الأردن معسكر تدريبي كبير

الأردن معسكر تدريبي كبير

لا نفط في الأردن ولا غاز. ثلاثة أرباع أراضيها صحراوية، وهو ما يقلل فرص الاستثمار في الزراعة، وميناؤها البحري لا يتجاوز بضعة كيلومترات. هذا العجز في الموارد الطبيعية دفع الأردن إلى الاتجاه نحو الكوادر البشرية والاستفادة منها.

تعدّ الأردن بلداً أمنياً تاريخياً. اعتمدت الحضارات القديمة قبل الإسلام عليه لحماية طرق التجارة التي كانت تصل أفريقيا ومصر ببلاد الشام وأرض الحجاز، وللمحافظة على أمنها وسلامة حمولتها من قطّاع الطرق. لذا كثرت فيها القرى والتجمعات السكنية التي كانت بداية نشوء الحضارة في بعض مناطقها. هذه الطريق لم تخسر دورها بقدوم الإسلام، إنما أصبحت ممراً مهماً لطريق الحج، الذي كان يحتاج للحماية هو أيضاً.

لا يختلف الوضع كثيراً اليوم، بعد قيام الدولة الأردنية الحديثة. يكفي البحث قليلاً في أخبار التدريبات العسكرية التي تقدمها الأردن للدول الأخرى، لإدراك الدور الأمني الذي تقوم به.

يقصد الأردن عدد من الدول للاستفادة من خبرات مؤسستها العسكرية التي تجاوز عمرها نصف القرن في مجالات التطوير والتدريب العسكري والأمني. لم تنفك الأردن تدرب قوات الدول التي تصدّعت أجهزتها بسبب الظروف أو جيوش الأنظمة الناشئة وشرطتها، كأفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين في تواريخ سابقة، والقوات الليبية حديثاً.

تتركز التدريبات في الغالب على فض النزاعات والسيطرة على الاحتجاجات ومكافحة الإرهاب، إذ تمتلك الأردن مركزاً متخصصاً بتدريب القوات الخاصة يدعى "مركز الملك عبد الله الثاني للعمليات الخاصة"، الذي افتُتح عام 2009.

"الأردن الرسمية" تضع هذه التدريبات في إطار جهدها القائم على مستوى الإقليم وخارجه لدعم الأمن والاستقرار. جميع هذه التدريبات لم تشكّل أزمة على الصعيد الداخلي، لكن الدور الأمني الذي لعبته الأردن في البحرين، عبر إرسال قوات الدرك لدعم النظام البحريني في وجه الثورة الشعبية التي اجتاحته، خلقت مشكلة بسبب الرفض الشعبي للتدخل في "قمع الشعوب". أنكرت الدولة مطولاً هذه المشاركة، إلى أن كشفتها وزيرة الإعلام البحرينية سميرة رجب في ختام محاضرة قدمتها في أبريل الماضي، عند إجابتها على سؤال إحدى الصحافيات حول وجود الدرك في البحرين، بقولها حرفياً إن "الدرك الأردني موجود في البحرين بناءً على اتفاقيات أمنية موقعة بين البحرين والأردن، ولم نطلب العون من أجنبي، بل طلبناه من العرب".

وقد طالبت جهات رسمية بحرينية بداية هذا العام بضم الأردن إلى قوات "درع الجزيرة" للاستفادة من خبراته الأمنية والعسكرية، في ظل ما وصف بـ"الأخطار الوجودية" التي تواجهها الدول الخليجية. ولطالما وجّهت أصابع الاتهام للأردن بتدريبها قوات من الجيش السوري الحر وفصائل المعارضة السورية لمواجهة قوات النظام، الأمر الذي قوبل بالنفي القاطع دوماً من السلطات الأردنية.

العائدات مجهولة

ليس هنالك أي إعلان رسمي في شأن قيمة الإيرادات التي تحققها الأردن من هذه التدريبات، وتبقى ميزانية الجهاز العسكري (الجيش والأمن والدرك وغيرها) بوارداته ونفقاته غير مكشوفة التفاصيل. وكانت وثائق ويكيلكس قد كشفت أن الأردن عرضت على أمريكا زيادة كبيرة في الدعم الأمني الأردني في أفغانستان مقابل المزيد من الدعم الاقتصادي عام 2010.

تبقى المخاوف التي طرحها بعض أعضاء مجلس النواب الأردني خلال جلسة منح الملك حق تعيين القادة الأمنيين مباشرة، من غياب الرقابة على عمل الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة، الذي سيبقيها دوماً في دائرة الشك.

مقطوعة "الأمن والأمان"

نسبياً، لا تزال تركيبة المجتمع الأردني متماسكة برغم الازدياد المفاجئ لعدد السكان، ولم تعانِ الأردن حتى الآن من تأزّم في ما يتعلق بازدياد عدد الجرائم، وهو الأمر الذي تعزوه الحكومة إلى قدرتها على ضبط الأمن وفرض الاستقرار.

من ناحية أخرى، ترى بعض فئات الناشطين المدنيين أن مقطوعة "الأمن والأمان" التي تتغنى بها الأردن اليوم بسبب الهدوء العام في البلاد، على الرغم من محيطها المشتعل، لا تزال تعزف يومياً لإفقاد الحراك المُطالب بالإصلاح شعبيته بين المواطنين.

يوجّه هؤلاء الناشطون الانتقادات إلى أسلوب الترهيب المستخدم، وإبقاء المواطنين بين خيارين، إما التغيير أو الأمن. حتى هذه المفاضلة، استطاعت الأردن أن تنقلها إلى دول قريبة منها كمصر، التي بدأت أخيراً تعزف المقطوعة نفسها.

التعليقات

المقال التالي