المحامون المصريون في خدمة النظام

المحامون المصريون في خدمة النظام

طرح اتهام خالد أبو بكر، محامي شهداء ثورة يناير في مصر، الإعلامي الساخر باسم يوسف بإهانة الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، وعدد من الإعلاميين الموالين له نهاية الشهر الماضي، قضية علاقة المحامين بالنظام الحاكم ومدى تواطؤهم معه على المستوى القانوني والسياسي.

لكل نظام حاكم منظومة من المحامين تشكل مدخلاً له إلى السلطة القضائية. هذه المنظومة تسارع إلى الدفاع عنه وتحقيق مكاسب قانونية مهمّة له، بل تساعده في التصدّي للمعارضة. هذا الأمر ظهر واضحاً في مصر بعد ثورة يناير، إذ أصبح المحامون عنصراً أساسياً في الحياة السياسية.

بات هؤلاء المحامون جزءاً مهمّاً من المنظومة المتواطئة التي خدمت النظام العسكري بعد الثورة واستمرّت حتى وصوله إلى الحكم في يوليو 2013. فمن دونهم، لا يستطيع القضاء أن يتخذ قراراً بسن قوانين جديدة تخدم مصالح السلطة، ولا أن يلاحق أي تيار سياسي أو شخصية معارضة.

يكمن الدور الرئيسي لهؤلاء المحامين في رفع قضايا في هيئة مجلس الدولة أو المحاكم الأخرى تطالب بسن قوانين جديدة تخدم الحكومة الحالية، وبملاحقة جماعات معارضة أو شخصيات بعينه. عانت الكثير من التيارات السياسية المناوئة للنظام من ويلات الدعاوى القضائية التي قدمها هؤلاء المحامون، حتى إن بعضها اختفى من المشهد السياسي نتيجة ذلك.

برز محامون كثر خلال الأعوام الماضية في مجال السياسة، في مقدّمهم نبيه الوحش وسمير صبري ومرتضى منصور ونبيل لوقا بباوي وغيرهم. وذلك عن طريق الدعاوى القضائية التي لاحقوا بها المعارضة أو الشخصيات السياسية والإعلامية الشهيرة. هؤلاء المحامون كانوا حصان طروادة استطاعت السلطة التنفيذية أن تصل بواسطته إلى النظام القضائي الذي تسيطر عليه.

على المستوى القانوني

أول القوانين المهمّة التي نجح المحامون في استصدارها لمصلحة النظام في مصر، كان قانون التظاهر الذي جاء نتيجة دعوة قضائية قدمها المحامي مرتضى منصور إلى مجلس الدولة بعد إطاحة الإخوان المسلمين مباشرة. هذا القانون شكّل ضربةً قوية للتيارات الثورية، وحلماً للحكومات المصرية المتعاقبة التي أرادت أن توقف الاندفاع الثوري لدى الشباب، كما أضفى القانونية على إلقاء القبض على العديد من الناشطين الأساسيين في ثورة 25 يناير، في طليعتهم أحمد دومة، ومحمد عادل، وعلاء عبد الفتاح، وأحمد ماهر.

تضمّنت الدعوى التي قدّمها منصور إصدار قانون يمنع التظاهرات إلا بإذن من الشرطة، وذلك للقضاء على حالة الفوضى التي تمر بها البلاد عقب تظاهرات 30 يونيو، على حدّ زعمه. ونظراً لتحول الجامعات إلى ميادين رئيسية للتظاهرات خلال العام الجامعي الماضي، بذل المحامون قصارى جهدهم لإضفاء القانونية على القمع الذي قامت به الشرطة ضد الطلاب، إذ قدموا دعاوى استجاب لها القضاء سريعاً، وترتّب عليها إصدار بضعة قوانين تنص على منع التظاهرات داخل الجامعات إلا بإذن من رؤساء الجامعات، كذلك السماح لرؤساء الجامعات بفصل أساتذة أو أعضاء إدارة دون قرار قضائي، مع إعادة قانون تعيين رؤساء الجامعات بواسطة الحكومة بدلاً من الانتخابات الداخلية، وهي كلها قوانين لا تتفق مع الدستور الذي ينصّ على استقلالية الجامعات المصرية.

سبق أن شكّل المحامون عنصراً فاعلاً في نظام مبارك عن طريق ملاحقة عناصر المعارضة، وأصبحوا بعد ذلك عنصراً مهما لدى الإخوان المسلمين للوقوف أمام الإعلاميين والمعارضين لنظام الرئيس السابق محمد مرسي، غير أن هذا الدور لم يكن فعالاً نظراً للاختلافات الكبيرة بين القضاء والحركة الإسلامية الحاكمة.

التخلّص من المعارضة

لم يكن يسيراً على النظام جعل الشعب يتقبّل حظر جماعة الإخوان المسلمين من ممارسة العمل السياسي وتحويلها بعد ذلك إلى منظمة إرهابية، إلا من خلال ستارة قانونية تتضمن دعاوى قضائية يبتها سريعاً. فرغم إنكار الإخوان لارتكاب الأعمال الإرهابية التي وقعت في البلاد عقب إطاحة الرئيس مرسي، تدفّقت دعاوى قضائية على مجلس الدولة تدينهم بهذه الحوادث، وقبلها القضاء وأصدر أحكاماً أطاحت الحركة من المشهد السياسي على الرغم من غياب الأدلة القوية.

في السياق نفسه، يلعب المحامون دوراً رئيسياً في الوقت الحالي في ملاحقة قادة الإخوان الذين يواجهون عقوبات مشددة وصلت إلى الإعدام في بعض الحالات. جزء كبير من هذه العقوبات كان في الأصل ردّاً على دعاوى رفعها محامون وجهت تهماً عدة إلى قادة الجماعة وصلت إلى التآمر ضد الأمن القومي والتعاون الاستخباراتي مع أنظمة سياسية خارجية.

حلّ الحركات الثورية النشطة واعتبارها منظمات إرهابية استلزما أيضاً دعاوى قضائية رُفعت إلى المحاكم. ففي أبريل الماضي، قضت محكمة القاهرة للأمور المستعجلةبحظر جماعة "6 إبريل" إحدى الحركات التي قادت ثورة يناير، واعتبارها منظمة إرهابية عقب دعوى قضائية رفعها أحد المحامين تطالب بحظر أنشطة الحركة والتحفظ على مقارّها بحجة قيامها بتشويه صورة مصر، والتخابر مع جهات أجنبية.

كوّنت روابط الألترس أيضاً قوة ثورية ناشئة باتت تؤرق النظام بعد عام 2011، وازداد دورها بمجيء النظام الحالي خاصةً مع مشاركة جزء كبير منها في التظاهرات إلى جانب الإخوان. حل هذه الروابط لم يتطلب أكثر من "الخلطة" السابقة، إذ تقدم مرتضى منصور بدعوى قضائية بحلها، ووافق عليها القضاء سريعاً وأصدر حكمه الذي قضى بأنها تنظيمات إرهابية مخالفة للقانون.

لم يستهدف المحامون القوى المحلية المعارضة للنظام فقط، بل منظمات المجتمع المدني الدولية أيضاً، فبعد تقرير نشرته منظمة "هيومن رايتس ووتش" Human Rights Watch عن الانتهاكات التي حدثت في ميدانَي النهضة ورابعة في أغسطس 2013، توالت الدعاوى القضائية التي تطالب بغلق مكاتب هذه الهيئة في مصر، ويُنتظر صدور الحكم في نوفمبر المقبل.

للمحامين العديد من المكاسب وراء عملهم للنظام، أولها منع تعرضهم للمضايقات لا سيّما من قِبل مجلس النقابة، أو من قِبل القضاء، بالإضافة إلى الشهرة التي يحظون بها نظراً للتركيز الإعلامي الذي تحظى به هذه القضايا في الشارع المصري. لكن هذا لا يمنع وجود جزء آخر من المحامين يسعى إلى مقاضاة الحكومة أو عناصر من النظام، برغم علمهم المسبق أن الدعاوى التي يقدمونها لن تلقى قبولاً من القضاء. هؤلاء المحامون لا يجذبون الأضواء ويحظون بمتابعة وسائل الإعلام المعارضة فقط.

التعليقات

المقال التالي