دروس يجب تعلّمها من تجربة "داعش"

دروس يجب تعلّمها من تجربة "داعش"

من تنظيم متواضع محاصر في بقعة عراقية صغيرة نسبياً، انطلقت "الدولة الإسلامية في العراق والشام" وتوسّعت في سوريا قبل أن تعود وتتوسّع في العراق نفسه ليصل الأمر إلى إعلانها تأسيس "الدولة الإسلامية". طريقة عمل هذا التنظيم تعطي دروساً في العمل السياسي ضد الأنظمة.

حين بدأت الثورة السورية، اهتمت المعارضة السورية بإسقاط النظام على حساب البحث عن شكل النظام الجديد. ضحالة مضمون الوثائق السياسية التي أنتجتها تؤكد ذلك فهي لم تقم إلّا بتكرار بعض الشعارات السياسية التي لا تعني شيئاً كونها لم تسفر عن ولادة تصوّر متماسك لعلاقة السلطة الجديدة بالمجتمع السوري المتنوّع قومياً ودينياً ومذهبياً. ظنّت المعارضة السورية أنها، بتذاكيها، تستطيع كسب تأييد فئات المجتمع السوري ذات المصالح المتعارضة.

اعلان


أمّا عملياً، فقد فشلت في إدارة المناطق المحرّرة فشلاً ذريعاً على كل المستويات. لم تفكّر في احتمال استمرار الصراع فترة طويلة، فكانت سياساتها الاقتصادية تقتصر على البحث في محتوى صناديق المعونات الغذائية. عسكرياً وأمنياً، شكّلت إطاراً هشّاً، "الجيش الحرّ"، وهو في الحقيقة لم يكن سوى تجمّع يضمّ، إلى المقاتلين المبدئيين، مئات المجموعات التي يتمحور تفكيرها حول اهتمامات متباينة. فعلى سبيل المثال، ظهرت مئات العصابات تحت مسمّيات ألوية أو كتائب ولم يكن طموحها يتعدّى استغلال الفراغ الأمني لتحقيق مكاسب مادية.

على العكس منها، اهتمت "داعش" بشكل النظام الجديد على حساب إسقاط النظام. فهي انطلقت من فرضية أكثر تماسكاً: المهمّ هو السيادة على أرض وبشر في سبيل توليد النظام المطلوب. لم تسمح للجغرافيا السياسية الكلاسيكية بأن تتحكّم بطبيعة الصراع. حدّدت بنفسها الخارطة التي تناسب أهدافها. بدأت بقضم الأراضي التي يسطر عليها الفريق الأضعف أي مجموعات المعارضة غير المتماسكة. لم تركّز اهتماماتها على مقارعة النظام السوري كيفما كان لأنها قرأت في ذلك حرب استنزاف لن تكون لمصلحتها وستمنعها من تنفيذ إستراتيجيتها.

وبعد أن تخلّصت "داعش" من ثقل تراث الجغرافيا السياسية الحديثة، راحت تستخدم مزيجاً من الإرهاب ومن القوّة الناعمة بشكل مدروس لتوسيع جغرافيا "دولتها". في نظر الممتعضين من ممارسات النظامين السوري والعراقي، شكّلت "داعش"، بإرهابها، النصير القادر على مقارعة عساكرهما كونها ذات شوكة وقادرة على الثأر. من ناحية ثانية، استمالت بعض الفئات الاجتماعية، وبشكل أساسي العشائر العربية السنّية، مقابل تقديمها وعود دنيوية لها.

نستطيع أن ننتقد مطوّلاً "الدولة الإسلامية" وأساليب عملها وأيديولوجيتها، ولكن رغم كل ذلك يسجّل لها أنها كانت تعرف ما تريده، على عكس المعارضة السورية. بالنسبة لها، هي تنشط لتأسيس "نظام" إسلامي. ولتأسيسه عليها، حيث تسيطر، أن تعيّن الولاة، تكلّف القضاة، تفرض الضرائب الإسلامية، تقيم المحاكم، تزيل المنكرات، تقيم الدروس الدينية في المساجد، على ما افتخر بإنجازه المتحدّث الرسمي للدولة الإسلامية، أبو محمد العدناني، في رسالته الأخيرة وعنوانها "هذا وعد الله".

يمكن أن نقول إن طموحات "الدولة" سطحية. ولكن بالنسبة لها كانت تمتلك تصوراً عمّا تريد القيام به. عملت، خلافاً للمعارضة السورية، على التواصل المباشر مع الناس ولم تخاطبهم عبر الوسائل الإعلامية التي لا تصل إلى بيوت الأغلبية الساحقة منهم. أعادت الاعتبار إلى العمل السياسي المباشر متجاوزةً مفهوم العمل السياسي كندوة أو كمحاضرة وهو المفهوم الذي انتشر أخيراً في أوساط الديمقراطيين والليبراليين العرب. أكثر من ذلك، لم تتسرّع في توسيع الرقعة الجغرافية لسيطرتها لأن التمدّد الجغرافي في ظلّ وجود مجموعات قتالية تختلف معها في الرؤية وفي الأهداف قد يكون مضرّاً لأنه سيولد صراعاً آجلاً. وهذا يعكسه تحذير قادتها المتكرّر من "الصحوات".

استخدمت "الدولة الإسلامية" أسلوب القوة الناعمة وسعت إلى كسب تأييد المجموعات الاجتماعية انطلاقاً من مقايضة بسيطة مفادها: دعونا نطبّق عليكم أحكام الشريعة ونحن نحقق لكم مصالحكم الدنيوية. على سبيل المثال لا الحصر، تم الاستيلاء على مدينة الموحسن، في محافظة دير الزور السورية، من دون قتال وذلك عبر تقديم إغراءات مادية لزعماء محليين من أجل كسب ودّهم. لإيضاح الدهاء في هذه الخطوة، نذكر أن الموحسن تُعرف بأنها "موسكو الصغرى" لأن غالبية سكّانها يميلون إلى الأفكار الشيوعية.

استخدام القوّة الناعمة ترافق مع مجازر هدفت إلى "إرهاب" الخصوم وتم ارتكابها عن سابق إصرار وتصميم. عندما انطلقت فرق "الدولة" العسكرية للسيطرة على ريف دير الزور الشرقي، مهّدت لذلك باتصالات واسعة مع العشائر. وحين كان أحدهم يرفض شروطها، كانت ترتكب بحقه مجزرة تدفع غيره إلى عدم تكرار تجربته. ارتكبت مجازر بشعة بحق عشرات المقاتلين الذين واجهوها كي لا تجرؤ مجموعة أخرى على مواجهتها. مقاتلو "الدولة" انطلقوا، في أفعالهم هذه، من تراث إسلامي يشيد بـ"إرهاب" الأعداء من خلال الممارسات ومن خلال الشكل الخارجي للمقاتلين، ولكنهم تقاطعوا مع نظريات سياسية حديثة تدعو إلى استخدام "العنف الثوري". هذه الممارسات تذكّرنا بوجوب تطوير نظريات التغيير السياسي بعيداً عن العنف البشع، ولكن من دون السقوط في أوهام إسقاط الديكتاتوريات من خلال تقديم الورود إلى عساكر "الأعداء".

بالنسبة إلى فكرة التبعية للخارج، وعلى عكس ما يسوّق كثيرون، فإن "الدولة الإسلامية" أقلّ تبعية من الائتلاف الوطني السوري. بعيداً عن الأخبار الأمنية، يمكن تبيّن ذلك في السياسة. لكي تنشأ دولة ما عليها أن تنال اعتراف دول أخرى بها، وهذا دفع ببعض فقهاء القانون الدولي إلى اعتبار "الاعتراف الدولي" ركناً رابعاً من أركان الدولة إلى جانب الأرض والشعب والسلطة. الائتلاف الوطني السوري وقبله المجلس الوطني السوري أنفقا معظم جهودهما على نيل تأييد الخارج لهما وعملا أقلّ بكثير على نيل تأييد السوريين لمشروعهما. بشكل من الأشكال، أرادوا أن ينصّبهما الخارج حكاماً على سوريا الجديدة. أما "الدولة الإسلامية" فقد انطلقت من مكان آخر تماماً. وفق حساباتها، كان المهمّ فرض تأسيس سلطة على الناس في بقعة جغرافية بدون إيلاء الاعتراف الدولي بها أي اهتمام. ما أولته المعارضة السورية أهميةً مطلقة وضعته "الدولة" في مُؤخَّر اهتماماتها.

لا شك في أن نموذج "الدولة الإسلامية" هو نموذج خطير يحتّم تضافر الجهود للتخلّص منه قبل أن يمتّن قواعده. ولكن أيضاً ينبغي الاعتراف بأن "الدولة"، في تجربتها السياسية، أعادت لفت انتباهنا إلى بعض أساسات العمل السياسي التي كانت غائبة عن تفكير الأغلبية الساحقة من الناشطين العرب.

تم نشر المقال على الموقع بتاريخ 14.07.2014

التعليقات

المقال التالي