أبو مازن يمنع محاسبة إسرائيل

أبو مازن يمنع محاسبة إسرائيل

في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس إن "الحرب الأخيرة على غزة كانت سلسلة من جرائم الحرب مكتملة الأركان". وأضاف: "لن نسمح بأن يفلت مجرمو الحرب من العقاب". رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو Benjamin Netanyahu ردّ عليه من المكان نفسه بالقول: "جرائم الحرب الحقيقية التي ينبغي التحقيق فيها هي تلك التي ينفذها شركاؤك في حكومة الوحدة" فـ"حماس تبذل كل جهد من أجل أن يصاب مدنيون". حيال مثل هذا التراشق للاتهامات لا يمكن إلا لمحكمة أن تفصل في القضية. ولكن الفلسطينيين يتقاعسون عن إعلان قبولهم اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

فلسطين والمحكمة والقانون

اعلان


الحديث عن قيام المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في الانتهاكات الاسرائيلية للقانون الدولي الإنساني ليس جديداً. بعد الحرب الاسرائيلية على غزّة عام 2008، قدّمت السلطة الفلسطينية إلى المحكمة، في 22 يناير 2009 تصريحاً تعلن فيه القبول باختصاصها. درس مكتب المدّعي العام للمحكمة الطلب الفلسطيني وخلص، في أبريل 2012، إلى أن وضع السلطة الفلسطينية كـ"كيان مراقِب" في الأمم المتحدة لا يخوّلها التوقيع على نظام المحكمة الأساسي وبالتالي لا يخوّلها تقديم إعلان قبول اختصاص المحكمة.

فبحسب نظام روما الأساسي، تختص المحكمة الجنائية الدولية في التحقيق والمقاضاة في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وتقتصر صلاحيتها على النظر في الجرائم المرتكبة على أراضي الدول المنضمة إلى نظامها الأساسي أو من قِبل مواطنيها، أو الدول التي قبلت اختصاص المحكمة من خلال إعلان خاص، أو الجرائم التي يحيلها إليها مجلس الأمن الدولي.

ولكن في 29 نوفمبر 2012 تغيّر الوضع. في هذا التاريخ، منحت الجمعية العامة للأمم المتحدة فلسطين وضع "دولة مراقب غير عضو" وصار يمكنها أن تنضم إلى نظام روما الأساسي. تعتبر المحكمة أن الطلب المقدّم من السلطة الفلسطينية عام 2009 لا يمتلك مفعولاً رجعياً لأنها سبقت أن اعتبرته غير صالح  لكونه مقدّماً من كيان لا يتمتع بصلاحية تقديم طلب مماثل. كل ما على فلسطين فعله الآن، إن أرادت، هو تقديم طلب جديد لكي تسير الأمور بشكل طبيعي، وقد أكّدت هذا الأمر المدعية العامة للمحكمة، فاتو بنسودا Fatou Bensouda، في بيان نشرته قبل مدة، جاء فيه: "من المعروف أن القادة الفلسطينيين في حالة تشاور داخلي حول ما إذا كانوا سيقومون بذلك. إن القرار قرارهم وحدهم ولا يمكن للمدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية أن تتخذ هذا القرار نيابة عنهم".

استثمار سياسي للقانون

عندما يتطرّق المسؤولون الفلسطينيون إلى قضية انضمام فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية يصوّرون الأمر كأنه مسألة معقّدة تحتاج إلى وقت طويل مع أن كل القصة هي تقديمهم ورقة تعلن قبولهم باختصاص المحكمة. في الداخل الفلسطيني دار نقاش بين الفصائل الفلسطينية في شأن القيام بهذه الخطوة البسيطة لأن المحكمة لن تحقق فقط في الجرائم المحتملة التي ارتكبتها اسرائيل، بل أيضاً في الجرائم المحتملة التي ارتكبتها الفصائل الفلسطينية. من هنا كانت ضرورة موافقة الجميع لأن العدالة يمكن أن تشمل أطرافاً فلسطينية. في أغسطس الماضي، كتب نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، موسى أبو مرزوق، على صفحته على فيسبوك: "حركة حماس وقعت الورقة التي اشترط الرئيس (محمود عباس) موافقة الفصائل عليها قبل ذهابه للتوقيع على ميثاق روما".

في إجابة عن سؤال طرحته عليه الـ"بي بي سي" قال وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي، البارحة: "بعض فصائل المقاومة لم توقع على تلك الوثيقة، فقط موسى أبو مرزوق من حركة حماس هو من وقع ولم نتلق توقيعاً من أعضاء المكتب السياسي في حركة حماس. كذلك لا نزال ننتظر توقيع قيادات بارزة من الجهاد الاسلامي على الوثيقة الفلسطينية التي تؤكد وتبرهن استعدادنا والتزام الفصائل الفلسطينية لمواجهة نتائج وتبعات الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية".

يقود المحامي الفرنسي جيل ديفير Gilles Devers مع مجموعة من المحامين العالميين، جهوداً لمقاضاة إسرائيل على جرائمها المرتكبة بحق الفلسطينيين. قدّم هذا الفريق إلى المحكمة، في 30 يوليو، تفويضين موقعين من وزير العدل الفلسطيني الدكتور سالم السقا والمدعي العام الفلسطيني إسماعيل جبر يؤكدان قبول فلسطين باختصاصها.

في مقال بعنوان "لماذا عطل عباس الانضمام للجنائية الدولية؟"، يذكر ديفيد هيرست David Hearst الواقعة السابقة ويضيف أنه، بعد تلقي المحكمة الطلب الفلسطيني، "أرادت المدعية العامة فاتو بنسودا ونائبها جيمس ستيوارت James Stewart معرفة هل قُدّم الطلب الذي تلقياه...  باسم السلطة الفلسطينية". استعلما عن ذلك من وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي ففاجأهما بالقول إن "السقا وجبر لم يتصرفا بتفويض من حكومة الوحدة، ولا من السلطة الفلسطينية ولا من رئيسها محمود عباس". بعد ذلك أرسلت بنسودا رسالة إلى جيل ديفير وفريق المحامين قالت فيها: "خلال اجتماعي بالسيد رياض المالكي حاولت الحصول منه على تأكيد أن التوكيل الصادر عن وزير العدل الفلسطيني في 30 يوليو 2014 تم إصداره نيابةً عن السلطة الفلسطينية، لكنني لم أتلق منه جواباً إيجابياً على ذلك".

بين المفاوضات والعدالة

خلال المفاوضات الأخيرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين برعاية أمريكية، وقع الرئيس الفلسطيني على النص التالي: "سوف تساعد السلطة الفلسطينية في إشاعة أجواء إيجابية من شأنها أن تساعد المفاوضات، وذلك بأن تمتنع بشكل خاص أثناء المفاوضات عن متابعة أو دعم أي مبادرة بشكل مباشر أو غير مباشر في المنتديات القانونية الدولية من شأنها أن تقوض مثل هذه الأجواء". رُبطت المفاوضات بالامتناع عن تحقيق العدالة.

تعطلت المفاوضات لأسباب متعددة. فقد أبو مازن الثقة بآليات التفاوض السابقة وصار يطالب بتحديد سقف زمني للتفاوض يتم الاتفاق خلاله على "قيام دولة فلسطين". قبل ثلاثة أيام، قال رئيس الوفد الفلسطينى فى مفاوضات التهدئة مع إسرائيل، عزام الأحمد، إن "هناك خطوات ستتخذها القيادة الفلسطينية للانضمام إلى معاهدة روما تمهيداً للانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية في ظل عدم التزام الولايات المتحدة وقبلها إسرائيل بضرورة الالتزام بسقف زمني لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية بإنهاء الاحتلال في مدة أقصاها ثلاث سنوات".

البارحة، قال أبو مازن: "سنتوجه إلى مجلس الأمن الدولي لطلب إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية... نتوقع من الولايات المتحدة أن تستخدم حق النقض لمنع صدور القرار. بعد الفيتو الأميركي سنذهب إلى المنظمات الدولية وأولها المحكمة الجنائية الدولية والتوقيع على اتفاقية روما". في خطابه الأخير في الأمم المتحدة قال: "نتمنى ألا يساعد أحد الاحتلال هذه المرة على الإفلات من جرائمه". جملة للاستهلاك الشعبي. ففي الحقيقة، الفلسطينيون هم مَن يمنعون تحقيق ذلك. بعض الفصائل تخاف على نفسها من العدالة. أما أبو مازن فهو أمام خيارين: إما مفاوضات يمكن أن تؤدي إلى "قيام الدولة" وإما العدالة. الخيار صعب جداً.

في أغسطس الماضي، توجهت 17 منظمة حقوقية دولية وفلسطينية، أبرزها هيومن رايتس ووتش Human rights watch ومنظمة العفو الدولية، إلى الرئيس الفلسطيني بالقول: "إننا نفهم أن فلسطين تتعرض لضغوط من إسرائيل ومن الولايات المتحدة، من أجل منع السعي لكفالة الاختصاص للمحكمة الجنائية الدولية، سواء أثناء المفاوضات الحالية مع إسرائيل برعاية أمريكية أو بعدها. كما نعرف بأن هناك دولاً مثل فرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا وكندا... قد عارضت في بعض الأوقات سعي فلسطين للوصول إلى المحكمة الجنائية الدولية". المنظمات اعتبرت أن هذه الجهود ترمي "إلى تسييس العدالة المستحقة لضحايا الانتهاكات الجسيمة بموجب تعريف القانون الدولي" ودعت أبو مازن إلى مقاومتها.

جو ستورك Joe Stork، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، اعتبر أن "الحجة القائلة بضرورة تخلي فلسطين عن المحكمة الجنائية الدولية لأنها ستضر بمحادثات السلام تصدر رنيناً أجوف، إذ إن 20 عاماً من المحادثات لم تجلب السلام ولا العدالة لضحايا جرائم الحرب. وعلى الراغبين في إنهاء انعدام المحاسبة في فلسطين وردع الانتهاكات في المستقبل أن يحثوا الرئيس عباس على السعي للالتحاق بالمحكمة الجنائية الدولية". وبعد خطاب عباس في نيويورك قال كينيث روث Kenneth Roth، المدير التنفيذي للمنظمة، إنه على عباس أن "يتوقف عن الحديث عن العدالة بصفتها ورقة مساومة".

قبول فلسطين اختصاص المحكمة الجنائية الدولية لن يعني أننا سنرى مسؤولين إسرائيليين يمثلون أمامها في اليوم التالي. قد تستمر التحقيقات سنوات، ولكن هذا القبول سيردع اسرائيل عن انتهاك القانون الدولي مرّة أخرى.

التعليقات

المقال التالي