ما هي القواسم المشتركة بين فاشية أوروبا وداعش؟

ما هي القواسم المشتركة بين فاشية أوروبا وداعش؟

شهد هذا العام صعوداً سريعاً للتطرف الإسلامي في المنطقة، وسيطرت الجماعات السلفية الجهادية المتشددة على مساحات واسعة من الأراضي، حتى أنها قامت بمسح الحدود المرسومة بين العراق وسوريا منذ اتفاقية سايكس-بيكو. صعود مشابه حصل في العقد الرابع من القرن الماضي، وهو صعود القوى الفاشية في عدة دول أوروبية إضافة لليابان. الكثير من النقاط المشتركة تجمع بين الفاشية الصاعدة في أوروبا والتي انتهى صعودها بخسارتها للحرب العالمية الثانية، والفاشية الدينية التي يؤسس لها تنظيم الدولة الإسلامية في المنطقة العربية. في ما يلي أهم هذه التقاطعات.

إحباط اقتصادي

بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت أوروبا إجمالاً تعاني من الدمار الكبير الذي أصاب بناها التحتية، وبعض دولها– على رأسها ألمانيا– تعاني من التعويضات التي عليها أن تدفعها إثر معاهدة سان جرمان. الولايات المتحدة كانت على رأس المقرضين الذين ساعدوا بعض الدول على تجاوز محنتها، ولكن مع الكساد الاقتصادي العالمي الذي بدأ في 1929، لم تعد الولايات المتحدة قادرة على إعانة أوروبا على النهوض باقتصادها بعد الحرب، الأمر الذي أدّى إلى إحباط اقتصادي في أوروبا عموماً، وفي ألمانيا المحرك الأساسي لصعود الفاشيات والحرب العالمية الثانية خصوصاً.

في العراق، لا يزال الوضع الاقتصادي متردياً منذ الغزو الأمريكي، سواء بسبب التوقّف الطويل الذي أصاب الإنتاج النفطي أو بسبب انعدام الاستقرار السياسي والأمني اللازم لاجتذاب استثمارات كافية، وعدم تحقيق فوائد من الانتعاش الذي أصاب القطاع النفطي العراقي في السنين الأخيرة (العراق في المرتبة 130 من أصل 142 في تقرير الازدهار الاقتصادي 2013)، الأمر نفسه في سوريا وإن كان بصورة أقل وضوحاً قبل عام 2011. فإضافة إلى السياسات الاقتصادية المتبعة في العقد الأخير، تحت مسمّى التحول إلى اقتصاد السوق الاجتماعي، عانى السوريون منذ أواخر عام 2011 من تدنّي قيمة العملة المحلية أمام الدولار الأمريكي، لتنخفض من نحو 45 ليرة سورية للدولار، إلى أكثر من 300، وتعود للتعافي لتستقر في حدود 160 - 170 تقريباً الآن، الأمر الذي انعكس ارتفاعاً في الأسعار بدون ارتفاع مساوٍ أو مقارب في مستوى المداخيل.

انتماء قديم متشدد

ربما هنا يكمن الاختلاف الأساسي بين الفاشية الأوروبية والفاشية الدينية في العراق وسوريا، ففي حين كانت الفاشيات الأوروبية تغالي في الانتماء القومي لدولها، فإن فاشية البغدادي تغالي في الانتماء إلى الدين الإسلامي، ولا يقصد فقط التشدد في تطبيق أحكام الشريعة، بل في التمييز العنصري الذي تمارسه ضد غير المسلمين السنة، المماثل للتمييز العنصري الذي كانت تمارسه فاشيات أوروبا ضد اليهود وغيرهم من الأعراق غير الآرية في الحالة الألمانية.

ولكن هذا الاختلاف يصبح تشابهاً، إذا ما قارنا استعانة هتلر بما اعتبره "عناصر آرية" خارج الحدود الألمانية، واستعانة البغدادي بعناصر أجنبية يجمعها بتنظيمه مجرد كونها عناصر مسلمة تؤمن بالجهاد الذي يدعو إليه، إذ تشير معظم التقارير إلى كون تنظيم الدولة الإسلامية هو الأكثر احتواءً لمقاتلين أجانب بين التنظيمات الجهادية الأخرى في المنطقة. كذلك لا بد من الانتباه أن البغدادي لم يتجاهل انتماءه القومي، إذ كان ظهوره العلني الأول بوصفه "أمير المؤمنين" من الموصل العراقية، وليس من الرقة مركز قوة التنظيم كما توقع الكثيرون. معظم التنظيمات الفاشية كانت كذلك على علاقة جيدة بالكنيسة، وخصوصاً في الدول التي كان ينتشر فيها المد الاشتراكي واليساري، هذا المدّ ذو العلاقة السيئة بالمؤسسات الدينية بشكل عام والكنيسة الكاثوليكية بشكل خاص.

تأديب البيت الداخلي

على الرغم من الانتماء القومي المتشدد لدى الأحزاب الفاشية الحاكمة في أوروبا، فإنها كانت تتعاطى مع معارضيها– المنتمين لعناصر متفوقة وفقاً للنظرة العنصرية– بقبضة حديدية، أدت لظهور تنظيمات الشرطة السرية، مثل الغستابو، وإن كان معارضوها ينتمون لنفس الشريحة العرقية أو القومية التي تتعصب لها هذه الأحزاب. من أمثلة هذا القمع الشديد ما تعرض له الشيوعيون– منافسو الحزب النازي في الانتخابات– في ألمانيا من قمع، وما تعرضوا له من تشهير وذم في الأدبيات النازية، وعلى رأسها كتاب "كفاحي" لأدولف هتلر.

الأمر نفسه يتكرر مع تنظيم الدولة إذا اعتبرنا أن الحاضنة الدينية فيه توازي الحاضنة القومية للفاشية الألمانية، فهو على الرغم من التعصب الشديد للمسلمين السنة، يوجه "جهاده" حتى الآن نحو المسلمين السنة غير المؤيدين لمشروعه، ومعظم المناطق التي استهدفها التنظيم بعملياته العسكرية هي مناطق ذات أغلبية سنية، بل تسيطر عليها جماعات جهادية أخرى في كثير من الأحيان.

مقاومة منقسمة

في الحرب الأهلية الإسبانية التي كانت تتمثل بطرفين، الأول الفاشي بقيادة فرانكو، والثاني الجمهوري، كان الطرف "غير الفاشي" منقسماً على نفسه، بين الجمهوريين والحزب الشيوعي مدعومين من الاتحاد السوفياتي بالسلاح والمال من جهة، والأحزاب والاتحادات العمالية اليسارية من جهة. الخلاف بلغ أوجه عندما أعلنت حركة الـP.O.U.M الأناركية تنظيماً محظوراً، وزجّ بجميع أعضائه ممن وصلت أيدي الشرطة الإسبانية لهم في السجون، وأُعدم الكثير منهم بدون محاكمة، أو احتُجزوا في ظروف سيئة، وتم في ما بعد ضم جميع الكتائب المقاتلة إلى ما يعرف باسم الجيش الشعبي، ملغياً التعدد الأيديولوجي ومن وراءه المنظماتي للمقاومة الجمهورية.

في المقابل، إضافة إلى الاقتتال الداخلي بين النظام السوري مع كتائب المعارضة المسلحة منذ أكثر من عامين، فإن المعارضة المسلحة التي كانت أول من رفع السلاح بوجه تنظيم الدولة تبدو اليوم أكثر انقساماً من أي وقتٍ مضى، فالجبهة الإسلامية– المواجه الرئيسي للتنظيم– أعلنت في وقتٍ قريب توحيد كتائبها في حلب، ولكن لم يتضمن هذا القرار حركتي أحرار الشام ولواء التوحيد، اللتين تعتبران من المكوّنات الرئيسية للجبهة. في العراق لا يبدو الوضع أفضل، فحكومة المالكي تعرضت لضغوط كبيرة معتبرة سياساتها سبباً في الانتصارات السريعة لداعش، وانتهت بالإطاحة بها بمباركة أمريكية إيرانية. ورغم ذلك لا يبدو أن الأزمة السياسية حُلت بالعراق، وما زال الكثيرون يرتابون من اتساع النفوذ الإيراني، إثر المقاومة المسلحة لنفوذ تنظيم الدولة الإسلامية.

الصعود السريع

إثر الإحباط الاقتصادي والاجتماعي الذي أصاب معظم الشعوب الأوروبية، كان صعود الفاشية مدوّياً وسريعاً، إذ تمكنت من الصعود إلى سدّة الحكم في كل من ألمانيا وإسبانيا وفيما بعد خارج أوروبا في اليابان خلال سنوات قليلة، مدعومة بفاشية راسخة تقدم الدعم في إيطاليا منذ 1922. الأمر نفسه يتكرر في ما يتعلق بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، فبالكاد يفصل عام أو أكثر بين الانشقاق الذي حصل عن جبهة النصرة وتنظيم القاعدة (9-4-2013)، وإعلان الخلافة التي تسيطر على مساحات واسعة من الأراضي العراقية والسورية (29-6-2014)، مع وجود بذور قديمة للجهادية المماثلة، كنظير للفاشية الإيطالية، سواء المسيطرة على أفغانستان، أو المساحة الكبيرة التي أتيحت لتحرك الجهاديين في سوريا إثر الحرب الدائرة.

النقطة المشتركة المتبقية ليكتمل التطابق بين الفاشيتين هي الهزيمة النكراء التي تعرضت لها الفاشية في العالم إثر الحرب العالمية الثانية، وتحول الأفكار الفاشية لمحرمات في الخطاب العام الأوروبي، ولكن ببعض الأمل ألا تحتاج هزيمة الفاشية الجديدة لحرب طاحنة كالحرب العالمية الثانية التي أودت بحياة عشرات الملايين من المدنيين والعسكريين.

تم نشر هذا المقال على الموقع بتاريخ 23.08.2014

مناف زيتون

كاتب ومدون وصحفي سوري.

التعليقات

المقال التالي