الصراع الأهلي على ضربات التحالف الجوية

الصراع الأهلي على ضربات التحالف الجوية

كلما سقطت ضحية مدنية بسبب إحدى الضربات الجوية، علت الأصوات التي تدين عمل التحالف الدولي لمواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية". لا شكّ في أن هذه الإدانات ضرورية لدفع القوى المشاركة في العمليات العسكرية إلى توخّي المزيد من الدقة. ولكن في المواقف المعترضة نقع أيضاً على تصريحات تؤكد أن هناك نوعاً من صراع أهلي على كيفية توجيه هذه الضربات.

يسهل فهم اعتراض تنظيم "الدولة الإسلامية" وبعض أولاد عمّه المرتبطين بتنظيم القاعدة والموضوعين على لائحة بنك الأهداف المطلوب القضاء عليها إن في العراق أو في سوريا. ولكن فهم انتقادات أعدائهم هو مسألة أكثر صعوبة.

اعلان


من المستفيد؟

ينتقد كثيرون الضربات الجوية لأسباب إيديولوجية أو لمصالح تربطهم حالياً مع تنظيم "الدولة الإسلامية". بعض القوى السورية يبني رفضه على أساس تمسكه بسيادة الدول الوطنية رغم أنه يعتبر أن النظام السوري، أحد أركان السيادة، فاقد الشرعية. وبعضها الآخر يبني رفضه على أساس قلقه من سقوط ضحايا أبرياء رغم أنه يتعامى عن هذه النقطة حين الحديث عن ضربات تُوجّه للجيش السوري.

في بدايات الشهر الماضي، أعلن رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي التوقف عن تنفيذ سلاح الجو العراقي ضربات على المدن التي تخضع لسيطرة "الدولة الإسلامية" كي لا يقع ضحايا مدنيون. فور إعلانه هذا الموقف خرجت سلسلة من المواقف المؤيدة لقراره. ارتاحت القوى السياسية السنّية المناهضة لـ"الدولة الإسلامية" لأن التنظيم يستغل هذا الأمر لتأليب الرأي العام السنّي على الحكومة المركزية التي تسيطر عليها القوى السياسية الشيعية.

قرار العبادي لم يعجب صقور الشيعة. طالبه عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية موفق الربيعي بتكثيف الضربات الجوية على مواقع داعش الإرهابية لأن الضربات الجوية تساعد أبناء القوات المسلحة والعشائر و"الحشد الشعبي" على هزيمة "الدواعش". وبعد اقتحام تنظيم "الدولة الإسلامية" معسكراً للجيش العراقي في مدينة الصقلاوية الواقعة قرب الفلوجة، حمّل كثيرون العبادي مسؤولية قتل وأسر عدد كبير من الجنود واعتبروا أن ما حصل هو نتيجة لإيقاف القصف على المدن برغم أن المعسكر المذكور يقع خارج المدينة ولم يشمله قرار رئيس الحكومة.

مع بدء التحالف الدولي توجيه ضربات جوية صار موقف العبادي أصعب. إذا حدّدت الحكومة العراقية الأهداف الواجب قصفها فسيُحمّل وزر سقوط ضحايا مدنيين. وإن حدّد التحالف بنفسه هذه الأهداف فسيخشى من تحقيق أهداف قد لا تنسجم مع رغباته أو مع رغبات حلفائه خاصة أن التحالف هو اسم فنّي للأمريكيين. كان العبادي حاسماً في رفضه مشاركة دول عربية في الضربات الجوية وفي رفضه توسيع الحملة الجوية في سوريا ضد قوات موالية للرئيس بشار الأسد. رغم ترحيبه بـ"الجهود الدولية لمحاربة إرهاب داعش"، دعا "جميع الدول إلى احترام سيادة العراق ووحدة أراضيه، وإلى أن تكون الضربات الجوية بالتنسيق مع الحكومة العراقية"

يريد العبادي أن تنسجم الضربات الجوية مع الخطط الحكومية لاستعادة المناطق التي يسيطر عليها حالياً التنظيم المتشدّد مع ما في الخطط الحكومية من استجابة لرغبات القوى السياسية الشيعية ولرغبات إيران التي اعترف رئيس الحكومة العراقية بعمل مستشاريها على أرض بلاده ورحّب به. يعرف أن بعض القوى السياسية الشيعية المتموضعة على يمينه تنتظر أيّة هفوة تصدر منه كي تنقضّ عليه. بعبارة أخرى يريد أن تعمل الطائرات الدولية وفق إحداثيات يضعها هو وكغطاء جوّي للقوات التي تتقدّم على الأرض بشكل يستجيب لطموحات حلفائه.

يستفيد المؤيدون لوجهة النظر هذه من الأخطاء التي ترتكبها طائرات التحالف. يتهمون القيادة العسكرية الأمريكية بتجاهل المعلومات التى تقدمها الحكومة العراقية. فمن يقرّر أهداف الضربات هو الذي يحدّد نتائجها في الميدان.

من جانبها تحاول القوى السُنّية المعتدلة استثمار ضربات التحالف الجوية في خدمة مساعيها إلى توطيد سيطرة قوات العشائر السنية المناهضة لداعش وقوات الحرس الوطني التي هي في طور التأليف، على المحافظات السُنّية. عضو البرلمان العراقي عن محافظة الأنبار حامد المطلك، أعتبر أن "تجفيف منابع الإرهاب... يتطلب معلومات استخبارية دقيقة ومصالحة وطنية حقيقية مع أهالي المناطق التي غالباً ما يتخذ الإرهاب منها بيئة أو ملاذا "آمنا" له". أما رئيس مجلس النواب العراقي، سليم الجبوري، فقد أكّد على ضرورة "أن تكون العمليات ضد داعش بالتنسيق مع الحكومة العراقية... ولا بد من دور حقيقي للعشائر في المشاركة في مكافحة الإرهاب".

قلق وطموحات

في العراق، يواجه التحالف الدولي مشكلة ضعف الجيش العراقي والفساد المستشري في جسمه. وهذا ما يمنعه من الاتكال عليه في مواكبة الضربات الجوية على الأرض وشنّ هجمات مضادة على مواقع الإرهابيين. من ناحية ثانية، لا يستطيع تنفيذ ضربات جوية عندما تكون القوات العراقية ملتحمة مع مسلّحي "الدولة الإسلامية" خوفاً من إيقاع خسائر في صفوفها.

وبما أن الجيش العراقي لا يقاتل وحده بل تدعمه قوات البيشمركة الكردية وميليشيات "الحشد الشعبي" الشيعية، يواجه التحالف معضلة تحديد هوية القوات التي ستدخل إلى مناطق عربية سُنّية كي لا يثير دخولها الحساسيات بسبب الانقسامات العراقية القومية والطائفية المعروفة. هذا الواقع يؤكد ضرورة الاتفاق على وضع خطوط حمراء أمام القوات البرية وتحديد مَن يدخل إلى أين، وهذا ما يقتضي اتفاقاً واضحاً يتعذّر الوصول إليه بسبب تضارب مصالح أعداء "الدولة الإسلامية".

بعد إعادة تموضع قوات "الدولة الإسلامية" وابتعادها عن المناطق المكشوفة وتغلغلها بين المدنيين، نشأت صعوبات إضافية لأن أيّة ضربة جوية ستلحق الأذى بالمواطنين. وعليه فإن الإحداثيات الدقيقة لا يمكن أن يوفّرها سوى أبناء المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم وقد يكونون على خلاف مع السلطة المركزية. كما أن إجبار مقاتلي "داعش" على الخروج من مخابئهم الواقعة بين السكان يفترض الاشتباك معهم. وهذا لن يستطيع القيام به إلا أبناء المنطقة.

كل خطأ عسكري سيثير المشاكل. قبل أيام، وبعد قصف الطائرات الغربية سوقاً شعبية في قضاء هيت حيث يتقدّم مسلّحو داعش، خرج المتحدث الرسمي باسم المكتب السياسي لعصائب أهل الحق الشيعية المتطرفة، نعيم العبودي، ليقول إن "الضربات الجوية تهدف إلى توفير حماية مبطنة لداعش من خلال استهداف المدنيين مبدئياً ومن ثم التذرع به من أجل تبرير مخططها لإرسال قوات برية إلى العراق بحجة عدم قدرة العمليات الجوية على تدمير الزمر الإرهابية"، وأضاف أن "الضربات الجوية الأخيرة أسهمت في تحجيم تحرك الجيش العراقي ووفّرت الحرية الكافية لتمدد عصابات داعش التكفيرية".

الإشكاليات المطروحة على الساحة العراقية تُطرح أيضاً على الساحة السورية وإن كان بشكل أخف. من كوباني، خرجت أنباء عن مقتل مقاتلين تابعين لوحدات حماية الشعب الكردية أثناء استهداف قوات "الدولة الإسلامية" التي تحاصر المدينة. ولكن الأكراد لم يتوقّفوا عن المطالبة بـ"توجيه ضربات جوية لارهابيي داعش"، قبل هذه الحادثة وبعدها، واعتبروا أن تأخّر هذه الضربات هو نوع من التآمر على الأكراد خاصة أنهم يقولون إن الضربات التي تلقّتها "داعش" بعيداً عن كوباني، أدت إلى إعادة انتشار مقاتليه باتجاه مناطق الأكراد، وهذا ما أدى إلى زيادة الضغط العسكري عليهم. من ناحية أخرى، يطرح النظام السوري ضرورة التنسيق معه لأنه يمتلك بنك أهداف سيفيد التحالف الدولي.

الطائرة الآتية من الجوّ تستطيع أن تدمّر هدفاً. ما هي الأولويات؟ ومن يجب أن يستفيد من الضربات التي يتلقاها الإرهابيون؟ تختلف إجابات القوى الفاعلة في العراق وفي سوريا. من هنا ينشأ الصراع الأهلي على توجيه الضربات الجوية. سيستمر هذا الصراع بأساليب مختلفة ما دامت هذه القوى لم تتفق في ما بينها على حدود نفوذ كلّ منها.

التعليقات

المقال التالي