دَعَشَ يَدْعَشُ دَعْشَاً

دَعَشَ يَدْعَشُ دَعْشَاً

تحول تنظيم "داعش" الإرهابي إلى مادة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، فالمغالاة في "تطبيق الشريعة الإسلامية" تُعد مصدراً ثريّاً لصنَّاع الكوميديا، ولعل الأمر يعود بالدرجة الأولى إلى عِظم المأساة التي لا يحتملها العقل البشري، مما يُخرجها عن المعالجة المنطقية إلى السخرية. يُذكِّرنا هذا بالعبارات الهازئة التي كانت تنتشر في الشارع السوري إثر كل قرار أو خطاب أو مصطلح جديد يخرج به النظام، كما يذكرنا بما نشره النشطاء المصريون ضد حسني مبارك أو محمد مرسي من لوحات كاريكاتورية.

لطالما كان "فن السخرية" وسيلة سلمية فعَّالة لإسقاط الديكتاتوريات والحكام الفاسدين، ففي صربيا، بعدما يئست حركة  "أوتبور!" Otpor! من جميع الوسائل المتاحة للإطاحة بنظام ميلوسوفيتش Milosevic عام 1999، قام نشطاؤها بإلصاق صورته على برميل ودحرجوه في الشوارع. عندئذ، لم يكن بإمكان الشرطة اعتقال برميل، كما أنهم لم يعرفوا من الفاعل. هذه الحادثة هزت عمق نظام ميلوسوفيتش وجعلته مادة للنكات في أرجاء البلاد. أما تنظيم "داعش"، فإنه يبدو بمفارقاته العجيبة مادة أكثر إثارة للكوميديا السوداء من كل الديكتاتوريات عبر التاريخ، مما شكّل مادّة دسمة لـ"فن السخرية" في العالم العربي.

اعلان


فريق كرة القدم الداعشي

كأكثر الفنون الشعبية، يغلب على الفن الساخر مجهولية القائل، إذ يتم تداوله بسرعة هائلة بناء على محتواه فقط. لذلك بقيت النكتة أسلوباً يستخدمه الأذكياء لإيصال رسائلهم مع الحفاظ على سلامتهم من بطش المستبد.

إذا أردنا أن نعرف سلوك المستبدين ومدى ظلمهم، فما علينا سوى أن نطلع على النكات التي تتداولتها شعوبهم. هكذا تداولت المواقع ما قيل إنه "أحكام كرة القدم حسب الشريعة الإسلامية الداعشية". ومع أنها مقدَّمة في قالَب كوميدي، فإن أكثرها ليس بعيداً عما تطبِّقه "داعش" فعلاً.

وهذه بعض الأحكام: "عدم الانفراد بالـمرمى إلا بوجود مُحرَم. اللاعب الذي يحصل على طردٍ كفارته كفالة يتيم. يُمنع حساب الهدف خارج الأرض بهدفين لشبهة الربا. الخروج على الحَكم جائز إذا لم يحكم بما أنزل الله. استبدال الصفارة بالدف إذ إن الصفارة من المعازف المحرمة شرعًا. الشورت يجب أن يكون شرعياً تحت الركبة.

أن يقول اللاعب عند كل ضربة للكرة: "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى". عدم استقدام حكام أجانب حيث إنه لا ولاية لكافر على مسلم. إلزام جميع اللاعبين بأداء سجدة شكر بعد كل هجمة حتى لو لم يتم إحراز هدف. في حال تقدم فريق الخصم بهدفين أو أكثر يجوز لكابتن الفريق إعلان الجهاد.

يُمنع الفرح عند تسجيل الهدف "إِن الله لا يحب الفرحين" (القصص:76). لا يجوز للمشجعين ترديد أي هتافات سوى "الله أكبر". حكم الهجمة المرتدة القتل.

كم حرف ألِف في "صحيح البخاري"؟

قبل أشهر أعدمت داعش سائقَي شاحنة لأنهم ليسوا من الطائفة "السنية"، وكانت وسيلتهم لمعرفة ذلك سؤال الضحايا عن عدد ركعات "صلاة الفجر"، كما يظهر في شريط فيديو مؤلم صوروه بأنفسهم. بعد مدة نشر مسلسل "وطن ع وتر" حلقة إعدام متخَيَّلَة لعدد من السائقين بناء على أسئلة مشابهة.

كاريكاتير"مصرف داعش المركزي"

السخرية من تنظيم داعش - المصرف المركزي

"بابا نويل" يصبغ لحيتَه

وبين حواجز "داعش" أجبِرَ "بابا نويل" على تغيير ملابسه الحمراء إلى الثوب الأفغاني، وصبغ لحيته كي تتوافق مع الشريعة، حتى وقع بين أيدي عناصر النظام، وذلك في لوحة "مبادرة" من مسلسل "بقعة ضوء".

دَعَّشَ تدعيشاً: بالَغَ في دَعْشه

أحد النشطاء السوريون نشر في صفحته على الفيسبوك "دعوة لإدخال داعش إلى لسان العرب"، واضعاً تفاصيل كاملة لجذر كلمة "دَعَشَ" واشتقاقاتها ومصدرها وصيغ مبالغتها وأفعالها مع الأمثلة: "دعشَ القومُ قوماً: غزوا ديارَهم وأجبروهم على أن يكونوا مثلهم بحدّ السيف وفرضوا عليهم أعرافاً غريبة عنهم. ودَعَشَ زيدٌ عمراً: قتله ذبحاً دون وجه حقّ. وقيل أيضاً: دَعَشَ القومُ، أي هبّوا للدعْش أو همّوا به. قال المُفستَق (من بحر الكامل) دعشَ الأميرُ لمالها وثمارها/ فسقاه أهلُ الشام من أهوالها. ومصدر دَعَشَ: الدَّعْش، دَعَشَ  دَعْشَاً. لكنّ العرب استخدمت المصدر لوصف الناس أيضاً. يُقال: رجلٌ دَعْشٌ، أي يُكثر من التهديد والوعيد، أو يعتدي على غيره دون وجه حقّ. والداعِشُ: مَن يقوم بفعل الدعْش، وجمعه دَوَاعِش. وسُميّ الدواعش أيضاً الدُعَّش. ومفعوله مَدْعُوش، أي مَن يُمارَس عليه الدعْش أو يذهب ضحيّته. وانْدَعَشَ المرء: ذهبَ ضحيةَ الدَّعْش. ودَعَّشَ تدعيشاً: بالَغَ في دَعْشه. والاسم: دَعّاش، وتصغيره: دُوَيْعِش. ومثلها أدْعَشَ إدْعاشاً.

مدَد مدَد يا سيدي، يا ابو بكر البغدادي

أطلَقَتِ الفرقة الموسيقية اللبنانية "الراحل الكبير"، أغنية بهذا العنوان للسخرية من "داعش" وأميره، ومما جاءَ فيها: "عشان الثورات فتنة وشعور النسوان فتنة، أهو كلنا فالحيط فتنا ولا دايم غير وجه الله".

كاريكاتير"سنطبق الشريعة حتى لو اضطررنا إلى مخالفة الشريعة"

السخرية من تنظيم داعش - كاريكاتير تطبيق الشريعة

للدعشِ يا طلائع

أنشئت بضع صفحات على الفيسبوك لتركيب النكات حول "داعش"، من هذه الصفحات "داعشيات" التي استبدلت المصطلحات المتداولة بين "الكَفَرة" لتُلائم عقيدة "داعش". من هذه المصطلحات فيسبوك الذي أصبح "وجه الكتاب"، والـ"آي فون" "أنا هاتف"، و"بلوتوث" الذي تحول إلى "الضرس الأزرق"، أما الـ"آي باد" فصار معناه "أنا سيء"، في حين استُبدِلَت الوزارات المعروفة بوزارات داعشية، ومنها "وزارة النقل" التي أصبح اسمُها "وزارة الدَّواب".

أما نشيد "للبعث يا طلائع" الذي ما زال يردده الأطفال السوريون في مدارس المحافظات التي يسيطر عليها النظام، فقد استُبدل بنشيد "الطلائع الداعشي" ومن كلماته: "للدعشِ يا طلائع، للشهادة يا طلائع، أقدامنا ألغام، طريقنا قذائف".

داعش والصليب

في إحدى البلدات اللبنانية رسم أمير داعش الصليبَ على جباه المسيحيين دعماً لهم، وهو طقس ديني يقام في "اثنين الرماد" الذي يُبتدَأ به الصوم. هذا ما يَظهر في فيديو "مبادرة داعشية" الذي بُثَّ على قناة "إل بي سي" اللبنانية. لكن ما الذي دفع الأمير حقيقة إلى القيام بهذا العمل؟

تبدو كلمة "داعش" التي طرأت فجأة على المعجم العربي طرفة بذاتها، كما أن فكرة "الدولة" ثم "الخلافة" التي يُصرُّ عليها تحولت إلى أضحوكة مُرَّة، إذ كيف يمكن لتنظيم لم يستطع بسبب مرجعياته الغامضة وتصرفاته الشديدة التطرف أن يكسب حاضنة شعبية فضلاً عن أن يقيم دولة! كل هذا العبث حوَّل التنظيم إلى رمز للسخرية عن طريق إعادة صوغ أفعاله بلغة الخيال، وسحبه من حيز الواقع نحو منطقة مُفترضة.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيد عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي