أجواء الاستعدادات الانتخابية في تونس

أجواء الاستعدادات الانتخابية في تونس

تعيش تونس اليوم أجواءً انتخابية بامتياز. أتى قرار المصادقة النهائية على تاريخ الانتخابات البرلمانية في 26 أكتوبر المقبل، على أن تكون الانتخابات الرئاسية في 23 نوفمبر، استجابةً لمطلب واسع من جميع مكونات الساحة السياسية في تونس، بضرورة التسريع في إنهاء المرحلة الانتقالية وبناء مؤسسات منتخبة وذات شرعية. كيف كان إقبال التونسيين على عملية التسجيل في الانتخابات؟ وما هي المخاطر المتوقعة؟ ما جديد الانتخابات المقبلة؟

عزوف التونسيين عن التسجيل في الانتخابات

اعلان


برغم الاتفاق على القانون الانتخابي، لم يتفاعل المواطن التونسي إيجابياً مع الأمر، ولم تكن عملية الاقبال على التسجيل في الانتخابات على قدر التوقعات. ومع أن هيئة الانتخابات مطالبة باحترام المواعيد التي تنظم العملية الانتخابية، فقد وجدت نفسها مضطرة إلى تمديد عملية تسجيل الناخبين. عزت منظمات المجتمع المدني ضعف إقبال التونسيين على مراكز التسجيل للانتخابات، إلى ضعف الحملات الإعلامية والتوعية المفترضة التي تقوم بها هيئة الانتخابات، إضافة إلى مشاغل الحياة اليومية وكذلك الجرعة السياسية الزائدة التي تلقاها المواطن التونسي مُكرهاً عبر المنابر الإعلامية والسياسية المختلفة والتي ولدت لديه ردّ فعل عكسياً تمثّل في لامبالاة تامة بالحياة السياسية. سجل أربعة ملايين تونسي في الانتخابات السابقة عام 2011 وتتطلع هيئة الانتخابات إلى تسجيل عدد إضافي من مجموع قرابة ثلاثة ملايين ناخب آخرين لم يسجلوا في القوائم الانتخابية عام 2011.

أعلن رئيس الهيئة المستقلة للانتخابات في تونس عقب إغلاق باب التسجيل والترشح للانتخابات البرلمانية يوم السبت 13 سبتمبر 2014، أن عدد المسجلين للانتخابات البرلمانية والرئاسية بلغ  5 ملايين و236 ألف ناخب. تمثل فئة الشباب (بين 18 و40 عامًا) 63% من عدد المسجلين ونسبة النساء 50.5% بعد أن قاربت 45% سنة 2011. وقد بلغ العدد النهائي للقوائم المرشحة للانتخابات البرلمانية 1336، منها 732 قائمة حزبية و348 قائمة مستقلة و140 قائمة ائتلافية، فيما أشارت الهيئة إلى أن عدد القوائم المسجلة في الخارج هي 116 قائمة. كما أوضحت الهيئة أن عدد الناخبين الجدد الذين وقع تسجيلهم على القوائم خلال عملية التسجيل بلغ 993.696 شخصاً، معتبرةً أن هذا الرفم هو دون المأمول، لكنه يعدّ مقبولاً نظراً للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية التي تمت فيها عملية التسجيل. يذكر أن عدد القوائم في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي عام 2011 بلغ 1600 قائمة، وهذا من شأنه أن يعيد سيناريو الانتخابات السابقة، إذ إن كثرة القوائم تشتت اختيار الناخبين. ولعل أهم الأحزاب التي ستستفيد من هذه الوضعية هي حركة النهضة الإسلامية التي تملك كتلة انتخابية ثابتة ومستقرة وحركة نداء تونس.

خارطة الأحزاب المتنافسة

تضم الساحة السياسية في تونس حوالي 114 حزباً ظهر معظمها بعد ثورة 14 يناير 2011. تتوزع هذه الأحزاب السياسية في تونس وفقاً لأربعة  توجهات سياسية كبرى هي اليسارية والقومية والاسلامية والدستورية. تمثل حركة النهضة أبرز القوى السياسية الإسلامية بتجربة انتخابية سابقة قادتها لنيل الأغلبية في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي السابقة. يقابلها حزب نداء تونس الذي يضم أعضاءً من حزب التجمع المنحل (حزب الرئيس السابق). أما الأحزاب اليسارية فتأتي في مقدمتها الجبهة الشعبية وهي ائتلاف سياسي يضم أكثر من 10 أحزاب يسارية وبعثية. وتبرز الأحزاب القومية من خلال حركة الشعب، التيار الشعبي الناصري الذي اغتيل زعيمه "محمد البراهمي" في 25 يوليو 2013، بالإضافة إلي بعض الأحزاب الوسطية الأخرى، أهمها الحزب الجمهوري.

المخاطر

يخشى المراقبون للمسار الانتخابي في تونس من الوضع الأمني وإمكان تأثيره على إجراء الانتخابات في موعدها. وقد شكلت حادثة مقتل 15 جندياً في جبال الشعانبي على يد متطرفين في يوليو الماضي إحدى الإشارات القوية التي تهدد استقرار البلاد مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، كما يهدد التوتر الأمني في ليبيا الوضع في تونس.

كان رئيس الهيئة المستقلة للانتخابات قد أكد  وجود 4 مخاطر يجب التصدي لها لإنجاح المسار الانتخابي. هذه المخاطر تتعلق بدرجة أولى بالأمن والتهديدات الإرهابية. أما الخطر الثاني فيتمثل في العنف السياسي الذي يمكن أن يحدث قبل العملية الانتخابية ويوم الانتخابات وبعده، في حين يتعلق الخطر الثالث بالمناخ في بعض المناطق الريفية التي يمكن أن تعيش عزلة نتيجة هطول الأمطار. أما الخطر الرابع فيتعلق بالمطالب الاجتماعية، أبرزها التنمية ومكافحة البطالة، التي قد تؤدي إلى عزوف المواطنين عن الانتخابات. من جهة أخرى أشار وزير الداخلية إلى وجود تهديدات إرهابية جدية خلال شهر سبتمبر وأثناء فترة الانتخابات.

جديد الانتخابات البرلمانية المقبلة

الجديد في الانتخابات المقبلة هو أن هنالك أحزاباً اختارت أن تراهن على استقطاب رجال الأعمال وكرة القدم كورقة رابحة في المعركة الانتخابية. أثار الزج بعدد غير قليل من رجال الأعمال في الاستحقاق الانتخابي المقبل جدلاً واسعاً في تونس، إذ يعبّر نشطاء وسياسيون عن قلقهم من هذه التجربة ومن التداخل الاقتصادي والسياسي في مرحلة حساسة تحاول تونس خلالها التعافي من أزمتها الاقتصادية الخانقة، في حين يرى شق آخر أن ترشّح رجال الأعمال وإمكانية فوزهم قد يساهمان في تحسين مناخ الاستثمار والأعمال. ضمت قوائم حركة النهضة الإسلامية عدداً من الوجوه الجديدة من بينهم رجال أعمال معروفون مثل "محمد فريخة" صاحب شركة "سيفاكس للطيران" Fly Syphax. شملت قوائم الحركة قرابة 8 رجال أعمال آخرين، وهي تسعى للاستفادة من الثقل التي يحظى به هؤلاء خاصة في المناطق الداخلية، كما ضمت بعض وجوه كرة القدم المشهورين وعدداً من رؤساء النوادي الرياضية العريقة.

في المقابل، يتطلع حزب نداء تونس، وهو أول منافس مفترض للنهضة إلى الاستفادة من شعبية رئيس فريق النجم الساحلي، أحد ابرز النوادي الرياضية في تونس ويحظى بشعبية واسعة في مدن الساحل التي تمثل ثقلاً انتخابياً مهماً. كذلك وضعت رجل الأعمال المعروف "المنصف السلامي" على رأس قائمتها في مدينة صفاقس وهي ثاني أكبر مدينة في تونس لمنافسة النهضة.

يعول حزب "الاتحاد الوطني الحر" على رئيسه الملياردير "سليم الرياحي" الذي يرأس قائمة مدينة زغوان لتحقيق بعض المكاسب، مع العلم أن الرياحي يرأس أكبر فريق في تونس من حيث عدد جمهوره وهو فريق "النادي الأفريقي". ويترأس "صلاح الدين الزحاف" وهو رجل أعمال ورئيس سابق للنادي الصفاقسي قائمة الحزب الجمهوري. هكذا دخل رجال الأعمال ونجوم الكرة حلبة التنافس السياسي لأول مرة في تاريخ الانتخابات التونسية.

التعليقات

المقال التالي