أجواء الانتخابات التشريعيّة في تونس: "على كلّ لون يا كريمة"

أجواء الانتخابات التشريعيّة في تونس: "على كلّ لون يا كريمة"

في مدينة قفصة الواقعة في جنوب غرب تونس، راحت إحدى الحملات الانتخابية المستقلة تقيم احتفالات شعبية على إيقاع "الزكرة" و"الطبّال" و"المزود"، وهي آلات موسيقيّة تقليديّة تصاحبها الزغاريد المنبعثة من هنا وهناك.

هذه المشاهدات هي أكثر ما لفت لبيب الدالي، الناشط في مجال مراقبة الحملات الانتخابيّة، إلى جانب قيام أحد الاحزاب، في إطار الدعاية الانتخابية، بإطلاق الألعاب النارية في الأحياء الشعبيّة للمدينة.

اعلان


التقينا الدالي في مقهى صغير يقع إلى جانب مبنى البلديّة. على حائط المبنى المطلّ على المقهى، عُلّقت القوائم الانتخابيّة. حولنا، لا حديث بين الروّاد سوى موضوع الانتخابات. بعضهم يتندّر على ما شاهده. وبعضهم الآخر يتنبأ بالنتائج. حتى الجرائد اليوميّة تسير على الإيقاع نفسه. عنوان يتحدث عن استطلاعات آراء الناس وعن النتائج المتوقّعة، وآخر يتضمّن تقديماً لتصريح سياسي يقوم بشحذ الهمم وتقوية عزيمة أنصاره. حتى الأخبار المتفرّقة تعجّ بعناوين تعكس محورية حدث الانتخابات.

التونسيون على موعد، يوم الأحد المقبل، مع الحلقة الثانية من مسلسل الانتقال الديمقراطي بعد أن كانوا قد انتخبوا، في 23 أكتوبر 2011، "المجلس التأسيسي" الذي تولّى إعداد دستور جديد للبلاد.

في الرابع من الشهر الجاري، انطلقت الحملات الانتخابية. عدد القوائم المرشّحة بلغ 1327 قائمة موزّعة على 24 ولاية. الكلّ يتنافسون من أجل الظفر ببعض مقاعد البرلمان الـ217. ولكن القوى السياسية الفاعلة في تونس والأكثر تأثيراً في المشهد الانتخابي تنحصر بحركة النهضة، وحزب نداء تونس، والجبهة الشعبية، والحزب الجمهوري.

الجدران المطلة على الشوارع التونسية احتوت على مربّعات خصّصت لتعليق القوائم والبرامج الانتخابيّة عليها. في الحوض المنجميّ، الذي شهد انتفاضة 2008، أثارت الإعلانات الانتخابية حفيظة الشباب العاطلين عن العمل. فقام بعضهم بتعليق نسخ من شهاداتهم الجامعية في الأمكنة المخصصة للقوائم الانتخابية وكتبوا عليها: للبيع. من مقارّ الأحزاب اليسارية تنبعث الأغاني وخاصة أغاني "الشيخ إمام". وعلى الطرقات، لا تتوقّف أبواق السيارات المشاركة في مسيرات تجوب المدن ذهاباً وإياباً طوال اليوم موزّعةً المناشير الورقية والبرامج الانتخابيّة. حتى إنّ المارّ بأحد الشوارع سيُفاجأ من كمّية الأوراق ذات الألوان الفوسفورية المرميّة هنا وهناك وحين يطرح السؤال: "ماذا هناك؟" تأتيه الإجابة: "من هنا مرّت حملة انتخابيّة".

download (1)

في مدينة قفصة، لم تكن السيارات المطيّة الوحيدة لمروّجي القوائم الانتخابية. دخلت الدرّاجات الهوائية مضمار السباق الانتخابي، فسيّرت "قائمة التيّار الديمقراطي" قوافل من الدرّاجات يقودها شباب يرتدون ثياباً برتقالية اللون. وكلّما حلّوا بمكان علت صيحاتهم وصيحات المتحلّقين حولهم إمّا تحيّة لهم أو تعبيراً عن استغراب المشهد غير المألوف.

الفضاء العام كان أهم أماكن الترويج للمرشّحين. "حركة النهضة" اختارت القيام باستعراض جماهيري في ملاعب كرة القدم. أما "الجبهة الشعبية" فقد اختارت الأماكن التي ترتادها عامّة الشعب كالمقاهي والأسواق. في المقابل، عبّد أحد رجال الأعمال في مدينة قفصة والذي يترأس قائمة "المبادرة" بعض الطّرق الملأى بالحفر.

كما الفضاء العام كذلك الفضاء الاعلاميّ. خصص الأخير مساحة لكل القوائم الانتخابية المترشّحّة وبث إعلانات ترويجية قصيرة تضمّنت مختصرات للبرامج الانتخابية. وهنا كان الأمر المضحك. أحد المرشحين راح يقول للتونسيين إنه سيقوم، في حال فوزه، بـ"إثبات وجود الذات الإلهيّة". مرشّح آخر حمل "مقصّه الانتخابي" وراح يطهّر بواسطته كلّ شيء في حين هربت الكلمات من مرشّح ثالث.

أجواء الإنتخابات يلخّصها المثل التونسي الذي يقول: "على كل لون يا كريمة" وهو مثل يقصد منه الكثرة إلى حدّ التخمة. مولود جديد شهدته الساحة السياسية بعد الثورة ألا وهو "الرمز الانتخابي". فقد استُخدم  في انتخابات المجلس التأسيسي عام 2011 وهو الآن يُستخدم في الانتخابات البرلمانية. رموز بعض القوائم الانتخابية طُبعت بطابع محلي. إحدى القوائم المستقلة في سيدي بوزيد اختارت رمز "البرّاد"، أي إبريق الشاي. الشاي هو الكأس المفضّلة لدى روّاد جميع مقاهي تونس. المستغرب أنّ النساء المرشّحات ضمن هذه القائمة لا تظهر صورهنّ، بل استبدلت بصورة "البرّاد". كذلك حلّت قبّة خصراء بيضوية الشكل يعلوها رسم الهلال مكان صور المرشحين والمرشّحات ضمن قائمة "الأديب".

لم يكتف البعض باستخدام صورة الرمز الانتخابي الذي يعبّر عنه، فقام الناشطون في الحملة الانتخابية التابعة لـ"قائمة تيّار المحبّة" في ولاية سيدي بوزيد بترجمته إلى تشكيل فنّي ووضعوه على سيّارة يستخدمونها في التجوّل في الشوارع.

download (2)

في مدينة قفصة التي تعاني من التصحّر والجفاف، اختارت إحدى القوائم الانتخابية المستقلّة لنفسها شعار "إن شاء الله خير" يتبعه رمز "السحاب الماطر". كل الشعارات الانتخابية التي رفعتها القوى السياسية الكبيرة تضمّنت كلمة "تونس" وتم استخدام اسم البلاد مترافقاً مع جمل مكتوبة باللهجة المحليّة لإضفاء بعد وجداني على شعارات تتحدث بصيغة الـ"نحن". أحياناً يقول الشعار: "مع بعضنا ناقفو لتونس"، أي يجب أن نقف دفاعاً عن تونس، وهي جملة شهيرة كان قد قالها الشهيد شكري بلعيد الذي اغتيل في 6 فبراير 2013. وأحياناً يقول الشعار: "محبة تونس ليست كلاماً" (حركة النهضة)، أو "تونس في عينينا" (الحزب الجمهوري).

شارفت الحملات الانتخابيّة على النهاية ولكنّ الحديث عنها لن ينتهي قريباً خاصةً لدى من يسمّون في اللهجة التونسية "النبّارة"، أي من يمتلكون حسّ الفكاهة ويتندّرون على ظواهر شهدتها تونس على هامش الانتخابات التشريعيّة.

التعليقات

المقال التالي