ما هي أهمية الاعتراف البريطاني بأحقيّة قيام دولة فلسطينية؟

ما هي أهمية الاعتراف البريطاني بأحقيّة قيام دولة فلسطينية؟

اعترف مجلس العموم البريطاني في اقتراع رمزي جرى يوم أمس، بأحقيّة إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل بأغلبية 274 صوتاً مقابل 12.

يشير ممثلو الحكومة البريطانية إلى أن التصويت الذي دعا إليه نائب حزب العمال غراهام موريس Grahame Morris، (رئيس مجموعة "أصدقاء فلسطين" في حزب العمال) ليس سوى تصويت رمزي، في حين يؤكد وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ William Hague أن الحكومة البريطانية تحتفظ بحق "الاعتراف بدولة فلسطينية في الوقت الذي تراه مناسباً والذي يساعد بجلب السلام".

يعدّ القرار، رغم رمزيته، الأول من نوعه في تاريخ بريطانيا ويشير إلى تغيير، ليس في الرأي العام البريطاني فحسب، بل أيضاً في الرأي العام الأوروبي والعالمي حيال الممارسات الإسرائيلية في السنوات الأخيرة. في ما يلي أبرز إيجابياته.

أولاً، يتزامن هذا القرار مع مساعي السلطة الفلسطينية من أجل إصدار قرار دولي من مجلس الأمن يلزم إسرائيل بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. وقد تعهدت السلطة الفلسطينية، التي نجحت بأن تحصل على ترقية صفة فلسطين إلى "دولة مقرب غير عضو" في الأمم المتحدة عام 2012، أن تلجأ إلى محكمة الجنايات الدولية في حال تعثر صدور قرار عن مجلس الأمن وتنوي مقاضاة إسرائيل على الجرائم التي ارتكبتها في قطاع غزة. القرار البريطاني، في هذه الظروف، يعطي زخماً للمطالبة الفلسطينية بحق قيام دولة معترف بها عالمياً.

ثانياً، تثير مطالبة نائب حزب العمال موريس إلى جلسة الاعتراف بدولة فلسطينية ودعم حزبه المعارض للتصويت على منح الفلسطينيين الحق بقيام دولتهم، حفيظة إسرائيل، لأنها تتزامن مع انقسام المحافظين إلى فريقين، الأول يدعم الاعتراف بدولة فلسطينية والثاني يمتنع عن الإبداء برأيه، مع معارضة عدد قليل من النوّاب الداعمين لإسرائيل على القرار. يمثل هذا الانقسام تغيّراً في رأي الحزب الحاكم، لكون المحافظين لطالما عارضوا قيام دولة فلسطينية قبل وصول مفاوضات السلام إلى حلّ الدولتين. فبعد عامين من امتناع بريطانيا عن التصويت لمنح فلسطين صفة "دولة مراقب غير عضو" في مجلس الأمن، تبرز دلائل على تعديل، ولو طفيف، من الحزب المحافظ الحاكم لرأيه السياسي في القضية الفلسطينية. ولعل أبرز تلك الدلائل هوتصريح رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم ريتشارد اوتوواي Richard Ottoway المعروف بدعمه لإسرائيل.

قال اوتوواي: "وقفت إلى جانب إسرائيل في السراء والضراء، في السنوات الجيدة وفي تلك السيئة، ولكن في الحقيقة، عندما أنظر إلى العشرين سنة الأخيرة، أرى أن إسرائيل تسير شيئاً فشيئاً بعيداً عن الرأي العام العالمي. في الظروف الطبيعية، كنت عارضت الاقتراح الليلة، ولكن غضبي على تصرفات إسرائيل في الأشهر الأخيرة وصل إلى حد أنني لن أعارضه. وعليَّ أن أقول للحكومة الإسرائيلية، أنها عندما تخسر الداعمين لها من أمثالي، فإنها تخسر الكثير من الناس".

وقد بدت المعارضة البريطانية للحرب الإسرائيلية الوحشية على غزّة واضحة وأدّت إلى انقسام حتى في صفوف حكومة المحافظين الداعمة لإسرائيل. ففي أغسطس، قدّمت وزيرة الدولة في وزارة الخارجية سعيدة وارسي Sayeeda Warsi استقالتها من المنصب بعد اتهامها الحكومة بانتهاج موقف "يتعذّر الدفاع عنه أخلاقياً" بدعمها لإسرائيل.

وقد يولّد هذا الموقف الداعم لقيام دولة فلسطينية من قِبل حزب العمال اليساري المعارض، قلقاً إسرائيلياً من احتمال أن يعدّل الحزب من سياسة بريطانيا في الشرق الأوسط ويخفّف من دعمها المطلق لإسرائيل إذا ما فاز في الانتخابات البرلمانية المقبلة وشكّل حكومة جديدة بقيادته.

ثالثاً، يمثّل هذا القرار حلقة جديدة في سلسلة القرارات الصادرة عن دول غربية تظهر تعديلاً في موقفها من التعامل الإسرائيلي مع القضية الفلسطينية. فبعدما أعلنت السويد نيّتها الاعتراف بدولة فلسطين (مما دفع الخارجية الإسرائيلية إلى استدعاء السفير السويدي للاحتجاج رسمياً على هذا القرار)، أعلن المتحدث باسم الوزارة الخارجية الفرنسية رومان نادال Romain Nadal نيّة بلاده التصويت على قرار مماثل في المستقبل القريب.

يوضح هذا التصويت ولادة رأي عام غربي جديد مناهض للدعم الرسمي غير المشروط لإسرائيل، ورافض لمواقف الحكومات من سرقة الأراضي الفلسطينية لبناء المستوطنات، ومن استهداف المدنيين والمستشفيات ومراكز الأمم المتحدة في الحرب الأخيرة على غزّة. وقد ظهرت حدّة الاحتجاج العالمي على سياسات إسرائيل بدعوات المقاطعة للبضائع الإسرائيلية المنتجة في الضفة الغربية، التي توجِّت بانضمام الإتحاد الأوروبي للحملة لحملة المقاطعة.

ورغم أن نتيجة التصويت لا تلزم الحكومة البريطانية بالاعتراف بفلسطين، فإنها ستشكّل أداة ضغط مفيدة لدفع الحكومة الحالية والحكومات المستقبلية على القيام بخطوات جدية لإعطاء الفلسطينيين حقهم بدولة مستقلة ذات سيادة بحسب موريس. وقد أشار النائب البريطاني إلى أن الاعتراف بدولة فلسطينية يمثّل تصحيحاً لخطأ ارتكبه الإنجليز بحق الفلسطينيين، مشيراً بذلك إلى وعد بلفور الصادر عام 1917 والذي منحت بموجبه بريطانيا إسرائيل حق إقامة دولة لها على الأراضي الفلسطينية.

التعليقات

المقال التالي