داعش بعيون إسرائيلية

داعش بعيون إسرائيلية

في الداخل الإسرائيلي تخشى إسرائيل قليلاً من تمدّد "الدولة الإسلامية" (داعش سابقاً) في أوساط الفلسطينيين. أبعد من الداخل، تنظر إلى خطر إطاحة التنظيم بعضَ حلفائها المقربين واستهدافه لليهود في حول العالم. بين القلَقين، ترفض تغييب الحديث عن خطر هؤلاء الإسلاميين المتشدّدين للبحث في الخطر الإيراني وتحاول الاستفادة من الأجواء العامة لتنسج خيوطاً مع دول عربية انطلاقاً من مصلحة مشتركة مستجدّة.

قبل يومين، وضعت إسرائيل داعش على قائمة المنظمات "غير القانونية" بناء على توصيات "أجهزة الأمن العامة". هذا الإجراء، بحسب وزارة الدفاع، سيتيح للدولة العبرية اتخاذ إجراءات قضائية بحق المنظمة والأطراف الذين يدعمونها ويمولونها. وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعلون Moshe Ya'alon اعتبر أن هذا القرار هو "لغرض الدفاع عن أمن الدولة، وسلامة الجمهور والنظام العام".

خطر داعش على الداخل الإسرائيلي

وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي يتسحاق أهارونوفيتش Isaac Aharonovich نبّه من بوادر تشير إلى وجود نشاط لمؤيدي داعش في إسرائيل. حتى اللحظة، لا شيء يدعو إلى القلق، قال الوزير وأكّد أن "الشرطة ستتعامل مع هذه الظاهرة بالشكل المطلوب". قبله، كان عاموس يادلين Amos Yadlin، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي، قد أكّد أن "الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام، التي تسبب ذعراً على نطاق واسع، لا تشكل تهديداً مباشراً لإسرائيل". رؤية يعلون عبّر عنها أيضاً وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان Avigdor Lieberman.

رغم ذلك، لا يستطيع الإسرائيليون الحديث عن صفر مخاطر. إلى سوريا والعراق توجه حوالي 25 إسرائيلياً، من عرب الـ48، للمشاركة في الأعمال القتالية إلى جانب تنظيمات إسلامية متطرفة. 10 منهم ينتظمون في صفوف داعش، بحسب معلومات جهاز الأمن العام الإسرائيلي الشاباك. نستطيع الحديث عن خطر عودة الجهاديين إلى بلادهم وهو الخطر الذي يؤرق الأوروبيين ولكن إسرائيل، على عكس الدول الأوروبية، تدّعي أنها تعرف هؤلاء بالأسماء. من ناحية ثانية، وصل مقاتلو داعش إلى حدود الجولان المحتلّ ما يعني أنهم صاروا على تماس مباشر مع الإسرائيليين ويمكن أن يتحوّلوا إلى خطر يهدّد الكيان الإسرائيلي إن قرّرت "الدولة الإسلامية" تغيير ترتيبها لأعدائها لسبب أو لآخر.

مع ولادة مناخ دولي مناهض لـ"الدولة الإسلامية"، تحاول إسرائيل الاستفادة من المتغيّرات في ما خص القضية الفلسطينية. قبل يومين، قال وزير الاقتصاد نفتالي بينت Naftali Bennett، في مؤتمر هرتسليا: "إن إنشاء دولة فلسطينية سيقود إلى جعلها جبهة متقدمة لتنظيم داعش".

خشية على الحلفاء

تصنيف إسرائيل لخطر داعش كخطر هامشي داخل حدودها لا يمنعها عن اعتباره خطراً جدّياً يهدد حلفاءها المقربين وبالتالي يهدّد حدودها الآمنة. على رأس الدول التي تقلق إسرائيل من خطر هذا التنظيم عليها، تأتي الأردن. "استقرار الأردن يشكل مصلحة قومية إسرائيلية. وإسرائيل ستبذل كل ما في وسعها للحفاظ على هذا الاستقرار"، أكّد أفيغدور ليبرمان.

كل التصريحات الإسرائيلية في ما خصّ الخطر الذي تواجهه الأردن، تؤكد أن الجيش الأردني قوي وقادر على التصدي بنفسه لأيّ تحدٍّ أمني يُفرض عليه. أما إذا تبيّن أن الأردن تحتاج إلى المساعدة، فإن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يؤكد أنه "يجب أن نقوم بكل ما يمكننا القيام به من أجل تعزيز الأردن". "إذا كان هناك وضع طارئ فبالطبع ستقدم إسرائيل كل المساعدة المطلوبة. لن تسمح إسرائيل لجماعات مثل الدولة الإسلامية في العراق والشام بالسيطرة على الأردن"، قال وزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي يوفال شتاينتس Yuval Steinitz.

يستفيد الإسرائيليون من الوضع المضطرب الذي خلقته داعش لرفض مطلب نشر قوات فلسطينية في وادي الأردن، ويصرّون على بقاء هذا الشريط الحدودي تحت سيطرتهم المباشرة. "يجب أن نفهم أنه في أي اتفاق مستقبلي مع الفلسطينيين، يجب أن تحافظ إسرائيل على السيطرة الأمنية في الأراضي التي تمتد حتى الأردن ولفترة طويلة جداً"، قال نتنياهو. وأضاف: "من المستحيل الاتكال على قوات محلية (فلسطينية) مدربة من قِبل غربيين كي تقاوم الإسلاميين".

نافذة على السلام

"اليوم، تفهم دول عربية عدّة أن المشكلة الحقيقية في المنطقة ليست إسرائيل بل الإرهاب. وهذه الدول  على استعداد للتعاون، في الخفاء، مع اسرائيل"، قال الرئيس الإسرائيلي السابق شيمون بيريز Shimon Peres. يكرّر بيريز هذه النظرية في كل حديث سياسي يجريه في المدة الأخيرة. في حديث مع صحيفة "هافنغتون بوست" Huffington Post، أكّد أن تمدّد داعش قد يشكّل "أمراً إيجابياً بالنسبة لعلاقات السلام مع العرب"، فعندما يفهم العرب أن الخطر الحقيقي عليهم هو الإرهاب لا إسرائيل، "يصبح السلام مع الأعداء السابقين إمكانية حقيقية"، داعياً إلى تأسيس غرفة عمليات بين إسرائيل والدول العربية لمكافحة نشطاء الإرهاب، لأنهم يدمرون العالم العربي".

نظرية بيريز تتردّد كثيراً على لسان خبراء ومسؤولين إسرائيليين. البروفيسور موشيه معوز Moshe Ma'oz، الخبير في الدراسات الإسلامية في الجامعة العبرية في القدس،يعتبر أن "هناك أمام إسرائيل فرصة للانخراط في تحالف إستراتيجي في مواجهة التهديد الكبير الذي يواجهنا ويواجههم على أساس المثل القائل: عدو عدوي صديقي. إن حركة داعش تشبه السرطان، وهي آخذة في الانتشار، وهي أكثر تطرفاً من الإخوان المسلمين، ويجب على إسرائيل أن تكون جزءاً من الائتلاف الإقليمي الذي يحاربها"، مشترطاً حلّ القضية الفلسطينية من أجل قبول إسرائيل المشاركة في هذا الائتلاف. من جانبها، تؤكد وزيرة العدل الإسرائيلية تسيبي ليفني Tzipi Livni أن "الطريق للسلام يمر عبر النضال ضد الإرهاب الذي يجب العمل ضده بقوة" وتشير إلى أن "التهديد المشترك هو فرصة للاقتراب من العالم العربي".

اسرائيل جزء من التحالف الدولي

مع عمل أمريكا على بناء تحالف دولي يواجه تنظيم "الدولة الإسلامية"، لفتت تسيبى ليفني، إلى إنه "يتعين على إسرائيل أن تتحلى بالجرأة والمبادرة في ما يتعلق بدورها فى التحالف الدولي الذي يتشكل ضد تنظيم داعش. في زيارته الهادفة إلى رصّ الصفوف، لن يزور وزير الخارجية الأمريكي جون كيري تل أبيب. ولكن الغياب لا يعني استثناء اسرائيل، فهي ناشطة في هذا التحالف، ولكن من وراء الستارة لكي لا تنزعج من علنية مشاركتها بعض الدول العربية.

تعاون إسرائيل سيفيدها في تغيير صورتها السلبية التي تولّدها سياساتها تجاه الفلسطينيين. عاموس يادلين أكّد، في حديث أدلى به إلى الأذاعة الإسرائيلية، أن "المعلومات الاستخباراتية التي نجمعها عن الشرق الأوسط في مواجهة سلسلة من التهديدات هي إيران وحزب الله وما يحدث في سوريا والمنظمات الإرهابية في سيناء وفي قطاع غزة، هي معلومات جيدة جداً ونتقاسمها مع حلفائنا". في كل الحالات، تؤكد التسريبات أن إسرائيل قدمت صوراً جوية إلى أمريكا لدعم الحملة الجوية التي تنفذها في العراق وأن أمريكا تتقاسم مع حلفائها العرب معلومات إستخباراتية إسرائيلية دون الإشارة إلى مصدرها.

إيران هي الخطر الأول

أكثر ما تخشاه إسرائيل، في ظل الحرب الدولية على داعش، هو نسيان الخطر الذي تشكّله إيران خاصة أن بعض الصحافيين الإسرائيليين تحدثوا، بعد غزو الموصل، عن مصلحة مشتركة تجمع اسرائيل وأمريكا وإيران وحزب الله اللبناني. الدولة العبرية قلقة من إفضاء تقاطع المصالح بين أمريكا وإيران إلى تقارب بين الطرفين حول قضية الملف النووي الإيراني. القلق الإسرائيلي كان مدار بحث بين زعيم المعارضة الإسرائيلية يتسحاق هرتسوغ Isaac Herzog ومسؤولين رفيعي المستوى في البيت الأبيض. بعد الاجتماع قال هرتسوغ: "أقدر الموقف الأمريكي الذي يدرك أن التهديد الأول لا يلغي التهديد الثاني".

يصرّ المسؤولون الإسرائيليون على التذكير بخطر إيران وعلى ترتيبه كخطر أول. وزير العلوم يعقوب بيري Jacob Perry قال: "أنا ما زلت أعتقد أن الخطر الفعلي الأكبر على إسرائيل هو إيران". موشيه يعلون انتقد كون "العالم الحر متسامحاً جداً تجاه المنظمات الإرهابية، وتجاه الدول الداعمة للإرهاب" مشيراً إلى أنه "لا شك في أن النظام الإيراني يدعم الإرهاب، يسلح الإرهاب، يموّل الإرهاب". عاموس يادلين أّكّد أنه "يجب أن تبقى الأولويات منصبة على الأمن القومي الإسرائيلي، الطموح النووي الإيراني، تسلح حزب الله، التداعيات في سوريا ثم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام، وحماس". أما نتنياهو فقد اعتبر أن "التنظيمات مثل داعش، وحماس، وجبهة النصرة، والقاعدة، والشباب في الصومال، وحزب الله المدعوم من إيران تشكل خطراً واضحاً وفعليّاً على حضاراتنا وأسلوب حياتنا وقيمنا".

لا تستطيع إسرائيل التذرع بابتعاد خطر داعش عن الداخل الإسرائيلي لكي تتخذ وضعية المتفرّج. يكفي الاستماع إلى تصريح للمتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية إيمانويل نحشون Emmanuel Nahshon يقول فيه إن "الخطر الذي تمثله منظمات، مثل الدولة الإسلامية، أدى الى الهجوم الذي قام به جهادي من أصول فرنسية (مهدي نموش) ضد المتحف اليهودي في بلجيكا" ويكفي الانتباه إلى أن الصحافي الأمريكي ستيفن سوتلوف Steven Sotloff يحمل الجنسية الإسرائيلية للتأكد أن إسرائيل بشكل خاص ويهود العالم بشكل عام ليسوا بعيدين عن الخطر.

تم نشر المقال على الموقع بتاريخ 13.09.2014

التعليقات

المقال التالي