هل تتحوّل إسرائيل إلى دولة مارقة؟

هل تتحوّل إسرائيل إلى دولة مارقة؟

في بيان أصدره، أعلن الجيش الإسرائيلي عن مصادرة أربعة آلاف دونم من أراضي منطقة بيت لحم في الضفة الغربية واعتبارها "أراضي دولة". على أثر القرار، تبحث أمريكا عن إتخاذ خطوات تتجاوز مجرّد الإدانة لـ"معاقبة إسرائيل"، ويتجه الأوروبيون إلى تسريع قرار مقاطعة المستوطنات. حتى في الداخل هناك من يحذّر من تضرّر مكانة الدولة العبرية دولياً. فهل تتحوّل إسرائيل إلى دولة مارقة؟

بحسب بيان الجيش، اتخذ القرار بأكبر عملية مصادرة أراضي منذ الثمانينيات من القرن الماضي "بناء على تعليمات من القيادة السياسية" وذلك ضمن إطار "القرارات السياسية التي تم اتخاذها بعد مقتل ثلاثة شبان إسرائيليين في المنطقة قرب مستوطنة "غوش عتصيون". بحسب ما نشرته الصحف الإسرائيلية، تمت مصادرة هذه الأراضي الواسعة من خمس قرى فلسطينية لإنشاء مستوطنة إضافية في "غوش عتصيون" تصل بينها وبين أراضي الـ48.

اعلان


معارضة داخلية للقرار

قبل الحرب الأخيرة على غزة، وعقب عملية اختطاف المستوطنين الثلاثة، اقترح وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعلون إنشاء مستوطنة جديدة تحمل اسم المقتولين الثلاثة في داخل كتلة "غوش عتصيون" الاستيطانية، في خطوة تهدف إلى تحقيق رضى اليمينيين الإسرائيليين. حينها، عارضت وزيرة العدل تسيبي ليفني بشدّة محذرة من أن هكذا قرار سيمسّ بما تبقى للمستوطنات من شرعية في المجتمع الدولي، خاصة وأن الاقتراح يُصوّر الاستيطان كعقوبة جماعية.

بعد صدور القرار، اعتبر الأمين العام لحركة "السلام الآن" الإسرائيلية ياريف أوفنهايمر أن الإعلان "يعني غرس خنجر في ظهر أبو مازن"، في إشارة إلى تأثير الإعلان السلبي على عملية المفاوضات وعلى إمكانية التوصل إلى حلّ الدولتين. من جانبها، عادت ليفني وكرّرت قولها إن "هذه الخطوة، كعمل عقابي ضد الإرهاب، تلحق الضرر بالكتل الاستيطانية" وتضر بمكانة إسرائيل في فترة هي أحوج ما تكون إلى الدعم في العالم. أما وزير المالية يائير لبيد، فوصف مصادرة الأراضي بأنها "عملية اختطاف".

لماذا إذاً هذا القرار؟ بعد الحرب على غزّة، تدنّت شعبية رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو كثيراً وفق ما أظهرته استطلاعات الرأي. بهذا الإعلان، يحاول نتنياهو، من خلال تصوير نفسه كمناصر كبير للاستيطان، استمالة الفئات اليمينية على أمل أن يحتفظ بمنصبه بعد الإنتخابات النيابية  القادمة. ولكن في المقابل، تقول ليفني إنه ليس جيداً تقسيم "الشعب من أجل أيديولوجيا استيطان، ليس كل الشعب يؤيدها". ففي اسرائيل فئات واسعة تعارض التوسّع في الاستيطان. مؤخراً، في استطلاع رأي أنجزته جامعة "أريئيل" ونشرته صحيفة هآرتس، تبيّن أن 59% من الاسرائيليين يحمّلون المستوطنين مسؤولية الإضرار بالعلاقات الأمريكية الإسرائيلية وأن 50% منهم يعتبرون أن الميزاينة المخصصة لعمليات الإستيطان تأتي دائماً على حساب ميزانية التعليم والرفاه الاجتماعي. فهل ينقلب رهان نتنياهو على زيادة شعبيته عليه عكسياً؟ هذا رهن بأفق المفاوضات في لحظة إجراء الانتخابات المقبلة.

أمريكا و"معاقبة اسرائيل"

فور صدور القرار، أشار مسؤول في وزارة الخارجية إلى أن "هذا الإعلان، مثل كل إعلان آخر تطلقه إسرائيل عن بناء مستوطنة، وكل خطة يوافقون عليها، وكل مناقصة بناء يطرحونها، يعود بأثر عكسي على هدف إسرائيل المعلن بالتوصل إلى حل قائم على دولتين عن طريق التفاوض مع الفلسطينيين"، مضيفاً "ندعو حكومة إسرائيل إلى التراجع عن هذا القرار". الصحف الإسرائيلية نشرت خبر "تعنيف" وزير الخارجية الأمريكية جون كيري لنتنياهو بسبب مصادرة الأراضي. وفي مقابلة مع صحيفة هآرتس، قال مسؤول في الإدارة الأمريكية إنّ بلاده تبحث خيارات للردّ بطرق مختلفة، غير بيان الإدانة الرسمي، على قرار إسرائيل دون أن يوضح طبيعة أو تفاصيل الخطوات المنوي اتخاذها. الصحيفة أشارت إلى أن "مصادر سياسية إسرائيلية أكدت أنّ قرار المصادرة أثار غضب الإدارة الأمريكية"، وذكرت مصطلح "معاقبة إسرائيل".

تخشى بعض الأوساط الإسرائيلية من أن يؤدي الخلاف بين حكومة نتنياهو والإدارة الأمريكية إلى رفض الولايات المتحدة استخدام "الفيتو" عندما سيعرض الفلسطينيون خطة سياسية للسلام على مجلس الأمن الدولي. فالرئيس الفلسطيني محمود عباس يعمل حالياً على عرض خطة تطالب باستئناف المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين لمدّة تسعة أشهر وإذا تبين أن إسرائيل تماطل، فإنه سيطلب من مجلس الأمن إقرار الخطة.

هذه المخاوف مبالغ فيها. فالموقف الأمريكي الرسمي يرفض أيّة خطوة من طرف واحد ويدفع باتجاه اتفاق يحظى بموافقة الطرفين وهو ما عبّرت عنه المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة سامنتا باور Samantha Power. وحين عرضت خطة أبو مازن لإنهاء الاحتلال على جون كيري رفضها الأخير لأنها خطوة من طرف واحد.

تحاول إسرائيل التخفيف من الغضب الأمريكي. أبلغ ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية الأمريكيين أن قرار مصادرة الأراضي صدر عن وزير الدفاع موشي يعلون ولم يتم بالتنسيق معها ولذلك لم يتم إبلاغ الأمريكيين مسبقاً به. ولكنها، في المقابل، تتخذ قرارات أخرى تولّد مزيداً من التوتر كقرارها نشر عطاءات لبناء 283 وحدة استيطانية في مستوطنة "القناه" في منطقة نابلس.

يعرف الإسرائيليون أن سياساتهم الاستيطانية تضعهم في موقف حرج. في مؤتمر "معهد السياسات ضد الإرهاب" في مركز هرتسيليا، شدّد وزير المالية، يائير لبيد، على "وجوب إعادة العلاقات مع الأمريكيين إلى سابق عهدها، فهم يواصلون تقديم الدعم العسكري والديبلوماسي لنا، لكن تقترب اللحظة التي سيضجرون فيها من النهوض في الصباح ليكتشفوا أننا قررنا ضم 4 آلاف دونم في يهودا والسامرة وأصدرنا عطاءات في القناه، من دون أن نحرص حتى على إبلاغهم. في محادثاتي مع جهات في الإدارة الأمريكية تتكرر الجملة: ليس هكذا يعامل الأصدقاء".

المقاطعة الأوروبية

وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند اعتبر أن قرار مصادرة الأراضي هو "قرار غير متزن، يلحق الضرر بمكانة إسرائيل في الحلبة الدولية. المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية، رومان ندال، أكد أن باريس "تدين وتدعو السلطات الإسرائيلية إلى العدول عن قرارها". وفي بيان أصدره، قال الإتحاد الأوروبي "إننا ندعو إسرائيل إلى التراجع عن القرار والتقدم نحو حل طويل الأجل على أساس دولتين. إن المستوطنات غير قانونية وتشكل عقبة أمام السلام وحل الدولتين... والاتحاد لن يعترف بالتغييرات على خطوط 1967 بما في ذلك في القدس، إلا إذا اتفق على ذلك الطرفان".

سيدفع القرار الأسرائيلي بالأوروبيين إلى تسريع خطواتهم لفرض عقوبات على المستوطنات. قضية المستوطنات هي من العناصر التي تخلق توترات جدّية بين اسرائيل والاتحاد الأوروبي. في يوليو 2013، أعلنت المفوضية العامة للإتحاد الأوروبي أن الدول الأعضاء ستقاطع المستوطنات الاسرائيلية وكل النشاطات الاقتصادية التي يشارك فيها المستوطنون وستمتنع عن تمويل أيّة مشاريع أو هيئات يفيد عملها المستوطنين وذلك على أن يدخل القرار حيّز التنفيذ في بداية العام الحالي. بتأثير من هذا التوجّه قرّر صندوق الإستثمار الهولندي مقاطعة خمسة بنوك إسرائيلية بسبب وجود فروع لها في المستوطنات. كذلك، أصدر البروفيسور في جامعة كامبريدج، جيمس كروفورد James Crowford، استشارة قانونية، نشرت صحيفة الاندبندت The Independent أجزاء منها، بيّنت أن "مقاطعة منتجات المستوطنات لا تتعارض مع التزامات الحكومات لمنظمة التجارة العالمية، حيث أن الضفة الغربية وغزة ليست مصنفة كأراضي إسرائيلية". على الصعيد السياسي، أكّد الاتحاد الأوروبي مراراً أنه "لا يعترف بهذه المستوطنات على أنها جزء من إسرائيل"، وأن توسيع المستوطنات "يعرقل تقدم محادثات السلام."

قبل الحرب على غزّة، بدأ التوجه الأوروبي يأخذ مجراه عملياً. أبلغ الاتحاد الاوروبي وزارة الزراعة الإسرائيلية أنه يعترف فقط بالاشراف البيطري داخل حدود إسرائيل ما يعني أن الدجاج المنتج في المستوطنات لا يستوفي الشروط العامة للاستيراد. وقبل أيام قليلة، هدّد الاتحاد الأوروبي إسرائيل بالتوقف عن استيراد جميع منتجات الحيوانات، إذا لم تضع آلية مقنعة لتمييز منتجات المستوطنات عن باقي منتجاتها. الأوروبيون لطفوا قرارهم باعتباره يرتبط بوجود أمراض بيطرية في المستوطنات ولكن الاسرائيليين يعرفون أن بيت القصيد هو "تعزيز رفضهم الاعتراف بسيطرة إسرائيل على الضفة الغربية".

هذه الخطوات الاسرائيلية تثير قلق اسرائيل. وزير الزراعة الإسرائيلي، يائير شامير، عبّر عن خشيته من "أن يتوسع ذلك ويطال مصانع خمور ومنتجات أخرى". وكتب الصحافي بن كسبيت أن "إسرائيل تخشى أن تمثل القرارات الأوروبية مجرد كرة ثلج متدحرجة، تنتهي بحظر استيراد حتى البضائع التي تتضمّن المواد الخام التي مصدر جزء منها مستوطنات الضفة الغربية والقدس أو الجولان". في كل الحالات، تتحدث تقارير اقتصادية إسرائيلية عن إمكانية إغلاق 80 مصنع إسرائيلي متخصص في إنتاج الحليب والألبان، بسبب القرار الأوروبي. الأسلوب الأوروبي الجديد في الاعتراض على عمليات الاستيطان ليس مسألة بسيطة. مؤخراً، وقّع الاتحاد الاوروبي واسرائيل اتفاق تعاون علمي لتمويل البحث والابتكار، برنامج "أفق 2020"، بعد نقاشات طويلة بين الطرفين أفضت إلى اتفاقهما على منع الشركات التي تنشط داخل المستوطنات من إنفاق المال الأوروبي في المستوطنات. عدم توقيع هذا الاتفاق كان سيعني ابتعاد إسرائيل عن التطور العلمي.

لن يمرّ القرار الإسرائيلي دون عواقب خاصة أن مسألة الاستيطان هي التي أدت قبل أشهر إلى وقف مسار المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين وهي من أبرز العناصر التي تحول دون إعادة إطلاقها. ولكن، هل تتحوّل إسرائيل إلى دولة مارقة؟ بالتأكيد لا، لكن المستوطنات ستتحوّل إلى أراضي مارقة، ما سيدفع إسرائيل إلى التفكير جدياً في الكف عن سرقة المزيد من الأراضي الفلسطينية.

التعليقات

المقال التالي