الأردن ولعبة احتواء خطر الجهاديين

الأردن ولعبة احتواء خطر الجهاديين

بعد مشاركة طائرات سلاح الجوّ الملكي في قصف مواقع تابعة لتنظيم "الدولة الإسلامية" داخل سوريا، وضعت الأردن نفسها في قلب حرب الجهاديين. لاحتواء الخطر المتربّص بالبلاد، تحاول السلطة تكرار تكتيكاتها القديمة من خلال اللعب على انقسامات تيارات السلفية الجهادية. هذه المرّة ستكون اللعبة أصعب بكثير وقد تحرق أصابع الأردنيين.

الأردن و"حروب الآخرين"

في مطلع الشهر الماضي، نفى رئيس الوزراء الأردني عبد الله النسور، في حديث إلى قناة "الجزيرة"، إمكانية مشاركة بلاده في حرب التحالف الدولي على "الدولة الإسلامية". رغم إعرابه عن قلقه من التنظيمات الإرهابية، أكد أن الأردن لن تخوض "حروب الآخرين".

وبعد تنفيذ الطائرات الأردنية أولى ضرباتها، قال النائب عبد المجيد الأقطش إن "الحرب ليست حربنا وهم يريدون أن يشغلونا بأنفسنا". وأضاف أن "الأردن كان يجب عليه أن لا يكون مع أمريكا ولا مع محاربة داعش لأن الحرب التي بدأت لا نعرف متى ستنتهي".

الدعوات إلى تحييد الأردن عن الوضع المحيط بها لم تكن قليلة. منذ مدّة، قدم 21 نائباً مذكرة للحكومة، طالبوا فيها بـ"عدم الزجّ بالأردن في أيّ مواجهة أو حرب مع داعش". أيضاً، رفضت جبهة العمل الاسلامي، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، أي دور للمملكة ضمن التحالف الدولي.

ولكن الأردن ليست جزيرة معزولة. فتنظيم "الدولة الإسلامية" أصبح على حدودها، وفي جبهات القتال القريبة ينشط مئات المقاتلين الأردنيين المنتمين إلى جماعات السلفية الجهادية. سبق أن انتشرت أخبار كثيرة توحي أن المملكة الهاشمية هي ساحة التمدّد المقبل للتنظيم المتطرف. في كل الحالات، يبقى القرار النهائي بيد الملك. والملك عبد الله الثاني كان قد أعلن "دعم ومساندة الأردن للجهود الإقليمية والدولية لمحاربة الارهاب والتصدي للتطرف حمايةً للمصالح الوطنية الأردنية العليا". دخلت الأردن المعركة وقد تسعى "داعش" إلى الثأر منها وتنفيذ عمليات انتقامية.

اللعب على انقسامات السلفيين

عندما ظهر أبو مصعب الزرقاوي، الأردني الجنسيّة، في العراق، حاولت السلطة الأردنية موازنة تياره بأبي محمد المقدسي (عصام البرقاوي) للحدّ من تأثيره على الشباب الأردني. نجحت في ذلك بشكل كبير. فآراء المقدسي، أبرز منظري تيار السلفية الجهادية، أرخت بظلّها على سلفيي الأردن. حالياً، تحاول السلطة إعادة استخدام الأسلوب نفسه. برز ذلك من خلال تبرئة كل من المقدسي وأبي قتادة الفلسطيني (عمر محمود عثمان) من التهم المنسوبة إليهما وإطلاق سراحهما لينشطا بحرية في أوساط السلفيين الأردنيين.

فالمقدسي وقف، قبل الإفراج عنه في يونيو الماضي، في صفّ جبهة النصرة حين اختلفت مع "داعش" واعتبر أن الأخيرة "تنظيم منحرف عن جادة الحق، باغ على المجاهدين، ينحو إلى الغلو". أما أبو قتادة، فقد هاجم، أثناء إحدى جلسات محاكمته، "داعش" ورأى أنها "تستخدم العبارات الشرعية في غير موضعها كما هو حال أهل البدع".

رغم تأثير هاتين الشخصيتين الواسع في أوساط السلفيين الجهاديين، فإنّ هناك وجوهاً سلفية بارزة تقف في المقلب الآخر. فأبو محمد الطحاوي (عبدالقادر شحادة) الذي اشتهر بإرساله المجاهدين إلى سوريا منذ بداية نشاط المجموعات الجهادية في "الشام" والمعتقل حالياً في أحد السجون الأردنية أعلن تأييده لـ"دولة الخلافة". وحذا حذوه كل من سعد الحنيطي وجراح القداح وغيرهما من الوجوه المؤثرة.

في خضم هذا الصراع، أصدر أعضاء في التيار السلفي الجهادي بياناً باسم "أبناء دعوة التوحيد والجهاد في الأردن"، قالوا فيه إن "الله ابتلانا بمواقف الشيخين أبي محمد المقدسي وأبي قتادة، هداهما الله إلى الحق" وامتدحوا فيه "الشيخ الصابر أبا محمد الطحاوي" معتبرين أن "الدولة الإسلامية أعزها الله هي اليوم قلعة الإسلام وحصن التوحيد، وجُندُها هم رأس حربة المسلمين، بل إنها سفينة النجاة للمسلمين مما ولجوه من بحار التيه منذ سقوط خلافتهم". الموقّعون أكدوا أن أنصار الدولة الإسلامية هم الأكثرية داخل تيار السلفية الجهادية في الأردن.

في استطلاع للرأي أجراه مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية، تبيّن أن 7% من الأردنيين يؤيدون "داعش" و17% منهم يعتبرون أن جبهة النصرة مقاومةً مشروعة و15% منهم ينظرون إلى القاعدة نظرة إيجابية. رغم ارتفاع هذه النسب، يبدو أن هذا الاستطلاع ليس محايداً. يشير مراقبون إلى أن النسب أعلى من ذلك. فالتيار المؤيد لـ"داعش" يشهد رواجاً كبيراً في أوساط السلفيين الشباب الذين يشكّلون قوة لا يستهان بها في بعض المدن وخاصة في الزرقاء والرصيفة ومعان.

أضعفت مشاركة الأردن في الضربات الجوية التيار المناوئ لـ"داعش". فكرة أن أمريكا تشنّ حرباً عالمية ضد "مجاهدين" هي فكرة كافية لمحض التنظيم تأييد أغلبية السلفيين الجهاديين. ليس سهلاً على السلفي الجهادي الوقوف في صف الأمريكيين، فكيف والحال أن أولى الضربات استهدفت مواقع لجبهة النصرة أيضاً؟ في مبادرة أطلقتها "جبهة أنصار الدين"، شارك فيها المقدسي وأبو قتادة، وُصف التحالف الدولي بأنه "هجمة صليبية ليس على إخواننا المسلمين في الشام والعراق بل على عموم أهل الإسلام وعلى الإسلام نفسه". زادت التعقيدات ولا أحد يعلم كيف ستسير مواقف أنصار تنظيم القاعدة.

أبو سياف (محمد الشلبي)، المؤيد للشيخ المقدسي، انتقد بحدّة مشاركة الأردن في العمليات العسكرية. قال إن "صاحب القرار يهمه إرضاء الأمريكان أكثر من شعبه الذي رفض التدخل في شؤون اﻵخرين" وأضاف، أنه "لطالما قلنا إن الحكمة في التصرّف مع الأحداث كان من أكبر أسباب عدم دخول الأردن في زوبعة ما يسمّى بالربيع العربي أو فلنقل خريف الحكّام… ولعل هذا التصرّف هو المسمار الأول في نعش الاستمرارية".

خوف على الحريات

إلى الهمّ الأمني، هناك قلق حقيقي على مستقبل الحريات في المملكة الهاشمية وهو قلق سابق على التطوّرات الأخيرة وإن كان مرتبطاً بالظروف التي أوصلت إليها. في أبريل الماضي، أقرّ مجلس النواب مشروعاً يعدّل قانون منع الإرهاب الصادر عام 2005، على أثر التفجيرات التي ضربت العاصمة عمّان. أتت بعض عبارات القانون مطاطية وتسمح لمحكمة أمن الدولة بتفسيرها كما تريد. ففي تعريف الإرهاب جاء أنه يمكن أن يكون عملاً هادفاً إلى "إحداث فتنة" أو "إلحاق الضرر بالبيئة" أو "تعطيل تطبيق الدستور أو القوانين أو الأنظمة".

مئات الاعتقالات نفذتها الشرطة الأردنية بحجة "داعش". لا شك في أن بعضها يستند إلى معطيات حقيقية ولكن بعضها الآخر لم يكن سوى تضييق على المعارضين. الخطر على الأردن حقيقي وليس متخيلاً. ستجهد الأجهزة الأمنية لمنع تفاقمه وعلى الهامش ستقول: لا بأس في الاستفادة من هذه الزحمة لقمع بعض الأصوات المعارضة.

التعليقات

المقال التالي