أميركا وسوريا: الحقيقة في مواجهة الديبلوماسية

أميركا وسوريا: الحقيقة في مواجهة الديبلوماسية

مع عمل الولايات المتحدة أخيراً على تأسيس تحالف دولي لمحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية"، خرج الرئيس الأمريكي باراك أوباما ليتحدث عن إستراتيجية مكوّنة من أربعة أجزاء. ينتقد كثيرون تأخّر التدخل الأمريكي في الأزمة السورية ويعتبرون أنها لو تدخّلت منذ البداية لما كانت "الدولة الإسلامية" قد ظهرت. ولكن بعيداً عن هذا الكلام الخيالي، كانت الإدارة تمتلك نظرة خاصة لما يجري.

"إستراتيجية أوباما"

اعلان


في خطابه عن الإستراتيجية الأمريكية ضد "الدولة الإسلامية"، تحدث أوباما مطوّلاً عن خطر الجهاديين. وأعلن أن هدف بلاده هو إضعاف هذا التنظيم وصولاً إلى تدميره "من خلال إستراتيجية شاملة ومستدامة لمكافحة الارهاب". أعلن إستراتيجية مربّعة الأضلاع تتضمّن: أولاً، تنفيذ حملة منظمة من الهجمات الجوية ضد الإرهابيين؛ ثانياً، دعم القوات المحلية التي تقاتل الإرهابيين على الأرض (تشكيل وحدات حرس وطني في العراق وتدريب قوات معارضة سورية معتدلة)؛ ثالثاً، مكافحة الارهاب لمنع هجمات "داعش" في الخارج، رابعاً، تقديم المساعدة الإنسانية للمدنيين.

من الواضح أن إستراتيجية أوباما هي إستراتيجية غير مكتملة وليست أكثر من نقاط أولية إذا ما فهمنا الاستراتيجيا كخطة متكاملة وواضحة تحقق هدفاً واضحاً. التطورات التي أعقبت خطاب أوباما كشفت عن نقاط كثيرة لا تزال تعيق أي عمل دولي مشترك، أبرزها: خلافات بين الدول الغربية على المشاركة في العمليات الجوية داخل الأراضي السورية، تباينات بين الحلفاء حول أولوية إسقاط النظام السوري وحول مشاركة إيران في التحالف الدولي، عدم وضوح العمل المطلوب من كل دولة تشترك في التحالف. المؤكد هو أن أميركا افتتحت مساراً وتترك مسألة بلورته إلى الوقت وإلى كيفية تدحرج الأمور على الأرض. والمؤكد هو أن أميركا تمتلك إستراتيجية ولكنها طبعاً لا تستجيب لتطلعات حلفائها ولا لتمنيات المعارضة السورية. في الوقت الحالي، تهدف الإستراتيجية الأمريكية إلى عدم السماح لـ"داعش" بتشكيل "تهديد يتجاوز هذه المنطقة، ليشمل الولايات المتحدة" وعدم السماح للجهاديين بـ"العودة إلى بلدانهم والقيام بهجمات فتاكة"، وهذا ما يعني ضرورة إشغالهم بساحات بعيدة.

عدم الثقة بالحلفاء

تدرك أميركا أن حلفاءها يسعون إلى تحقيق أهداف متناقضة وتدرك استحالة جمعهم معاً لتحقيق هدف واضح. في خطاب ألقاه قبل أيام نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن Joe Biden أمام طلاب من جامعة هارفرد كان صريحاً بشكل غير مسبوق. قال في إجابة على سؤال عن تأخّر التدخل الأمريكي في الأزمة السورية: "حلفاؤنا في المنطقة كانوا أكبر مشكلاتنا في سوريا. ما الذي قام به الأتراك والسعوديون والإماراتيون؟ كانوا مصمّمين على إسقاط الأسد، ولذلك أداروا حرباً سُنّية شيعية بالوكالة على الأراضي السورية. أنفقوا مئات الملايين من الدولارات وأرسلوا عشرات آلاف الأطنان من الأسلحة إلى كل شخص كان مستعداً لمحاربة الأسد. ولكن، على الأرض، كانت المجموعات التي تستفيد من هذا الدعم الضخم هي النصرة والقاعدة وجماعات جهادية قادمة من أماكن مختلفة من العالم. تظنون الآن أنّي أبالغ؟ أنظروا. أين ذهب كل ذلك؟".

إذا أضفنا إلى كلام بايدن أن هؤلاء الحلفاء كانوا يرعون مجموعات معارضة متنافسة، ندرك أن الحديث الذي نسمعه كثيراً عن أن أميركا كانت قادرة على التدخّل ليس واقعياً بل هو حلم أطفال. من الطبيعي أن لا تُغرق أميركا نفسها في مستنقع تعرف بوجوده. صراحة بايدن أغضبت الحلفاء فعاد إلى الديبلوماسية وقدّم اعتذارات ترضي غرور الممتعضين منه. ولكن بايدن قال الحقيقة.

أميركا تنتظر جيفرسون سوري

ليس الشق السابق هو أهم ما جاء في خطاب بايدن. الأهم هو حديثه عن المعارضة السورية. قبل الحديث عمّا قاله، لنستعدْ بعض الآراء السابقة التي شكّلت في وقت صدورها أحداثاً مهمّة.

في مقابلة مع شبكة "بي بي آس" PBS news الأمريكية، قال السفير الأمريكي السابق إلى سوريا روبرت فورد Robert Ford: "لو ساعدنا المعتدلين في صفوف المعارضة السورية بالأسلحة والمساعدات الأخرى غير الفتاكة قبل عامين لما استطاعت جماعات القاعدة التي تكسب أتباعاً أن تنافس المعتدلين الذين نتفق معهم على الكثير من الأمور". وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون Hillary Clinton، أكّدت في مذكراتها "خيارات صعبة "Hard Choices أنها كانت تريد تسليح وتأهيل مقاتلي المعارضة السورية لكي يتمكنوا من التصدّي للقوات السورية. ولكن أوباما "كان ميالاً إلى إبقاء الأشياء على حالها، وليس الذهاب أبعد من خلال تسليح المعارضة". قبل أيام، تحدث وزير الدفاع الأمريكي السابق، ليون بانيتا Leon Panetta، عن رفض أوباما نصيحة قدمها له هو ووزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون في العام 2012 للبدء بتسليح المعارضة السورية وقال: "اعتقد أن وضعنا كان سيكون أفضل لو أن بعض العناصر المعتدلة في قوات المعارضة تواجه الأسد".

أوساط المعارضة السورية تلقّفت هذه الأقوال وراحت تصرخ: "أنظروا. أميركا لم تساعدنا". الآن، لنعدْ إلى كلمة بايدن. قال نائب الرئيس الأمريكي: "الفكرة التي تقول إنه كانت هناك إمكانية لدعم معارضة سورية معتدلة في السابق هي قصة خيالية. الحديث عن أنه كان بإمكاننا أن نتصرّف بشكل أسرع هو محض تلفيق. كان يمكننا ذلك لو كنا قادرين على العثور على كل المعتدلين". وأضاف: "لم نكن نعرف من هي القوى السياسية الوسطية المعتدلة. نحن الأمريكيون نظن أنّ هنالك في كل دولة في مرحلة انتقالية، توماس جيفرسون Thomas Jefferson مختبئ وراء صخرة ما أو جايمس ماديسون James Madison خلف كثب رملي. في سوريا لم نعثر على الوسط المعتدل. من يشكلون هذا الوسط هم التجار لا المقاتلون، هم من يمتلكون خصائص طبقة وسطى في هذا البلد".

إذن أميركا كانت تنتظر ولادة معارضة سورية مقنعة يمكن العمل معها. ولكنها لم تجدها. صحيح أنها دعمت المجلس الوطني السوري ثم دعمت الائتلاف السوري. ولكنها لم تكن مقتنعة بهذه الشخصيات التي لا تمتلك صفات جفرسون وماديسون ولا تمتلك التأثير المطلوب على الأرض.

تعقيدات قيّدت أميركا

"بعض أعضاء الإدارة السابقين كانوا يحاولون إقناعنا بضرورة دعم معارضة لم نكن قادرين على تحديد مدى اعتدالها وأن نمدّها بصواريخ أرض جو. هل يمكنكم تخيل ما كان ليحدث لو أننا قمنا بذلك؟ هل يشك أحد في أن هذه الأسلحة كانت ستجد طريقها إلى أيدي عناصر النصرة أو القاعدة أو الدولة الإسلامية في العراق والشام؟"، قال بايدن.

كلام نائب الرئيس الأمريكي لا يهدف إلى إيجاد تبريرات لبلاده. كلامه واقعي جداً. يمكن التأكد من ذلك من خلال بعض التعليقات التي تصدر حالياً بعد قرار الولايات المتحدة دعم القوى التي تقاتل "الدولة الإسلامية" على الأرض. يتحدث جوزيف كريستوف Joseph Christoff المدير السابق للشؤون الدولية وقضايا التجارة في مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي عن اختبار بلاده سابقاً تجربة تزويد المتمردين في العراق بأسلحة أمريكية وعن مواجهتها تحدّيات كبيرة واكتشافها أن بعض هذه الأسلحة سيتسرّب إلى "الأعداء" ويتساءل: "كيف سنقوم بذلك بشكل آمن في هذا البرنامج الجديد (تسليح المعارضة السورية المعتدلة)؟". من ناحية ثانية يلفت مدير "مجموعة بحوث النزاعات المسلحة" جيمس بيفان James Bevan إلى أن "قوات الأمن والدفاع التي زودّتها دولٌ أجنبية بالذخائر، لم يكن لديها، في الواقع، القدرة على الاحتفاظ بقبضتها على تلك الذخائر"، ويؤكد أن "تقديم أسلحة إلى وكلاء إقليمين يشكل خطراً كبيراً تشتدّ وطأته مع وجود قوى أمنية فاسدة".

أفق التدخل الأمريكي

لن تفهم المعارضة السورية هذه التعقيدات لأنها تستعجل سقوط النظام السوري وتظنّ أن ذلك سيكون خاتمة أحزان السوريين. كيف لمعارض لم يكلّ عن التنظير لأخلاقية الثورة السورية وعن تبرير التجاوزات، أن يفهم أن المسلّح غير المنضبط يمكن أن يشكّل خطراً؟ وكيف لزميل له يرتبط بعلاقات جيّدة مع كل الدول الإقليمية الداعمة لإسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، والتي تتصارع على الأرض السورية، أن يفهم أن عملها لا يخلق إلا الفوضى. وكيف لثالث يظنّ نفسه جيفرسون سوريا أن يقتنع بأن جيفرسون السوري لم يولد بعد؟

"ما الذي يحصل الآن؟ فجأة، الجميع استيقط... لم نستطع إقناع حلفائنا بالتوقف عن تمويلهم (الإرهابيين). الآن فجأة، ولا أريد أن أبدو شديد الفكاهة، هبط عليهم الوحي"، قال بايدن. إذن، لم تنضج ظروف العمل المشترك إلا بعد استشعار حلفاء أميركا خطر "الدولة الإسلامية" عليهم. تم تشكيل التحالف الدولي وصار ممكناً البدء بخطوات عملية.

أميركا ستدرّب مجموعات معارضة سورية معتدلة. هذا العمل ليس جديداً. "بما أن الأمر أصبح رسمياً، درّبنا قوات معتدلة، لكن كنا شديدي الانتقائية، فقد كان علينا التأكّد من هوية من ندربهم. وهم الآن، والأرقام سرية، أكثر من بضعة آلاف في البلاد، وسيكون هناك أكثر"، أكّد بايدن نافياً قول بعض المعارضين: "أميركا تركتنا لوحدنا".

اختبرت أميركا في العراق وفي ليبيا نظرية إسقاط النظام الحاكم وتأكّدت أن هذا العمل إذا تم سريعاً لا يؤدي إلى الاستقرار. كل ما في الأمر أن الحرب الأهلية التي ستنشب في حال بقاء النظام ستتأجل إلى ما بعد سقوطه. الاستثمار في إسقاط الأنظمة ليس أكثر من استثمار في الفراغ وستذهب جهود أميركا هباءً. والأسوأ أن الجميع سيقول: "أميركا هي المسؤولة عن الفوضى"، "إيران هي التي تستفيد من الحروب الأمريكية".

هذه المرّة، تعلّمت أميركا من دروسها السابقة. "الآن نجحنا في تشكيل تحالف من جيران سوريا السُنّة. أميركا لا تستطيع، مرة جديدة، أن تذهب إلى دولة إسلامية، وأن تكون المعتدية. لا بد أن يكون ذلك تحت قيادة سُنّية، لتهاجم منظمة سُنّية"، قال بايدن.

التعليقات

المقال التالي