الحركات الشبابيّة في تونس، السياسة الناعمة

الحركات الشبابيّة في تونس، السياسة الناعمة

كثيرون لا يرون في ما يحدث على الساحة السياسيّة "الرسميّة" سوى محاولات لرسم خطوط حمراء تبقي الحوار والمشاكل المطروحة سطحيّة وآنيّة. هؤلاء اختاروا الابتعاد عن ملعب السياسة الرسميّ، لم يعتزلوها أو ينفروا منها، بل اختاروا أن يمارسوها بطريقتهم ووفق رؤيتهم الخاصّة: سياسة من الشارع وفي الشارع. ظهرت بعد الثورة فسيفساء من الحركات الشبابيّة التي رفضت الاعتراف بالساحة السياسيّة الكلاسيكيّة واختارت تكوين تنظيمات خاصّة بها تحمل قراءتها الخاصّة للواقع السياسيّ والاجتماعي والثقافيّ والاقتصادي. برزت هذه الحركات على الساحة السياسيّة، واستطاعت رغم الإمكانات الهائلة للأحزاب والتجاهل الإعلاميّ لنشاطاتها، أن تفرض نفسها وتوصل صوتها للناس متبنّية رؤى جديدة تعتمد على ما تسمّيه هذه التنظيمات بمشروع الثقافة البديلة.

ضدّ السائد وثقافة التلقين

اعلان


بدا المشهد الثقافيّ الرسمي في تونس ما بعد الثورة مربكاً ولم يكن في مستوى التغيير السياسيّ، كنتيجة حتميّة لما عانته الساحة الثقافيّة لعقود من تحديد للإنتاج كمّاً وكيفاً عبر ربط النشاط الثقافيّ بالمؤسسّات الرسميّة. ولكن بعد 14 يناير 2011، تراخت القبضة الأمنيّة وتخلّص المثقّف التونسيّ من أهمّ معضلة كانت تواجهه، وهي الرقابة الذاتيّة. كان من الطبيعيّ حينها أن تشهد الساحة الثقافيّة طفرة نوعية وكميّة كتجسيد لحالة الانعتاق والرغبة في تعويض ما فات من تصحّر ثقافي وسياسيّ. ولكن الفضاءات والمسالك الرسميّة كانت هذه المرّة عاجزة عن استيعاب هذه الموجة الجديدة من التصوّرات والرؤى لمستقبل العمل الثقافي في تونس، كما أنّ الجيل الشاب كان يطمح للعب دور أكبر وإحداث تغيير جذريّ في طبيعة النشاط الثقافي التونسيّ، فكان الظهور الأوّل للعلن لما اصطلح على تسميته "الثقافة البديلة".

هذه الثقافة البديلة التي قمعت طويلاً قبل الثورة، وُلدت من مجموعات شبابيّة تطوّعت وتجنّدت لخدمة الحياة الثقافيّة بوسائل ذاتيّة محدودة ومتواضعة، متحرّرة من العوائق البيروقراطيّة ومسألة التراخيص والارتباط بالتمويل العموميّ للفرق والجمعيّات.

تنوّعت هذه المجموعات والحركات الشبابيّة على صعيد التوجه والأنماط لتشمل المسرح كمجموعة "فنّي رغماً عنّي" التي سعت إلى ترسيخ مفهوم فنّ الشارع ومسرح العموم بمعالجة فنيّة ترتكز على البعد التعبيريّ للغة الجسد والألوان لترجمة الواقع ونقده والدفاع عن المظالم التي تعرض لها العديد من الشباب بعد الثورة من أمثال صابر المرايحي.

أمّا على مستوى العروض الغنائيّة، فقد كان الامتياز لمجموعات الراب التي، وإن كان ظهورها سابقاً للثورة، تضاعف صيتها وانتشارها بعد أن تغيّرت القضايا المطروحة وأصبحت أغانيها تستهدف النظام مباشرة وتنقد بشكل صريح وجريء الواقع السياسيّ في البلاد مترجمة حالة اليأس الجماعي ونفور الشباب من المشهد الحاليّ للخارطة السياسيّة بكلّ مكوّناتها. وقد لمعت أسماء عدّة في هذا المجال كمحمد أمين حمزاوي، Klay bbj، والجنرال وغيرهم.

الغرافيتي استطاعت بدورها أن تتجاوز الشعارات الرياضيّة والعبارات المفرغة من المعاني والإشارات الخاطفة للتحوّل إلى إحدى أهمّ وسائل مقاومة الشباب لحالة التغييب عن المشهد العام في البلاد وتبليغ آرائهم للجميع، فظهرت على الساحة مجموعات شبابيّة مثل "أهل الكهف" و"زواولة" و"حركة شباب تونس" التي تناولت عبر الغرافيتي في أكثر من مناسبة قضيّة العدالة الاجتماعيّة وشهداء الثورة والمحاسبة. ووقفت بقوّة ضدّ العنف الذي جوبهت به التحركات الاجتماعيّة في سليانة وقفصة والعمران، بل تجاوزت المواضيع "المنشورة" حائطيّاً البعد المحليّ لتشمل قضايا دوليّة وعربيّة.

مواقع التواصل الاجتماعي لم تغب بدورها عن موجة التجديد الثقافيّ في تونس، فظهر العديد من الصفحات الثقافيّة والمجموعات الأدبية، كما انتشرت على فيسبوك ويوتيوب العديد من الصفحات التي تتناول الشأن الثقافيّ والسياسيّ في البلاد بجرأة وصراحة، واستطاع بعضها أن يشقّ طريقه نحو النجاح مثل سلسلة "كابتن خبزة" التي تناولت بالنقد جميع الوجوه السياسيّة في إطار كاريكاتوريّ شدّ اهتمام الناس.

الثقافة البديلة تخلق فضاءات بديلة

العامل المميّز الثاني للثقافة البديلة، تمثّل في أماكن العرض حيث لم تعد الفضاءات التقليديّة كالمسارح ودور الثقافة وحدها حاضنة للنشاط الثقافيّ، بل تحوّلت المقاهي والشوارع إلى دور عرض. أحدث ذلك تغييراً جذريّاً في مفهوم الثقافة، فبدل أن يسعى الفرد إلى التنقّل قصد ممارسة نشاط ثقافيّ ما، صارت الانتاجات الثقافيّة تسعى خلف المواطن مستهدفة شرائح أكبر وفئات متعدّدة. تحوّلت كثير من المقاهي إلى ما يشبه المراكز الثقافية وأفسحت العديد من الساحات والفضاءات الخاصّة والعمومية في المجال أمام الطاقات الشبابيّة لتجد لها موقعاً في الساحة الثقافيّة.

الشارع بدوره ظلّ الفضاء الأهمّ لتحركات الشباب والمجموعات الثقافيّة. كان لمجموعة "فنّي رغماً عنّي" وجود كثيف في الشارع واعتمدت على عروض مفتوحة للعموم لا في العاصمة فقط، بل في مختلف أنحاء البلاد كالقطار في قفصة وتوزر وطبربة، وهي سمة مميزة للحركات والمجموعات الثقافيّة الشابة التي تسعى لكسر مركزيّة الثقافة وجعلها في متناول كلّ الجهات عرضاً وإنتاجاً.

الثقافة تتجاوز بعدها المجرّد لتتحوّل إلى حاضنة سياسيّة

يعتبر مضمون هذه التحركات الثقافيّة متصّلاً بالمناخ العام في البلاد الغارق في التجاذبات السياسيّة، إذ تصّر مختلف المجموعات الناشطة في هذا الإطار على محاربة انتكاسة المدّ الثوريّ وضرورة مواصلة النضال من أجل الشعارات الأولى التي رفعت منذ 17 ديسمبر 2010 المتعلّقة بالحريّة والكرامة والتشغيل. هذه الحركات لا تجد حرجاً في إعلان مواقفها الرافضة للسائد بدءاً بالمشهد السياسيّ الحاليّ وصولاً إلى النمط الاقتصاديّ. وقد كلّفتها هذه المواقف صدامات عديدة مع السلطة تجسّدت في تضييقات وملاحقات أمنيّة، ووصلت إلى حدّ المحاكمات كالتي تعرّض لهاولد الكانز وKlay bbj نتيجة مهاجمتهما للنظام والبوليس في أغانيهما، أو محاكمة مجموعة "زوازلة" واعتبار رسومهم ورسائلهم الحائطيّة تهديداً للأمن العام.

لم تقتصر نشاطات هذه المجموعات على الأنشطة الثقافية فحسب، بل امتدت إلى المشاركة في التحركات الاحتجاجيّة التي شهدتها البلاد في العديد من المحطات، سواء في الجهات أو في العاصمة، وهو ما يعتبرونه تكملة لرسالتهم الثقافيّة التي تسعى لخلق المثقّف الملتحم بالنّاس والفاعل في المجتمع، والذّي لا يكتفي بالتنظير والنقد عن بعد، إذ لا معنى للنشاط الثقافيّ الذي يمارسونه إن انعزل عن المعطى السياسيّ من وجهة نظرهم.

سميح الباجي

صحافي تونسي في موقع نواة، متخصص في الشؤون الاقتصادية والسياسية والنقابية. يحمل إجازة في العلوم الاقتصاديّة والتجاريّة.

كلمات مفتاحية
غرافيتي

التعليقات

المقال التالي