100 يوم من حكم السيسي

"عبد الفتاح سعيد حسين خليل السيسي"، المشهور بعبد الفتاح السيسي، الرئيس السابع لجمهورية مصر العربية، أثار لغطاً حوله لم يحدثه رئيس مصري من قبله. بين من يراه قاتلاً سفّاحاً ومن يراه بطلاً منقذاً، اختلفت الآراء وتناحرت الأمة. اليوم يمر 100 يوم على تنصيبه رئيساً لجمهورية مصر، وكما انقسم الناس حول تقديرهم له، كانت الانقسامات حول تقييم أيامه الأولى.

على غير المعتاد، رفض المرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي قبل انتخابه أن يقدّم برنامجاً انتخابياً قائلاً "انتوا اللي استدعتوني، ما عنديش برنامج". وهو موقف كرره في لقاء تلفزيوني، عندما قال "برنامجي الانتخابي أمن قومي، مينفعش تناقشني فيه كده ع الهوا".

وعليه، لم نجد برنامجاً أو وعوداً انتخابية يمكننا الرجوع إليها كي نقارنها بما تحقق أو بما هو في طريقه للتحقق، لذا فكل ما نملكه هو رصد وتحليل لأهم قرارات الرئيس المصري فى المئة يوم الأولى من حكمه.

على الصعيد الخارجي، لم تتضح بعد ملامح السياسة الخارجية التي ينتهجها السيسي، باستثناء تقاربه الجلي مع المملكة العربية السعودية. علاقته بالغرب ما زالت في طور جس النبض من كلا الطرفين، وإن كان قد نجح في إنهاء تجميد عضوية مصر في منظمة الاتحاد الأفريقي، وهو القرار الذي صدر عقب إطاحة الرئيس المعزول محمد مرسي.

زار السيسي حتى الآن خمسة بلدان: السعودية، الإمارات، وروسيا، والجزائر، والسودان، وهي زيارات كاشفة وفق ما يقوله المراقبون لتوجهات السيسي الإستراتيجة. "السعودية والإمارات" حليفان إستراتيجيان، أما زيارة روسيا، فقد تكون مناورة في مواجهة الغرب. زيارة الجزائر كانت لبحث الملف الليبي، أما زيارة السودان فلبحث ملف المياه.

في المقابل، بدا موقف السيسي من غزة غريباً بعض الشيء، مع التزامه الصمت تماماً، قبل أن يتولى مبادرة لوقف إطلاق النار رفضتها حماس في بادئ الأمر، وإن عادت لتقبل بوقف إطلاق النار بعدها ببضعة أيام.

أما داخلياً فكل ما يمكن استشفافه من سياسة السيسي المستقبلية، هو تأكيده الدائم على أن مهمته الأولى هي الحفاظ على الدولة، دون أن يحدد ما الذي يقصد بها، ومعلناً بوضوح أن مصر "لا تحتمل ثورة ثالثة" كما أنه لن يسمح بالتظاهرات التي تهدف لهدم مصر.

ما زال صراع السيسي الأبرز مع جماعة الإخوان المسلمين دائراً، وإن كان قد لمّح لقبوله فكرة عودة الجماعة قائلاً "أقبل وجود مجموعة لا تكون على توافق معنا، وتعيش وسطنا، لكن بشرط ألا تؤذينا أو تؤذي بلادنا" وذلك أثناء إعلان إشارة البدء في تنفيذ مشروع تطوير قناة السويس. على الفور، صرّح ابراهيم منير، عضو مكتب الإرشاد في جماعة الإخوان المسلمين والمتحدث باسمهم في أوروبا "أن العسكر هم من يؤذون البلاد والعباد منذ 60 عاماً، وأن مشروع تطوير القناة هو مشروع "مرسي" والسيسي استولى عليه". من حين لآخر، تظهر مبادرات وعروض لعقد مصالحة بين السيسي وجماعة الأخوان المسلمين، لكنها لا تلقى قبولاً من الطرفين حتى الآن.

لعلّ الجانب الأبرز في الـ100 يوم كان الجانب الاقتصادي، إذ صدرت عنه قرارات واضحة كان بعضها صادماً، يمكن تحليلها واستشراف توجهات السيسي الاقتصادية.

القرار الاول: تقليل الدعم الحكومي لبعض السلع الأساسية

قرار الرئيس السيسي هذا نجم عنه ارتفاع أسعار بعض المواد الأساسية مثل الخبز والوقود والكهرباء والسلع التموينية والمواصلات. أستاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة، فخري الفقي، يراه قراراً صائباً، لكون الدولة لم تعد تحتمل هذا العبء. يقول "علينا أن نعيد التفكير مرة أخرى في كيفية وصول الدعم لمستحقية، وقرار الرئيس كان شجاعاً".

على الجانب الآخر، يرى الخبير الاقتصادي عمر الشنيطي، أنه رغم كون القرار جريئاً وشجاعاً، فقد كانت كيفية اتخاذه وآليات تنفيذه خاطئة. فالأفضل في ما يتعلق بالكهرباء مثلاً كان تقسيم المجتمع لشرائح (وفق الاستهلاك)، الشرائح الدنيا لا تمس، والعليا هي التي تتحمل زيادة الأسعار. بذلك تتمّ المحافظة على حق الفقراء في الدعم، وتوفّر الدولة ما كانت تنفقه على دعم الاثرياء.

القرار الثاني : تنفيذ الحدّ الأقصى للأجور

قرار آخر أصدره السيسي وأثار جدلاً كبيراً. ترى جانيت عازر، من المصرف العربي، أن الهرم الوظيفي في الهيئات المصرية يتّسم بغبن شديد في توزيع الأجور، فنجد تفاوتاً صادماً في المرتبات بين الوظائف العليا والمتوسطة والدنيا، وقرار السيسي كان من هذا المنطلق صائباً وعادلاً.

يبيّن أستاذ الاقتصاد محمد السعدي في المقابل أن القرار تمّ تنفيذه أيضاً بشكل خاطىء، ففي قطاع البنوك مثلاً، سيكون الحد الأقصى للأجور 42 ألف جنيه مصري شهرياً (5870 دولاراً)، وعليه فإن رئيس مجلس إدارة البنك وأصحاب الوظائف العليا سوف يتساوون مع الشرائح الوسطى، وهو ما يمثل عدم مساواه بين الكفاءات والدرجات، فضلاً عن أنه رقم غير متسق مع متوسط راتب مديري البنوك في السوق المصرفي، والذي يراوح بين 160 و180 ألف جنية شهرياً (بين 22 ألفاً و25 ألف دولار). نجم عن هذا القرار انتقال عدد من مديري البنوك إلى البنوك الخاصة والخليجية في مصر.

المخاوف التي تنتاب بعض الخبراء تجاه قرارات السيسي ليست متعلقة بصحتها أم بعدم صحتها، بل بآليات تنفيذها، وهو ما يشير إلى سؤال بالغ الخطورة على حد تعبير أحد الاقتصاديين، حول مدى كفاءة هيئة مستشاري الرئيس، وهل الرئيس يستأنس بآراء مستشارين في الأساس أو أنه ينفرد في اتخاذ القرارت وحده.

أما في ما يتعلق بملف الحريات، فالسيسي وسع دائرة الاعتقالات في أيام حكمه. لم تعد المواجهه بينه وبين جماعة الإخوان المسلمين فحسب، بل شملت النشطاء السياسيين وما يمكن أن نطلق عليهم القوى الثورية. علاء عبد الفتاح (سابقاً) وأحمد ماهر وأحمد دومه ومحمد نوبي وغيرهم من رموز ثورة 25 يناير، الذي وضعوا خلف القضبان.

في تقريرها الأخير، أكدت مجموعة "ويكى ثورة" المهتمة بتدوين أحداث الثورة المصرية، أن عدد المعتقلين قي عهد السيسي تجاوز الأربعين ألف معتقل. لم تتوقف ملاحقة الإخوان والنشطاء فحسب، بل تجاوزت المواجهات ذلك لتصل إلى الإعلام والمواقع الإلكترونية، وهو ما عبر عنه الرئيس شخصياً حين قال إن هناك مواقع على الإنترنت وقنوات مموّلة من تركيا وقطر وأمريكا تستهدف تدمير مصر، وقد ذكرهم الرئيس تفصيلاً في واقعة تعد فريده من نوعها.

الباحث والمحلل السياسي محمد نعيم يرى أننا إزاء دولة فاشية تتكوّن، وأن هدف السيسي الأسمى هو الحفاظ على الدولة دون أن يحدد ماهية الدولة التي يتحدث عنها. يقول "في الفترة المقبلة سترتفع وتيرة الاعتقالات وستنحسر مساحة الحريات. وهذا يدعو للقلق".

أما أستاذ علم الاجتماع السياسي سيد صادق، فيلفت إلى أن ما يحدث طبيعي جداً، لكون مصر في حالة حرب على الإرهاب، معتبراً أن الحديث عن أهمية الحريات في زمن السلم يختلف تماماً عنه في وقت الحرب.

بصرف النظر عن القراءات المختلفة للمئة يوم الأولى من حكم السيسي، فالمؤكد أننا أمام رئيسٍ يثير انقساماً حاداً، بين مؤيدين له يرون فيه الوسيلة الوحيدة للاستقرار، وآخرين يرون فيه فاشية ناصر وعودة لعهد تكميم الأفواه.

ماجد عاطف

صحافي مصري عمل مراسلاً لمجلة نيوزيويك، ويعمل الآن مراسلاً لموقع Buzzfeed الأمريكي.

التعليقات

المقال التالي