مدينة كوباني السورية. تتوسّط هذه المدينة الواقعة على الحدود مع تركيا منطقة "روج آفا"، أي غرب كردستان. احتلالها سيعني تقسيم هذه المنطقة وعزل "وحدات حماية الشعب" المنتشرة ناحية عفرين عن تلك المنتشرة ناحية الحسكة، مع ما يعنيه ذلك من إضعاف لقوة أكراد سوريا العسكرية.

تركيا: الأكراد إرهابيون

حين اضطرت القوى الإقليمية إلى الإعراب بصراحة عن نيّاتها، مع فتح النقاش الدولي الجدّي حول كيفية التدخّل في الأزمة الممتدة من سوريا إلى العراق، ظهرت الطموحات التركية إلى العلن. يريد حزب العدالة والتنمية الحاكم إقامة مجموعة مناطق عازلة داخل الأراضي السورية الواقعة على حدود تركيا مع حظر للطيران السوري فوقها. ويرغب في السيطرة على نشاط المعارضة السورية المسلّحة وتوجيهها نحو هدف إسقاط النظام السوري وفقاً للأجندة التركية.

منذ بداية الثورة السورية والأتراك ينظرون بارتياب إلى عمل "حزب الاتحاد الديمقراطي"، أكبر الأحزاب الكردية السورية، على بناء منظومة إدارة ذاتية. دعمت تركيا "المجلس الوطني السوري" ثم دعمت "الائتلاف الوطني السوري"، ولكن "حزب الاتحاد الديموقراطي" قرّر الالتحاق بصفوف "هيئة التنسيق الوطنية". في رأي وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، يهدف حزب الاتحاد الديموقراطي "مثل داعش إلى السيطرة على منطقة محددة من سوريا، وهذا ما نعتبره تهديداً لمستقبل سوريا ولتأسيس الديموقراطية فيها". في ذروة هجوم داعش على كوباني، استقبل المسؤولون الأتراك رئيس حزب "الاتحاد الديموقراطي الكردي" صالح مسلم واشترطوا عليه لمساعدته التخلّي عن المطالبة بحكم ذاتي للمناطق الكردية السورية وقطع علاقاته بالنظام السوري.

إلى الحسابات المرتبطة بسوريا، يقلق الأتراك من تقارب أكبر أحزاب أكراد سوريا مع حزب العمال الكردستاني. فهما إلى حد بعيد حزب واحد في دولتين. لذلك يمتنعون عن القيام بأيّة خطوة عملية لا بل يعرقلون عمل من يريد القيام بخطوات لمساعدة المقاتلين الأكراد. الترابط الذي يقلق الأتراك ظهر بوضوح في الصدامات التي حصلت في ديار بكر وماردين وفان بين المتظاهرين الأكراد الأتراك المتضامنين مع أولاد عمهم السوريين وبين قوات الأمن التركية.

الكلام الديبلوماسي التركي حوّله الرئيس رجب طيّب أردوغان إلى لغة واضحة وفجّة: "إن حزب الاتحاد الديموقراطي هو بالنسبة لنا إرهابي مثل حزب العمال الكردستاني. ولا يمكن أن ينتظر أحد تقديم الدعم له". جديد الأزمة السورية قد يؤدي إلى انهيار تفاهمات السلطة التركية مع زعيم أكراد تركيا عبد الله أوجلان. قصف المقاتلات التركية مواقع لمقاتلي "حزب العمال الكردستاني" قبل عشرة أيام كان دليلاً على التوتر المستجدّ.

صراع أولاد العمّ

بعد أخذ وردّ، أعلن وزير الخارجية التركي عن محادثات تدور بين بلاده وبين أربيل وتهدف إلى السماح لمقاتلي البيشمركة الأكراد بعبور الحدود للتوجه إلى كوباني. فالطريق إلى كوباني يجب أن تمر بتركيا لأن داعش تقطع طرق التواصل بين أولاد العم. منذ بداية الأزمة وأكراد العراق يطالبون بذلك. لا تزيد مطالباتهم هذه عن كونها نوعاً من رفع العتب وإلقاءً لكرة النار في الملعب التركي لأنهم ببساطة، يستطيعون شنّ هجوم على المناطق التي تسيطر عليها داعش وتفصلهم عن كوباني. أيضاً، هم مشغولون بالمعارك الجارية على الأراضي العراقية وقبل فترة، حين اجتاحت داعش قضاء شنكال (سنجار) تدفق مقاتلون أكراد سوريون وأتراك لنجدة البيشمركة.

لا يمكن التغاضي عن الحسابات السياسية المرتبطة بالبيت الكردي الداخلي حين الحديث عن ترابط الساحات الكردية المختلفة. وكذلك لا يمكن التغاضي عن "صداقات" الأحزاب الكردية العراقية مع دول تتنافس على تحقيق مكاسب في العراق أو في سوريا.

في الرابع من سبتمبر الماضي، نشر موقع "رجا نيوز" التابع للحرس الثوري الإيراني، صورة للجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، لدى حضوره عملية فك الحصار عن مدينة آمرلي. شاركت في تلك العملية العسكرية قوات بيشمركة تابعة لـ"الاتحاد الوطني الكردستاني"، بزعامة جلال طالباني. بعدها بشهر، نشرت صحيفة "عصر إيران" صورة ثانية له مع عناصر بيشمركة بدون أن تحدد مكان وزمان التقاطها. قبلها كان قائد سلاح الجوفضاء في الحرس الثوري الايراني، العميد أمير علي حاجي زادة، قد أعلن أن قاسم سليماني استطاع مع 70 شخصاً فقط أن يوقف تقدم تنظيم داعش على أربيل. دعم إيران لأكراد العراق ليس سراً. رئيس إقليم كردستان العراق أكّد، في 26 أغسطس الماضي، أن إيران كانت سبّاقة إلى تزويد البيشمركة بالسلاح.

ولكن في السياسة، تتقارب إيران أكثر مع "الاتحاد الوطني الديمقراطي". بينما يرتبط "الحزب الديمقراطي الكردستاني" وزعيمه مسعود برزاني بعلاقات جيّدة مع تركيا ويحاول تنسيق خطواته معها ليتحوّل إلى الزعيم الأول لكل الأكراد. مع بدء تدفّق السلاح الغربي إلى أربيل، خرجت أصوات كردية تقول إن حزب البرزاني يستولي على معظم المساعدات. "السليمانية لم تحصل على رصاصة واحدة من الغرب"، قال عادل مراد رئيس المجلس المركزي للاتحاد. القيادية في الحزب نفسه، شاهناز ابراهيم احمد، أكّدت أن ملف المساعدات العسكرية للبيشمركة "يلفه الغموض كثيراً، فنحن لا نعرف إلى الآن الاسلحة التي وصلت إلى أربيل، وبالطبع لا نعرف الآليات التي استخدمت في توزيعها، وقوات البيشمركة التي تقاتل في مناطق كركوك وديالى (تابعة للاتحاد الوطني الديمقراطي) منذ شهور لم تتلق الدعم المطلوب". يخشى مناصرو الطالباني أن يؤدي غياب العدالة في توزيع السلاح إلى تغيّر موازين القوى في إقليم كردستان العراق.

صمود كوباني أحرج الجميع. البعض كان يتمنى سقوطها سريعاً بيد "داعش" لكي يُعفى من تهمة التقصير عن دعمها. مع تزايد الضغوط المعنوية على البيشمركة، راح قادتها تارةً يؤكدون نيتهم المشاركة في القتال وطوراً يؤكدون نيتهم مدّ المقاتلين في كوباني بالسلاح. ولكنهم كانوا يلقون اللوم على تركيا لتعذر مساندة المدينة السورية بدون المرور عبر أراضيها.

أخيراً، طرح البرزاني بجدية مع الأتراك مسألة إرسال مقاتلين من البيشمركة إلى كوباني. حتى تركيا صارت محرجة من عرقلتها للمساعي الهادفة إلى مساعدة المقاتلين المحاصرين. ربما ستلعب أنقرة ورقة موازنة نفوذ "قوات حماية الشعب" في منطقة "روج آفا" بقوات ستكون أقرب إلى "المجلس الوطني الكردي". هذا يرتبط بمقدار تدخل البيشمركة في سوريا، إن تدخّلت.

أكراد سوريا مقاتلون معتدلون

لم توافق أمريكا على الشروط التركية للمشاركة بفعالية في التحالف الدولي. في الأيام القليلة الماضية ظهرت إشارات كثيرة تدلّ على نوع من التقارب بين واشنطن وحزب الاتحاد الديمقراطي، أهمها إلقاء طائرات أمريكية أسلحة وذخيرة للمقاتلين في كوباني. على أقل تقدير، تريد أمريكا استمرار المقاومة في كوباني لاستنزاف داعش. ولكن المأزق الذي تواجهه يتمثل بإيجاد وسيلة لدعم أكراد سوريا دون إغضاب أنقرة. أصرّ المسؤولون الأمريكيون على وصف الأسلحة الملقاة للأكراد بأنها "أسلحة صغيرة" للتأكيد أنها لن تشكل خطراً على تركيا إن تسرّبت إلى حزب العمال الكردستاني. "إسقاط أسلحة للأكراد السوريين لا يمثّل تغييراً في السياسة الأمريكية"، قال وزير الخارجية الأمريكي جون كيري.

رغم ذلك، عبّر الأتراك عن انزعاجهم من هذه المساعدة. فبعد تأكيد وزارة الخارجية التركية أن مجال تركيا الجوي لم يستخدم في عمليات إسقاط الأسلحة الأمريكية في كوباني، وصف الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الخطوة بأنها قرار "خاطئ".

في ظل التعنّت التركي، قرّرت أمريكا التواصل مباشرة مع أكراد سوريا. في باريس، التقى الموفد الأمريكي الخاص إلى سوريا دانيال روبنشتاين Daniel Rubinstein بصالح مسلم حوالي العاشر من الشهر الجاري. "وحدات حماية الشعب" هي مرشح مثالي للعب دور المقاتل السوري المعارض المعتدل الذي تبحث عنه واشنطن. لذلك ترى أن مدّ صلات معهم قد تفيد كثيراً في المستقبل القريب. ولكن ليقبلوا بلعب هذا الدور سيطلبون ضمانات كثيرة من المعارضة السورية. وهذا أمر تحقيقه صعب. ولحماية هذه الضمانات سيطلبون أسلحة فتاكة وهذا سيثير جنون تركيا.

التعليقات

المقال التالي