كيف ننتصر على داعش؟

كيف ننتصر على داعش؟

هل سيستطيع أوباما بتحالفه الدولي أن يهزم داعش؟ قوية هي الاحتمالات التي ترجّح أنه سيتمكن من إضعاف التنظيم كثيراً وتقليص مناطق نفوذه. الضربات الجوية، إضافة إلى دعم القوات المحلية في العراق وسوريا وتجفيف منابع التمويل، ستمكن هذا التحالف من حصار التنظيم فخنقه شيئاً فشيئاً. ولكن هل سيموت داعش أم سيصاب بشلل مؤقت، أو سيتحول إلى تنظيمات داعشية محلية تتناثر في دول وقارات عدة مثل القاعدة؟

هذا الفكر التكفيري الذي انتشر كالنار في الهشيم بأموال وفتاوى عربية لن يموت بسهولة. المعركة الأكبر والأهم لن تكون تلك التي يخوضها سيد البيت الأبيض وتحالفه بل تلك التي سيخوضها العرب أنفسهم في محاربة هذا السرطان الديني الذي انتشر بفعل مراهنات قصيرة النظر على استخدام التكفير كسلاح إقليمي. في كل معارك التاريخ، لم يكن السيف هو الذي يهزم الأفكار. لا تقارع الفكرة إلا بفكرة أخرى، ولا يُهزم التطرف إلا بجهد فكري منظّم لنزع أظافر وأنياب وحش التكفير الذي نما بيننا. هناك إذاً معركة أخرى لن يتمكن أي تحالف من خوضها، ما عدا التحالف العربي.

اعلان


إن نظرة سريعة على الدور الهزيل وغير المقنع للمؤسسات الدينية الرسمية في البلاد العربية تشرح لنا لماذا احتل أئمة التكفير ودعاة التشدد عقول العديد من الشباب العرب. ففي الوقت الذي يتحدث رئيس وكالة الأمن القومي الأمريكية عن عنف داعش في هجماته الافتراضية على عقول الشباب عبر تويتر ووسائل التواصل الاجتماعية الأخرى نرى تهافتاً في الأداء الرسمي الديني في العالم العربي. مشيخة الأزهر مثلاً لديها 1614 متابعاً على تويتر فقط، في الوقت الذي يحظى شيوخ الفتاوى الجهادية مثل العريفي بتسعة ملايين وأربعمئة وسبعين ألف متابع. لا يكفي أن يخرج علينا شيخ الأزهر بتصريح يكرر فيه نظرية المؤامرة ويغض النظر عن الأسباب الحقيقية وجذور نشأة داعش الاسلامية ليقول إنها مؤامرة صهيونية.

إن الأولوية القصوى في هذه المرحلة لمؤسسة تتسنّم سدّة الزعامة الدينية السُنّية أن تواجه فتاوى داعش وأعمالها بتوجيه خطاب مقنع للشباب يتجاوز العبارات التقليدية المحنطة عن الاستعمار وتشويه الإسلام إلى الردّ على الأسانيد الشرعية التي تستند إليها داعش. منظرو القتل المقدس يهجرون ويذبحون ويغتصبون النساء بأغطية دينية من تفاسير للقرآن وأحاديث نبوية، وهم في هذا يستغلون ضعف المعرفة عند الشباب والسبات الذي تقبع فيه المؤسسات الدينية الرسمية. نحن بحاجة لأن نرى نشاطاً شبابياً من طلاب الأزهر وغيرهم ممن يدعون للإسلام الوسطي في حملة لكسب عقول الشباب ممن فقدوا البوصلة تحت وطأة الفساد السياسي والفقر وفقدان الأمل. إن هذا الجهد بالتعاون مع الدعاة المعتدلين ممن يتسمون بالوسطية ولهم جمهورهم، قادر على أن يعطل آلة الدعاية الجهنمية لداعش.

ومما يستتبع ما سبق بالضرورة هو فرض رقابة صارمة على الفتاوى وتنقية جريئة لمناهج التدريس التي تحتوي بعضها على ما لا يقبله عقل ولا يمكن تطبيقه في عالمنا المعاصر من فتاوى عتيقة تخطاها الزمن.

كما لم يعد مقبولاً أن يدرس الدين على أن المجد الحقيقي للمسلمين كان في قمع الآخرين وإلغاء الآخر. إن تقليص المساحة المقررة لدراسة الأمجاد العسكرية لمصلحة الترويج لأفكار التعايش والتنوّع الفكري التي كانت تسود أيام العباسيين والأندلسيين كفيل بتنمية الشعور بقبول الآخر عوضاً عن إلغائه. إضافة إلى التهوين من شأن الخلافات المذهبية وإعطائها حجماً طبيعياً باعتبار الخلاف في الرأي والتفسير أمراً طبيعياً وإنسانياً ولا يستدعي التكفير والقتل. أما القول بأن كراهية المخالف تعبد وقربى لله فهو ما سينتج لنا بكل تأكيد جيلاً داعشياً يرى في قطع الرؤوس عملاً مقدساً، في الوقت الذي تتقلص المساحة بين البشر يوماً بعد آخر وتصبح القدرة على التفاعل مع الأمم الأخرى أكثر أهمية وأشد إلحاحاً.

نحن أيضاً بحاجة ماسة لإصلاحات جادة تضمن للشباب مشاركة فاعلة في المجالس المحلية والنيابية ودوراً يحافظون عن طريقه على انتمائهم ويجعلونه مستحقاً للدفاع عنه بدلاً عن تهديمه. إن الإحساس الشامل لدى هذا الجيل أنه مهمش أو مستبعد من المشاركة السياسية الاجتماعية يجعله يشعر بأنه في منفى داخل وطنه. ومع القليل من الشحن الفكري والديني والاستشهاد بالمقدس الذي يستثمر الغضب الكامن والإحباط في النفوس الغضة الضعيفة المناعة، يصبح الشاب مستعداً لبناء مجتمعه الخاص على أنقاض مجتمعه الأصلي القامع له. وتأتي النتيجة تهديماً لا بناء لأنه لا يعي أنه استغل لأغراض سياسية ضيقة من قبل من ظن أنه يثور عليهم.

إن التركيز على أن المضمون الانساني  للدين أهم بكثير من الشكل الإجرائي بل وأكثر منه قداسة أمر في منتهى الأهمية في تغيير الفهم العربي للدين وتطبيقاته وتخليصه من إشكالية الدين في مواجهة المدنية الحديثة. الدين مثلاً ينظم الرقّ بقوانين وفتاوى متعددة في حين أن الحياة الحديثة تجاوزت هذا الأمر بمراحل بل وجرمته، فلماذا لا ينطبق هذا على قوانين العقوبات الشرعية وعلى مسائل إجرائية أخرى لا تمسّ جوهر الدين. إنه من الجلي لكل ذي عقل أن الفهم القديم والتفاسير الموروثة للنصوص المقدسة لا يتفق مع العصر الحالي. الدين عموماً بحاجة لمقاربة أكثر عصرية تستلهم تراثه الإنساني وتبتعد عن الإجراءات التي لا تمثل في الحقيقة سوى أسلوب للعقوبة والردع يمكن استبداله بما نراه من أساليب حديثة من سجن وغرامات عوضاً عن الجلد وقطع الرؤوس. وحين نجيل النظر في المدارس الفقهية الإسلامية فإننا نجد فيها سعة في التفسير وفي تناول النص بأكثر من زاوية. وحتى لو لم نجد، فما هو الضير في فتح باب الاجتهاد وإعادة فهم النصوص في ضوء ما قدره الله على البشر جميعاً من تغيّر في الفكر والظروف تستوجب تغيّراً في الحركة الإنسانية التي ينظمها الدين عند شعوبنا العربية. ومن هنا ننطلق للنقطة الأخرى.

لماذا يحتل الدين عندنا مساحة أكبر بكثير مما هو صحي إلى درجة أنه يخنق أي أفكار مدنية أخرى ثبت بالتجربة الإنسانية أنها صالحة لزماننا. الشعوب الأخرى تطورت وتقدمت لا بمعاداة الدين ولكن بوضعه في مكانه المناسب من حيث كونه اعتقاداً شخصياً تحترمه الدولة وتوفر له مساحته المقبولة بشرط عدم تجاوزه على حريات الآخرين. وفي هذا سعة كنا نشهدها في القديم في دولنا العربية وبدأت تتضاءل عندنا مع تقلص مساحة التسامح وتزايد التشدد المفضي لداعشية اجتماعية  إقصائية نراها كل يوم في تصرفاتنا وأقوالنا.

ربما تكون هذه المرحلة هي مرحلة انعطاف جدية في حياة العرب خاصة والمسلمين عامة. فإن هم استطاعوا أن يوظّفوا معتقداتهم بشكل يتناغم مع الحركة الإنسانية كلها ويستجيب لتحدي البقاء فستكون هذه لحظة الانتصار الحقيقية. أما إذا استمروا قابعين في كهوف التفسيرات العتيقة لمعتقداتهم فهنا يكمن النصر الحقيقي لداعش الذي لن تتمكن من تغييره جيوش العالم أجمع.

تم نشر هذا المقال على الموقع بتاريخ 23.09.2014

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي