الحراك المدني السلمي العربي

الحراك المدني السلمي العربي

تشترك الدول العربية في حاجتها الماسة إلى التغيير، لكن التقاءها حول هذا الهدف يقابله اختلاف كبير حول الأسلوب الأمثل الذي يجب أن تتبناه. فبينما تعمد بعض الأطراف إلى تبني أساليب عنيفة كثيرًا ما تكون تكلفتها باهظة، تسعى بعض النخب ـ القليلة ـ إلى إرساء تغيير هادئ وعقلاني عبر أشكال نضالية سلمية.

كل حركات التحرر الاجتماعي عبر العالم، مثل تلك التي ساهمت في القضاء على التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، بقيادة نلسن مانديلا Nelson Mandela، أو في تحقيق الاستقلال الوطني في الهند بقيادة المهاتما غاندي Gandhi، أو ساعدت في تحقيق أهداف "صغرى" من قبيل منع مشاريع الخصخصة الاقتصادية في بوليفيا بقيادة الناشط اليساري أوسكار أوليفيرا Oscar Olivera، أو حتى الاعتراض على مشاريع في البنية التحتية لها آثار سلبية على البيئة في بعض مناطق الريف الروسي بقيادة الناشطة يفغينيا شيريكوفا Yevgenia Chirikova، كلها، على اختلاف حجمها وأهدافها، تلتقي في ثلاث نقاط رئيسية. أولاً، تتبنى جميعها أسلوب المقاومة والعصيان المدني لإحداث تغيير في واقع معين أو للحيلولة دون وقوع ذلك التغيير. ثانيًا، اختارت جميعها  أسلوب الحراك السلمي لاعتقادها بأن هذا الأسلوب قادر على تحقيق نتائج قد يفشل في تحقيقها أي شكل من أشكال العصيان الأخرى، لا سيما العنيفة منها. ثالثًاً، نجحت جميعها في تحقيق الأهداف التي ناضلت من أجلها، وأرغمت خصومها، هيئاتٍ ودولاً، على الاستجابة لمطالبها.

اعلان


يبدو، من النظرة الأولى إلى الواقع العنيف الذي يملأ شاشاتنا، أن هذا الأسلوب شبه غائب في ثقافة الحراك العربي اليومي، إذ تميز الأسلوب الذي طبع أغلب الحركات الثورية التي انفجرت في السنوات القليلة الماضية بالجنوح إلى العنف واستخدام السلاح، خاصة في ليبيا وسوريا. لكن هذا المعطى لا يبرهن على أن البيئة العربية غير قابلة لاحتضان أشكال الحراك المدني السلمي بقدر ما يبرز عدم تمكن النخب العربية ومؤسسات المجتمع المدني من تعويد منتسبيها على تبني هذا الأسلوب. فرغم قتامة المشهد وتكرر صور العنف في الحركات الاجتماعية في دولنا العربية، توجد بعض الأمثلة على نجاح هذا الأسلوب في أماكن عدة في تحقيق تغييرات فعالة وعميقة في سياسات البلاد.

تجربة مقاومة جميع أشكال العبودية في موريتانيا في العشرية الأخيرة التي قادتها منظمات مدنية وحقوقية فاعلة مثلاً، والتي نتج عنها حظر العبودية في البلاد بطريقة سلمية وهادئة. أو ما يُعرف بانتفاضة الخبز في تونس في بداية ثمانينات القرن الماضي والتي قادتها نقابات وطنية واعتمدت أسلوب الإضرابات والتظاهر السلمي وأجبرت الدولة على التراجع عن الترفيع في أسعار بعض الأغذية الأساسية، وخاصة الخبز، أو تجربة احتلال الميادين والساحات العامة للمطالبة بالتغيير كما حصل في مصر واليمن وما نتج عنها من تغيير للأنظمة السياسية برمتها في هذين البلدين.

إذا عمقنا النظر في أسباب نجاح تجارب المقاومة المدنية السلمية عالمياً، ومحدوديتها في الدول العربية، نلاحظ أن طبيعة الأنظمة الاستبدادية في المنطقة وإسراعها باللجوء إلى العنف لإخماد جميع الأصوات المناوئة لها، هي أبرز الأسباب التي خلقت حالة من "اليأس" من جدوى هذا الأسلوب. الى جنبها يأتي طبعاً النقص الواضح في مؤسسات المجتمع المدني، من نقابات عمّالية ومنظّمات حقوقية وجمعيات أهلية وأحزاب سياسية، لا تدين بالولاء الأعمى إلى الأنظمة الحاكمة. بالعودة إلى أهم تجارب العصيان المدني الناجحة في العالم، نلاحظ أن هذه المنظمات كانت دائمًا تلعب دورًا محوريًا في قيادة التحرك الاجتماعي وتأطيره وحمايته من تدخل وبطش الأنظمة الحاكمة أو أي جهة أخرى قد يتسبب الحراك في تهديد مصالحها.

ضعف انتشار ثقافة الالتزام المدني لدى المواطنين بضرورة تبني أساليب العمل الجماعي تسلب العصيان المدني أقوى أسلحته، وهو أسلوب المقاومة الشعبية العامة (والعارمة) التي أدت أحيانًا في تاريخ التحركات المدنية، إلى شلّ بعض القطاعات الحيوية على المستويين المحلي والوطني. في غياب الحسّ المدني بضرورة التآزر والعمل الجماعي، قد تتقلص حظوظ نجاح حركات العصيان المدني مهما كانت أهدافها مشروعة. لذا فإن النجاح في اعتماد أسلوب المقاومة المدنية مستقبلاً سوف يكون مشروطًاً بنشر ثقافة التآزر والعمل الجماعي في مواجهة الأنظمة والجهات التي ترى في التغيير المجتمعي والاقتصادي تهديدًا لوجودها، وباستحداث مؤسسات مدنية قوية وقيادات اجتماعية تتمتع بكاريزما شعبية تكون بمثابة الأسماء الجامعة التي يلتف حولها الناس في جهود التغيير.

نشر هذا المقال على الموقع في تاريخ 20.09.2013

عزالدين السعيدي

أستاذ جامعي وصحافي تونسي، مساهم في وسائل إعلامية عدة. يحمل إجازة في اللسانيات الإنغليزية.

التعليقات

المقال التالي