الهبات العسكرية للبنان، ما قيمتها الفعلية؟

الهبات العسكرية للبنان، ما قيمتها الفعلية؟

آخر المساعدات العسكرية التي تلقّاها الجيش اللبناني كانت مطلع شهر أغسطس الماضي، وهي أمريكية الصنع، عبارة عن نحو 480 صاروخ AT4 المحمولة على الكتف، وأكثر من 500 بندقية M16-A4 وعدد كبير من مدافع الهاون. أتت الهبة إثر تعرّض الجيش لهجوم إرهابي من قِبل تنظيم "داعش" في 2 أغسطس الفائت في منطقة عرسال البقاعية. وعد السفير الأمريكي في بيروت ديفيد هيل David Hale حينذاك بأنّ بلاده "ستسلّم خلال الأسابيع المقبلة، مزيداً من الذخيرة وأسلحة ثقيلة إضافية". ثمّ عاود التأكيد قبل أسبوعين أنّ بلاده ستزوّد الجيش اللبناني طائرة «سيسنا» المسلّحة وطائرات خفيفة للإسناد الجوّي. سيتمّ تسليح الجيش عبر "استخدام الأموال التي قدّمتها المملكة العربية السعودية بسخاء إلى لبنان"، كما كتبت صحيفة "الحياة" اللندنية. تبلغ قيمة الهبة مليار دولار، وقبلها، قدمت السعودية هبة بثلاثة مليارات دولار عبر فرنسا.

الهبة السعودية في مهب الريح

مضى أكثر من عام على هبة الـمليارات الثلاثة من السعودية التي لم يتلقّ لبنان منها سوى الوعود. حتى أنّ قائد الجيش الجنرال جان قهوجي عبّر عن انزعاجه مطلع الشهر الماضي، من البطء الفرنسي في تسليم الجيش السلاح المطلوب، لا سيّما في ظلّ الأوضاع الخطيرة التي يمرّ بها لبنان. وكان الأمير السعودي سلمان بن عبد العزيز التقى الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند François Hollande في الثالث من الشهر الجاري وأعلن أنّ لبنان "البلد الرائع والهشّ في الوقت عينه، يحتاج إلى مزيد من الأمن جرّاء استقباله آلاف اللاجئين". نقلت حينذاك بعض مصادر الإليزيه أنّ العقد السعودي- الفرنسي لتسليح الجيش اللبناني توضع عليه اللمسات الأخيرة. برغم ذلك، ما زال مصير صفقة السلاح محاطاً بالكثير من الغموض. إلّا أنّ الأهم من مصير الصفقة، في حال تحقّقها، مضمونها. فما هي نوعية الأسلحة التي قد يحصل عليها الجيش، في حال رسو الصفقة على بر الأمان؟ الكلام المقتضب للرئيس الفرنسي هولاند يحمل الكثير من الغموض حول طبيعة هذه الأسلحة.

في هذا الإطار، يقول الخبير العسكري العميد المتقاعد الدكتور أمين حطيط لرصيف 22 إنّ هبة الثلاثة مليار تراوح مكانها كونها تخضع لدراسة أمور تقنيّة أساسية تتعلّق بنوعية السلاح "المسموح" للجيش امتلاكها. فهناك تخوّف من تقديم فئة معيّنة من السلاح الثقيل قد يهدّد أمن دولة إسرائيل كما أنّ هناك تخوّفاً من وقوع السلاح في يد حزب الله. وكشف حطيط أن المعلومات تشير إلى أنه تمّ شطب نحو 70% من لائحة الأسلحة التي طلبها لبنان (البعض الآخر يقول نحو 40%). وهذا يعني أنّ "السلاح المتبقي الذي قد يحصل عليه الجيش سيكون من فئة سلاح حفظ الأمن الداخلي فقط". لذا لا يعوّل حطيط على أهمية هذه الهبة لأنها "لن تمكّن الجيش من امتلاك قوة جويّة وناريّة وصاروخية فاعلة".

يشارك رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر حطيط هذا الرأي، وأضاف لرصيف 22 أنّ الفرنسيين يتحجّجون بأن التأخير الحاصل مردّه إلى كون السعوديين لم يدفعوا الأموال المطلوبة منهم. يعترض جابر على هذه الحجج الواهية ويكشف بأن صفقة الـثلاثة مليار مرتبطة بصفقة أسلحة أخرى بين السعودية وفرنسا تناهز ثلاثين مليار، دفع السعوديون منها جزءاً كبيراً. ويردّ جابر التأخير الفرنسي إلى أنّ الفرنسيين استشاروا صنّاع القرار في إسرائيل فاعترضوا على نوعية الأسلحة التي طلبها لبنان.

أمّا بخصوص صفقة المليار دولار التي أعلنها الحريري، والمقسّمة مناصفة بين الجيش وقوى الأمن الداخلي، فيقول جابر إنها غير جدّية لجهة نوعية الأسلحة المتأتية منها، كما أنّ هذه الصفقة لم توضع بعهدة الدولة اللبنانية. كان مطلوباً وضع المليار دولار في البنك المركزي كي يتسنّى للدولة تحديد كيفية إنفاقه، عبر البحث عن مصادر أخرى للسلاح غير أمريكا، تستطيع تزويد الجيش بمنظومة عسكرية معيّنة تؤهّله ردع الاعتداء الخارجي عليه، بما أن أمريكا لا تريد ذلك.

تقنيّاً، يقول حطيط إنّ الجيش اللبناني يستطيع التعامل مع مختلف أنواع الأسلحة بمعزل عن منشئها. فالجيش، برغم كون معظم تسليحه وتدريبه أمريكي، مُعدّ تقنيّاً للتعامل مع الأسلحة المختلفة المنشأ، وفي وسعه التكيّف معها في مدة زمنية لا تتجاوز الشهرين. ولفت إلى أنها لن تكون المرة الأولى، إذ تلقّى الجيش اللبناني في ثمانينيات القرن المنصرم، خلال الحرب اللبنانية، "سلاحاً شرقياً" من دول أوروبا الشرقية. الأهم بالنسبة إلى حطيط ماهية ونوعية السلاح لا منشأُه ومصدره. المشكلة إذاً سياسيّة، لأنّ القرار الفرنسي وفق حطيط، خاضع للشروط الأمريكية في كيفية تسلّح الجيش اللبناني والحرص على عدم تزويده بالسلاح الثقيل الهجومي والدفاعي.

الإنفاق العسكري وقيمته الفعلية

بحسب قاعدة بيانات الإنفاق العسكري للدول، الصادرة عن معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي SIPRI، يعتبر لبنان بين الدول العربية الأقل إنفاقاً على التسلح، إذ وصل إلى نحو 1.9 بليون العام 2013، أي ما يعادل نسبة 4.4% من الناتج المحلي الإجماليGDP، علماً أنه كان نحو 955 مليون العام 2004. واحتلّت المملكة العربية السعودية المركز الرابع عالمياً حيث بلغ إنفاقها نحو 67 بليون دولار. تلتها دولة الإمارات العربية المتحدة التي أتت في المركز الخامس عشر عالمياً بنحو 19 بليون دولار. لكن الحالة اللافتة هي العراق، إذ وصل الإنفاق العراقي إلى نحو 7.9 بليون دولار في العام 2013، بنسبة ارتفعت نحو 284% منذ العام 2004. لكن رغم هذا الإنفاق الكبير، انهار الجيش العراقي بين ليلة وضحاها أمام تنظيم "داعش" في الموصل والأنبار. لا بل إن جابر يؤكد أنّ "داعش" استولى على كميّة من الأسلحة تُقدر قيمتها بنحو 7.5 بليون دولار. هنا يصبح السؤال عن مدى فعالية الإنفاق العسكري على أرض الواقع مشروعاً. أو بمعنى آخر، ما هي القيمة المضافة التي يساهم فيها السلاح برفع القدرة العسكرية للجيوش؟

يشدد جابر على نوعية السلاح لا على "كمّ" الإنفاق العسكري. فالقدرات العسكرية مرتبطة بالعتاد وعديد الجيوش والكفاءة العسكرية والمعنويات والاندفاع، لا بكميّة السلاح مهما بلغت شأناً. أما حطيط فيشرح طبيعة القيمة المضافة للسلاح في تدعيم قوة الجيوش وفقا لقاعدة رياضية أساسية في العلم العسكري هي: القدرات العسكرية = (التجهيزات x الكفاءة القتالية + 1) المعنويات. وفقاً لهذه القاعدة نستطيع الحصول على نسبة ارتفاع كفاءة الجيوش بعد الدعم العسكري. فكلّما ارتفعت التجهيزات ارتفعت القدرات العسكرية. يسري هذا الأمر على الكفاءة القتالية. يبقى أن أهمية هذه القاعدة مرتبط بشكل أساسي بالمعنويات، وتدنّي الأخيرة يؤثّر سلباً على القدرات العسكرية مهما بلغت التجهيزات والقدرات القتالية شأناً.

بناءً عليه، بحسب جابر، فإنّ مرد الإنهيار السريع للجيش العراقي الذي أُنفق على تسليحه نحو 30 بليون دولار في السنوات العشر الأخيرة، للعوامل السياسية. فقد وصل عديد الجيش العراقي إلى نحو مليون عسكري، لكنّه لا يملك عقيدة قتالية أو معنويات، إذ تشاركت الطبقة السياسية والعوامل الخارجية في ضربهما.أما الجيش اللبناني بالنسبة إلى جابر، فيملك عقيدة قتالية ومعنوياته مرتفعة وليس بحاجة إلا لتسليح جدي وفعلي.

يحدّد حطيط القيمة الفعلية للسلاح وفقاً للمهمات التي تقع على عاتق الجيش، أي أنّ التسليح يجب أن يكون وفقاً للمهمة المُراد إنجازها. فعندما يُطلب من الجيش حماية جسر ما، يكون بحاجة لنوعية سلاح محدّد لهذه المهمة. بينما عندما يُطلب منه قصف جسر ما، نوعية السلاح تكون مختلفة. أما جابر فيضيف بأن فعالية أي انفاق عسكري يجب أن يكون على أساس العدو المفترض. والجيش اللبناني حالياً، بحسب هذين الخبيرين العسكريين، أمامه عدوان: إسرائيل والدولة الإسلامية في العراق والشام. تكمن قيمة السلاح بوجه إسرائيل في قدرته على ردع اعتداءات الأخيرة جواً عبر منظومة دفاعية جوية، وبراً وبحراً عبر منظومة دفاعية مناسبة. أم ردع إرهاب "داعش" فيحتاج إلى سلاح من نوع آخر يتوافق وطبيعة لبنان الجبليّة (عرسال) وطبيعة شوارع مدنه الضيقة، أي مدرّعات خفيفة و​طائرات مروحية خاصة لنقل الجنود إلى أرض المعركة.

التعليقات

المقال التالي